شرح كتاب لم الدر المنثور 89

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 89، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

استثناء المبتدعين والمجاهرين من حرمة الغيبة

يبيّن المقطع أن الغيبة جائزة بل واجبة لمن جاهر ببدعته أو معصيته كالمبتدع الداعي إلى بدعته والفاسق المعلن بفسقه، مستنداً إلى أقوال أحمد بن حنبل والنووي وابن باز، فالتحذير منهم نصيحة وحماية للدين ويشمل من يظهر شرب الخمر أو التدخين أو غير ذلك من الكبائر.

حكم غيبة المجاهرين وخطر السكوت عنهم أو مدحهم

يوضح المقطع أنه لا غيبة لمن أعلن معصيته وجاهر بها بل يجب التحذير والنصيحة بذكر حالهم، مستدلاً بأقوال ابن باز وابن تيمية، ويحذر من عواقب السكوت عن أهل البدع أو الثناء عليهم ضارباً مثلاً بتأثر أبي ذر الهروي بالأشعرية بسبب رؤية الدارقطني يعانق ابن الطيب ويثني عليه.

قصة انحراف عمران بن حطان وتحذير مجالسة أهل الأهواء

يروي المقطع قصة عمران بن حطان الذي كان تابعياً صدوقاً سنياً فانحرف في آخر أمره إلى مذهب الخوارج بسبب تأثير زوجته وابنة عمه وغلبته في المناظرة على يد غلام خارجي، ويختم المحاضر بتحذير من مجالسة أهل الأهواء ظاناً القدرة على ردهم لأن القلوب سريعة الانقلاب.

