آداب المجالس 1

آداب المجالس 1

الدرس في آداب المجالس 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية آداب المجالس في الإسلام

يتحدث عن ضرورة إعمار المجالس بذكر الله وتأثير ذلك على أصحابها. يشدد على أن المجالس التي لا يذكر فيها الله تكون حسرة على أصحابها.

تعمير المجالس بذكر الله

يشرح كيفية تعمير المجالس بذكر الله بطرق بسيطة مثل الحمد لله أو التعجب من قدرة الله، وليس شرطًا أن يكون هناك درس أو موعظة.

آداب اختيار الجلساء الصالحين

يُنصح بانتقاء الجلساء الصالحين وتجنب مجالسة الفسقة وأهل البدع، حيث أن مجالسة الأخيار تُعد طاعة وقربة إلى الله.

ختام الحديث عن آداب المجالس والدعاء

يشير إلى وجود آداب أخرى لم يتناولها الحديث ويختم بالدعاء للنفع بما قيل وبالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن الآداب إخواني في الله التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وحفى عليها الشرح، ما يكون من آداب المجالس. وناسب أن يذكر هذا الأدب بعدما تم ذكر آداب الطعام والشراب، وآداب الضيافة والوليمة، وإجابة الدعوة، لأن ما مر من الآداب تجد أنها عبارة عن آداب تفتقر إلى الاجتماع. الطعام والشراب والضيافة والولائم فيها مسألة الاجتماع، وهذا الاجتماع يُعقد عبر مجالس للناس، فناسب أن نذكر إخواني في الله ما يتعلق بآداب المجالس. قولنا هنا بآداب المجالس الذي نعنيه هو عموم المجالس، نقصد عمومًا مجالس سواء كان هذا المجلس عُقِد لأجل وليمة أو لا، كمجالس التحدث، مجالس السمر، والقيل والقال. هذه الآداب تخصه وتدخل فيه، وكذلك بغض النظر عن محلها، مجالس تُعقد في البيوت، المجالس الأسرية، أو مجالس تُعقد في بيوت الله، أو التي تُعقد في الأماكن العامة، أو في الأماكن الخاصة، فهذا يخصها. وأيضًا كذلك بغض النظر عن الجالسين، سواء كانوا ذكورة أو كانوا إناثة، فأحيانًا تُعقد مجالس وهي كثيرة للنساء، فهي كذلك تفتقر إلى هذه الآداب التي سنتحدث عنها. فهذا المبحث إخواني في الله من المباحث المهمة التي ينبغي لكل واحد منا أن يعتني بها، لأنها تقصه. فما من أحد إلا وله مجلس يجلس فيه. وأولى هذه المجالس إخواني في الله، وأولى هذه الآداب، أعني أن تكون هذه المجالس عامرة بذكر الله جل في علاه. وهذا يعتبر أدبًا عظيمًا ينبغي أن يحرص عليه كل جالس، وأن يقع في كل مجلس أن يعمر بذكر الله جل في علاه. فالإنسان إخواني في الله بشكل عام، وطالب العلم بشكل خاص، ينبغي أن يعمر هذه الحياة بذكر الله جل وعلا، ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾، وهذا يشمل كل حال من أحواله في قيامه وقعوده، ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾. فأنت قاعد وأنت جالس أذكر الله يا عبد الله. وقد جاءت من الأدلة الدالة والمبينة لضرورة إعمار المجالس بذكر الله جل وعلا. فمن ذلك ما جاء في السنن عند أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة». وجاء في رواية: «ولم يصلوا على نبيهم». وهذا جاء عند الترمذي، ويحسنه الشيخ الألباني رحمه الله. فهذا الحديث فيه التأكيد لضرورة إعمار المجالس بذكر الله. فما من قوم، بغض النظر عنهم من هم، صغارًا كانوا أو كبارًا، في المساجد أو خارج المساجد، رجالًا أو نساء، ما من قوم فقاموا من مجلسهم ولم يذكروا الله إلا كان عليهم حسرة. وجاء في رواية عند أحمد: «يتحسر يوم القيامة». وكيف لا يتحسر المسلم على ساعات قضاها في هذا المجلس، والذي لربما استمر ساعات، وما ذكر الله؟ فيتحسر على فوات الأوقات فيما لا ينفعه. وكانوا قاموا عن مثل جيفة حمار، يعني هذا حالهم. وقال العلماء: جيفة أي للنتن والقذارة والخبث والنجاسة. وحمار ضرب به المثل في هذا المقام لعدة أمور، منها البلادة، لأن هؤلاء بالحقيقة أصحاب بلادة. مجلس تلو مجلس في الليل، في النهار، في الصباح، في الظهيرة، ولا يذكرون الله، ما هناك معتبر على هذه الأوضاع المزرية. فضرب بمجلسهم كأنهم قاموا عن جيفة حمار. فهذا الحديث إخواني في الله من الأحاديث الذي تدلنا على أهمية هذا الأدب من الآداب العظيمة التي ينبغي أن يتحلى به المسلم والمسلمة في مجالسهم، أن يعمروها بذكر الله جل وعلا. بقي مسألة وهي ما حكم هذا المجلس إن عري عن ذكر الله؟ العلماء ذكروا حكم الكراهة، فإن هذه من المجالس المكروهة. وما قال أحد بالتحريم لكونه حسرة، فهذا مما يكره في مثل هذه المجالس. وفائدة أخرى إخواني في الله، بقي من مقصود أن تعمر هذه المجالس بذكر الله، هل لابد من درس؟ يقول أخي: أنت كيف تقول أنا الآن مع أصحابي في المقهى، ولا أصحابي في مكان عام، هل أعمدهم درس حتى يعمر بذكر الله؟ لا، لا مع أحد قال بدرس أو تعمل لهم نصيحة. العلماء ذكروا ما هو دون ذلك. هذا المجلس يكفي فيه أنك تذكر الله، مثل: كيف حالك يا فلان؟ الحمد لله، يكفيك. انظر لهذا الحب، يكفيك تذكر الله الحمد لله في هذا المجلس. أذكر الله ما شاء الله، يكفيك. ما شاء الله، ذكرت الله في هذا المجلس. وهل أحد يبخل في مثل هذه الكلمات؟ الحمد لله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، أو «إن لله وإن إليه راجعون»، اذكر ربك، اذكر ربك يا عبد الله. قال: علمه ما هذا يكفي، هذا ذكر الله جل وعلا. ليس من شرطه أنك تعمره بدرس أو موعظة، إن كان هذا فحسن لا شك ولا رأي، لكن هذا أقل ما يقال. بل من العلماء من ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، قال: ليس بشرط الذكر أن تذكر الله، ليس شرطًا، بل أنك تحوم حول تعظيم الله. قال العلماء: لو أنك تذكر آية من آيات الله، هذا الجو بارد يا أخي، عجيب هذا الجو، أنت تريد من هذا الجو التعجب قدرة الله، يكفي. قال: هذا من ذكر الله، يكفيك هذا من ذكر الله. وقص على ذلك أن تذكر الجنة والنار، وإن لم تذكر لفظ الجلالة، جنة، نار، الوعد والوعيد، الرسل والأنبياء، كل ذلك من ذكر الله. قال: لأن الأصل في ذكر الله هو زوال الغفلة، زوال الغفلة أن تزيح الغفلة عن القلب، فإن فعلت ذلك، سواء كان بذكر الله أو بغير ذكره، فإن هذا يكفيك. فإن ترفع المذمة عن هذا المجلس فهذا إخواني في الله من المساء العظيمة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلمون في مجالسهم. وكثيرة ما هي هنا إشارة إخواني في الله إلى تلك المجالس التي تعقد بكثرة وتأخذ من الإنسان الكثير من عمره، وهي خالية تمامًا عن ذكر الله، كالمجالس التي تعقد في آخر الليل، مجالسة الآن ترونها من بعد العشاء، ولا أقول بعد العشاء بل بعد منتصف الليل، وتنتهي إلى الفجر أو قبيل الفجر، مجالس ليس فيها ذكر لله عز وجل، إنما قيل وقال. أو ما يكون في بعض الأماكن العامة والخاصة، وما يصاحبها من اللعب التي فيها الغفلة. أما إذا كان هذا المجلس احتوى على معصية، فهذا أمره أشد وأعظم وأنكى، كالذي تعقد فيها الكلام في أعراض الناس، أعراض المسلمين والمسلمات، أو فيها غيبة أو نميمة أو كذب أو بهتان أو افتراء أو ازدراء أو سخرية أو استهزاء، هذه معاصي. حديثنا عن المجالس التي تكون فيها خالية عن ذكر الله، من مجالس الغفلة، هذه تكره أن تعقد، والإنسان يحاول. وسيأتي معنا في مباحث هذه الآداب ما يتعلق بكفارة