ترجمة الكاتبة والمترجمة نانسي قنقر

يُعرّف هذا المقطع بالكاتبة والمترجمة نانسي قنقر مستعرضاً أبرز محطاتها العلمية والعملية وإسهاماتها في مجال الترجمة والأدب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فما زلنا في "لمع الدر المنثور من القول المنثور" في الباب السابع والثلاثين: "لا غيبة للمخالفين وأهل الأهواء والبدع". وقد ذكرنا في هذا الباب ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، وبينا فيه أتم البيان حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الآثار الواردة في هذا الباب: أنه لا غيبة لمبتدع. وأخذنا آخر ما أخذنا قول أبي زرعة الدمشقي، وهو عبد الرحمن بن عمر رحمه الله، أنه قال: سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف، فقال: "بيّن أمره". فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك غيبة؟ قال: لا. يعني بيان حال الرجل إذا كان يغلط، وإذا كان يصحف، وإذا كان يهم في الحديث، ليس هذا من الغيبة أبداً. قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "المعلّل ابن هلال". هو إلا أنه إذا جاء... نعم، قرأنا هذا، قرأنا كلام ابن المبارك إلى كلام كثير بن زياد، أبو سهل: "يقال: أهل الأهواء لا حرمة له". نعم، بعده الأثر الخامس... أو الخمسمائة بعد الأربعة والأربعين... بعد الخمسمائة، قال الحسن بن علي الإسكافي رحمه الله: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن معنى الغيبة، قال: "إذا لم ترد عيب الرجل". قلت: فالرجل يقول: فلان لم يسمع، وفلان يخطئ. قال: "لو ترك الناس هذا لم يعرف الصحيح من غيره". أيضاً هذا من هذا الباب، أنك تبين حال الرجل إذا كان يخطئ، لأنه لو ترك هذا فالناس لا يعرفون الصادق، ولا يعرفون كذلك الصحيح من غير الصحيح، فلا بد من بيان ذلك. فلذلك ليس فيه من باب عيب الرجل، وإنما من باب بيان حال هذا الأمر: أنه يخطئ. أنت لم ترد عيبه، ولكن تريد أن تبين أن الرجل ليس بشيء في نقل العلم. قال زيد بن أسلم، وهو مولى عمر رضي الله عنه رحمه الله: زيد بن أسلم ثقة عالم. قال: قال: "إنما الغيبة لمن لم يعلن بالمعاصي". لمن لم يعلن بالمعاصي. لأن الغيبة محرمة بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن تذكر أحداً من المسلمين بالغيبة إلا كما تقدم في الأحاديث، وكما تقدم كذلك في كلام أهل العلم. فإذا كان هذا الشخص مجاهراً بالمعاصي، كما قال النووي: "والمظهر فسقاً" الذي يظهر الفسق ويعلنه، فهذا إذا ذكرته وعبته لأجل النصيحة والتحذير من المعاصي التي يقع فيها لأنه معلن بها، فهذا ليس من الغيبة في شيء، ليس عليك ذلك بحرام. قال إسماعيل الخطبي رحمه الله: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: قلت لأبي، وهو أحمد بن حنبل: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ، لعله أن يكون مرجئاً أو شيعياً أو فيه شيء من خلاف السنة، أيسعني أن أسكت عنه أم أحذر عنه؟ فقال أبي: "إن كان يدعو إلى بدعة وهو إمام فيها ويدعو إليها، نعم تحذر عنه". الإمام أحمد رحمه الله تعالى رأى أنك تحذر الشخص إذا علمت أنه يريد أن يذهب إلى شيخ ليطلب العلم منه، وهذا الشيخ عنده البدع، مثل الإرجاء أو التشيع أو نحو من البدع، أو كذلك في زماننا هذا الحزبية المقيتة، فإنك تحذر منه لأنك على علم أن هذا الشخص يدعو إلى بدعته، فواجب التحذير من أهل البدع الداعين إلى بدعهم. وقد يغتر أيضاً بغير الداعي... بغير الداعي إلى بدعته، كان يغتر مثلاً بسمته وأدبه وحسن أخلاقه أو صلاته، فقد حصل هذا لبعض الأئمة رحمهم الله، كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا: ما هي الآثار المترتبة على صحبة أهل البدع أو الجلوس مع أهل البدع؟ آثار هناك خطيرة، قد يتأثر الشخص بشيخه وفيه شيء من البدع، كما تأثر عبد الرزاق رحمه الله تعالى بشيخه، تأثر بشيخه فدخله التشيع، مع أن شيخه لم يكن يدعو إلى البدع، لكن رآه على هدي، وعلى سمت حسن وأخلاق وحسن صلاة، فاغتر به، فبعد ذلك صار مثله. قال علي بن سلم اللبقي رحمه الله: هذا كتاب يا إخوان، ممكن أحد يتابع فيه كتاب "لمع الدر المنثور". قال: سمعت ابن عيينة... وعلي بن سلم قال: الحافظ صدوق. سمعت... سمعت ابن عيينة وصفيان يقول: "ثلاثة ليست لهم غيبة"، ومنهم: الفاسق المعلن بفسقه. إذن من هم؟ إذا قيل لك: من هم الذين ليست لهم غيبة؟ فهم هؤلاء الثلاثة. قال: "والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته". إذن عندنا فاسق معلن بفسقه، وكذلك مبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته. ذكر هذين الاثنين من الثلاثة الذين تجوز غيبتهم. وقد ذكرنا أيضاً كلام النووي رحمه الله تعالى بأعم وأشمل من الاثنين: "والقدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ولمظهر فسقاً، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر". قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله: العلامة ابن باز يقول: "إذا جاهر ببدعته أو معصيته لا غيبة له". الذي يجاهر لا غيبة له، يعني معلم خير، مبالي بالمعاصي التي يرتكبها، المعاصي التي هي معلومة عند الناس كالزنا، أو اللواط، أو كذلك الربا، أو السرقة، أو نحوها من كبائر الذنوب، العياذ بالله، شرب الخمر. هذا يجاهر بها ولا يبالي بمن... فهذا تحذر منه، هذا يحذر منه، تبهوا من فلان، هذا فلان فاسق، هذا فلان فاسق عنده كذا وكذا. كذلك المبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته، إلى شأنه وما هو عليه من الهوى، هذا يحذر منه، ولا غيبة له أن تذكره باسمه. قال الشيخ ابن باز: الذي يجاهر ويشرب الخمر هذا كمثال، ويشرب الخمر يقال إنه فاجر، أو بالتدخين، أو بالتدخين يقال: مدخن. سأل لك واحد: ما حال فلان؟ ماذا تعرف عن فلان؟ مدخن. قل له: مدخن، لأنك رأيته يدخن، وهو هذا... هذا التدخين ما يتحاشى منه، فأنت لكي يعرفه الشخص الآخر، ربما تقدم لخطبة... ربما تقدم لخطبة، فتقول: هذا فلان مدخن، لا حرج في ذلك، لأن التدخين هذا من الذنوب وهو حرام. هكذا مخزن... فأنت شخص مخزن، هذا المخزن يتخبى... ما يتخبى هذا أمام الناس، يخزن أمام الناس. التخزين عند العلماء أيضاً لا يجوز، وإن قال بعضهم أنه مكروه، لكن الصحيح أنه حرام، لا يجوز. فالتدخين، التخزين، وهكذا أيضاً المخدرات وشرب الخمر ونحوها من أرباب الفسوق والمعاصي المجاهرين بها، هذا تقول: فلان كذا، لأنك تريد بذلك النصيحة، تريد بذلك التحذير منه حتى ما يصاحبه ويجالسه، أو كذلك يزوجه أحد، حتى يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من هذه الأشياء. لكن بعض الناس يتساهل في هذا، تساهل في هذا الباب، يعني عندهم التدخين عادي، وألقات عندهم عادي، بعض الناس يتساهل في هذه الذنوب والعياذ بالله، فينبغي أنك... أنك هؤلاء تسجرهم وتنهاهم. قال أيضاً الشيخ ابن باز: يقال إنه فاجر، من هذا الذي يشرب الخمر أو التدخين، يقال: هذا مدخن، حالق اللحية، لا غيبة له. لذلك شخص هذا مجاهر أمام الناس، حالق لحيته. دجاك شخص، ما حال فلان؟ يقول له: يحلق لحيته، أنا رأيته يحلق لحيته، ربما تقدم الناس فيظنون فيه الخير. قال: هو فضح نفسه، هو فضح نفسه. هذه المعاصي... هذه ماذا؟ المعاصي. فأي معصية ظاهرة وجاهر بها صاحبها، من جاءك يستشيرك، يستنصحك فيه، قل لهم: هذا كذا وكذا، بما رأيته فيه. قال: وهكذا من أعلن بدعته، كالذين يبتدعون بالاحتفالات بالمولد، أو بليلة سبع وعشرين من شعبان، ليلة الإسراء والمعراج زعموا، أو بالبناء على القبور، التجصيص ووضع القباب عليها، ينكر عليهم، يقال: هذا لا يجوز، هذه بدعة. المقصود: من أظهر بدعته ومعاصيه لا غيبة له فيما أعلن. تقول: ترى فلان أظهر البدعة الفلانية، يدعو إليها، احذروه، احذروه. هذا كلام العلامة ابن باز رحمه الله وتعالى، لأن الدين النصيحة، ولا حرج، ولا تأثم... لا تأثم في ذلك أن ذكرته بما فيه لغرض صحيح، لغرض شرعي، فأنت تريد تحذير الناس من شره، ما دام أنه أظهر وأعلن. قال ابن تيمية رحمه الله: "إذا كان الرجل مخالطاً في السير لأهل الشر يحذر عنه". مخالط في السير يعني... ابن ما شاء، يمشي مع أهل الشر والفساد، هذا يحذر عنه، هذا يحذر عنه، لا حرج في ذلك، ويذكر حتى يجتنبه أهل الصلاح. قال محمد بن عبد الله بن أبي زمنين رحمه الله، وهو من العلماء المتأخرين، علماء المملكة: "ولم يزل أهل السنة يعيبون أهل الأهواء المضلة، وينهون عن مجالستهم، ويخوفون فتنتهم، ويخبرون بخلاقهم، ولا يرون ذلك غيبة لهم ولا طعناً عليهم". إذن هذا الباب واضح، وهو أنه لا غيبة لمبتدع مظهر بدعته