المجلس، نجعلها في آخر المبحث. فهذا إخواني في الله من أهم المباحث أن تعمر المجالس بذكر الله. وقد سمعتم الحكمة والصور كذلك من الأدب، وهي من الآداب المهمة. كما أنك أيها الجالس في هذا المجلس تهتم بما تتلفظ به، كذلك انظر من تجالس. فإن من آداب المجالس إخواني في الله أن تجالس الأخيار، أن تجالس الأتقياء الأبرار على قدر المستطاع، ابحث عنهم، اجلس معهم، أكثر من الجلوس معهم، فنعم المجالس هي هذه المجالس التي فيها الأخيار، فيها أهل الصلاة، فيها أهل التقى ممن يعرفون حدود ما أنزل الله. هؤلاء يا عبد الله عش في أكفانهم، وأكثر من مجالستهم، فإن مجالسة طاعة وعبادة وقربة لله سبحانه وتعالى، كما قال: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾، اصبر، اجلس معهم، وامكث، واحتسب الأوقات في الجلوس معهم، لأن الجلوس معهم ذكر، طاعة، قربة لله عز وجل. فهذا أدب حليك يا عبد الله أن تتحلى به، وابتعد قدر الإمكان عن المجالس التي يقطنها والذي يتوارد ويتهافت إليها الفسقة والفجرة. وهذا معروف، المجالس تُعقد على الخبائث، لماذا؟ لأن الذي يخُبث لا يخرج إلا نكدة. فإن كان أهل المجالس هؤلاء من تارك الصلاة، من عاق لوالديهم، من قاطع لأرحامهم، ممن ضيع شرع الله، فما تظن في مجلسهم إلا البهتان. ولقد دلت الأدلة العظيمة والكثيرة على ضرورة التحلي بهذا الخلق. قال عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وقال عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك في السنن من حديث أبي سعيد الخدري: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». ما معنى هذا؟ أي أن في كل ملازمتك تكون مع الأخيار، في جلوسك معهم، في أكلك معهم، في سفرك معهم، في مخرجك وترحالك معهم. «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»، كناية على أنك تكثر من الجلوس معهم. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». والحديث معروف عندكم فيما يتعلق بمظاهر وآثار مجالسة الصالحين، كيف أنها تثمر في الدنيا قبل الآخرة. فهذا إخواني في الله من الآداب التي يتحلى بها المسلم أن يتوخى ويبتعد عن مجالسة من ليس فيهم خير، من أهل الفسوق، ومن أهل الفجور والمجون، ومن أهل الملذات والهوى والشهوات. وأيضًا لا ننسى من هؤلاء الجلساء الذي ينبغي أن تبتعد وتنأى عنهم ما كان أو ما يكونون من أهل البدع، من المبتدعة، فهم أخطر. لا تستهون بالجلوس معهم، هم في الحكم سواء، كما أنك أمرت بعدم مجالسة أهل الملذات والشهوات، كذلك أنت مأمور بعدم مجالسة أهل البدع والشبهات. فكما جاء في قوله سبحانه وتعالى في البخاري من حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ لكم الآيات التي في آل عمران: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ حتى انتهى منها، قال: «فإذا رأيت هؤلاء فإياك وإياهم»، أي ممن يتتبعون المتشابهات، وهم أهل البدع والأهواء. فقد ذكر العلماء كالبغوي وغيره الإجماع، إجماع علماء السنة على عدم مجالسة مبتدعة، وعلى ضرورة هجرهم. لا تجالس هؤلاء، فإن كان أولئك الفسقة سيوقعونك في المعاصي والحرام، فإن أولئك المبتدعة سيقحمونك في البدع والضلالات. والأمر كما قال أبو قلابة رحمه الله: «لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تخالطوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو أن يلبسوا عليكم كثيرًا مما تعلمون». فهذا إخواني في الله ما يتعلق بالأدب الثاني. وبقي آداب أخرى متعلقة بهذه المجالس، أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.