ومجاهر بها، وكذلك لا غيبة لأرباب الفسوق والمعاصي المعلنين بها الذين يعلنون هذه المعاصي، فلا حرج في ذكرهم لكي يحذرهم الناس، لأن هذه لا يحبها الله سبحانه وتعالى، فلا يحب الله البدع، ولا يحب الله عز وجل المعاصي، بل كما قال تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7]. هذا مما كرهه الله لعباده، فالله حبب إلى عباده الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم هذه الأشياء كلها: الكفر، البدع، المعاصي، شتى أنواع المعاصي، وكذلك الفسوق. لهذا هذه الأشياء تذكر لأجل أن تحذر. الباب الثامن والثلاثون: النتائج المترتبة في الثناء... في الثناء على أهل البدع وتعظيمهم والجلوس معهم والسكوت عن التحذير عنهم. يعني لو واحد سكت عن أهل الأهواء والبدع وما حذر منهم، بل قد يكون العكس: عظم أهل الأهواء والبدع وأثنى عليه. قد تجد بعض أهل الصلاح يثني على بعض المبتدع ويذكرهم بالخير، فيغتر بهم الآخرون. وهناك نتائج مترتبة: أنك بالسكوت على أهل الأهواء والبدع قد يغتر غيرك، أو بالمصافحة أو المجالسة أو التقبيل أو نحو ذلك، هذا قد يكون فيه اغترار، فيأتي من بعدك يراك... يراك على هذه الحال مع هذا المبتدع فيأخذ عنه ويصير مثله. قال أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي في كتابه "اختصار فرق الفقهاء" في ذكر القاضي أبي بكر بن الباقلاني، الباقلاني، القاضي أبو بكر الباقلاني، هذا مشهور في علم الأصول، لكن عنده شيء... عنده شيء من العقيدة الأشعرية. قال: لقد أخبرني الشيخ أبو ذر عبد بن أحمد الأنصاري الهروي، المعروف بأبي ذر الهروي، وله كتاب اسمه "ذم الكلام"، لكنه أيضاً تأثر بشخص كما سيذكر في هذا الأثر. قال: وكان يميل إلى مذهبه الأشعري. إذن أبو ذر الهروي صار أشعرياً بماذا صار أشعرياً؟ قال: فسألته: من أين لك هذا؟ إذن ابن الباقلاني يسأل أبا ذر، يسأل أبا ذر الهروي: من أين دخلك الأشعري؟ قال: إني كنت ماشياً ببغداد مع الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، الدارقطني إمام معروف، له "السنن" وله "العلل". قال: فلقينا القاضي أبا بكر، فلقينا القاضي أبا بكر محمد بن الطيب، فالتزمه الشيخ أبو الحسن الدارقطني، ومعنى التزمه: أي عانقه وقبل وجهه وعينيه. لعل الدارقطني لم يكن يعرف ذلك، ولعل لم يكن... أن هذا ابن الطيب، محمد بن الطيب، كان عنده أشعري. قال: وقبل وجهه وعينيه، فلما فارقناه افترقنا، قلت له: من هذا الذي صنعت به ما لم أعتقد أنك تصنعه وأنت إمام وقتك عن إمام وقتك؟ دارقطني إمام، كان إمام وقته في الحديث. فقال: "هذا إمام المسلمين والذاب عن الدين". هذا القاضي أبو بكر محمد بن الطيب، مدحه أمام أبي ذر الهروي: "هذا إمام المسلمين"، تما تعرفه؟ قال أبو ذر: فمن ذلك الوقت تكررت إليه مع أبي، فاقتديت بمذهبه. إذن بعد ذلك صار... صار أبو ذر الهروي على مذهب من؟ ابن الطيب، ودخلته الأشعرية بالمجالسة، جالسه لأنه رأى الدارقطني يثني عليه، يقول: جمال... وهو صاحب الكتاب: "السكوت عن أهل البدع وعدم بيان حالهم يغرر بالآخرين الجاهلين بها فيقعون فيها"، هذا السكوت. قال: "وأشد من ذلك وأمر إذا جاء الثناء على أهل البدع ممن ظاهره الصلاح والتقاء". ممن ظاهره الصلاح والتقاء، يعني إذا جاء الثناء من أهل الصلاح والتقاء على أهل البدع، فهذا يعني أن هذا الرجل على مذهب أهل السنة وعلى خير، فلهذا يغتر الإنسان بالثناء، وكذلك ربما يقال: أن السكوت... مدام أنهم سكتوا عنه فإن حاله حسن. قال يعقوب بن شيبة رحمه الله: إذن هذه القصة، قصة من قصة أبي ذر الهروي مع من؟ مع أبي الحسن الدار... قطني، علي بن عمر. قال: وعمران بن حطان من بني سدوس، أدرك جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصار في آخر أمره أن رأى رأي الخوارج، وكان سبب ذلك فيما بلغنا أن ابنة عم له رأت رأي الخوارج، فتزوجها ليردها عن ذلك، فصرفته إلى مذهبها. يقول يعقوب بن شيبة الإمام الحافظ: قل عمران بن حطان كان هذا من التابعين، من التابعين، لأنه سمع من الصحابة، وروى عنه جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كان صدوقاً، وكان من أهل السنة. هذا عمران بن حطان كان من أهل السنة، لكن آخر أمره يقول: أنه تزوج ابنة عم له، وذكروا أن اسمها حمنة، هذه المرأة كانت على رأي الخوارج، فما زالت به حتى رأى رأي الخوارج، فبعد ذلك ترك مذهب أهل السنة بسبب زوجته، بسبب زوجته صرفته إلى مذهبها. وهذا لأنها أثرت عليه، أثرت عليه، سمع كلامها، المفروض أن الزوج يغلب زوجته، لكن هذا غلبته زوجته، أن المرأة هي التي تتبع زوجها، هي التي تتبع الزوج فيما يقول وتطيعه، لكن هو كانت أقوى منه، لم يكن عنده شيء من الحجة، فغلبته. فهذا عمران بن حطان مع صدقه، أنه كان صدوق اللسان، حتى ذكر في ترجمته أنه ما كان يكذب، ما كان يكذب، لأنهم يرون الكذب كبيرة، وكبائر الذنوب تخرج العبد من ماذا؟ من الإسلام، لهذا ما كان يكذب، صدوق. قال عنه الحافظ في "الفتح": "الصدوق"، يعني هذا صدوق اللهجة، صدوق اللسان، ومدحه غير واحد من العلماء، وأثنى عليه غير واحد من العلماء كأحمد بن حنبل، وابن معين، والشافعي، وغيرهم، أثنوا عليه في صدقه، وكان من أهل السنة، لكنه بعد ذلك ماذا؟ رأى رأي الخوارج. وقيل أنه رجع عن ذلك، أنه رجع قبل أن يموت عن رأي الخوارج. واعتذر بعضهم للإمام البخاري رحمه الله تعالى إخراج رواية عمران بن حطان في الصحيح، في الصحيح. فبعضهم قال: لعل البخاري رأى هذا أنه تاب، أنه تاب ورجع عن رأي ومذهب الخوارج، ولهذا أخرج له في الصحيح. ممن أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي، أخرجوا له، أخرجوا رواية عمران بن حطان مع أنه مبتدع، مع أنه كان خارجياً، كان خارجياً. وبعضهم قال: إنما أخرج له البخاري من رواية يحيى بن أبي كثير، ولكن هذا رده الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، قال: يحيى بن أبي كثير إنما روى عن عمران بعد رأي الخوارج، وليس قبله، لأنه روى له في زمن الحجاج، وكان الحجاج يطلبه ليقتله، ليقتل عمران بن حطان بسبب مذهبه وخروجه عن الإمام. وبعضهم قال: ليس هو من الخوارج الذين يرون السيف، وإنما من الخوارج القاعدية، قاله ذلك المبرد، وهو محمد بن يزيد البصري. يقول: عمران بن حطان هو رأس الخوارج القاعدية الصفرية. ومعنى خوارج قاعدية: أنهم لا يرون الخروج بالسيف، لكن ينكرون على الإمام الجائر الظالم، ينكرون عليه باللسان، ويزينون ذلك في مجالسهم، حتى بعد ذلك من خرج عليه بالسيف لا ينكرون عليه، يحسنون، لكن هم لا يخرجون، يسمونهم خوارج قاعدية. فالله أعلم. فالمهم أن هذا عمران بن حطان مدح قاتل علي، مدح قاتل علي بن أبي طالب، لما قتل علي بن أبي طالب، حتى قال: ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوماً فأحسبه أوف البرية عند الله ميزانا فرد عليه أحدهم فقال: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش سخطانا إني لأذكره يوماً فألعنه وألعن الكلب عمران بن حطانا لأنهم من الخوارج وهم كلاب النار. فذكروا أنه تاب قبل موته، فالله أعلم. ذكر ذلك محمد بن بشير العبدي فيما ذكر، والحافظ رحمه الله تعالى في "التهذيب". طيب، قال: وقال أيضاً: حدثت عن الأصمعي، الأصمعي هو عبد الملك بن قريب، الإمام اللغوي النحوي الفصيح المشهور، وكان من أهل السنة، أهل السنة أربعة فيما ذكرهم العلماء: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد الفراهيدي، والأصمعي، ويونس بن حبيب، هؤلاء من أهل السنة، أهل لغة، وأهل كذلك حديث، وأهل علم. فالأصمعي كان من المحدثين، كان من المحدثين. وقال يعني عنه الحافظ في "التقريب": صدوق، سني، سني، لأنه من أهل السنة. قال: أن تجد شخصاً يوصف بأنه سني لثناء العلماء عليه، وله قصص كثيرة في الأدب والشعر والنحو، وكذلك الحديث، وله تلك القصيدة المشهورة: "صوت صفير البلبلي"، صوت صفير البلبلي، هذه فيما اشتهرت عنه، وبعضهم قال أنها لا تثبت وسندها ضعيف. قال: حدثنا المعتمر بن سليمان عن عثمان البتي، قال: كان عمران بن حطان من أهل السنة، فقدم غلام من عمان كأنه نصل، فغلبه في مجلس، يعني غلام غلب عمران بن حطان، ناظره فغلب. انظروا كيف إنسان ربما يكون عنده شيء من العلم، ولكن يأتي من يغلبه، فلهذا أنت تنتبه وتحذر أن تجالس أهل الأهواء، فهذا خارجي غلب عمران بن حطان بماذا؟ بما عنده من البيان. قال محمد بن أبي رجاء رحمه الله: أخبرني رجل من أهل الكوفة، قال: تزوج عمران بن حطان من الخوارج ليردها عن دين الخوارج، فغيرته إلى رأي الخوارج. انتهت الآثار. قال جمال السعيد: من اتعظ بغيره، ولا يقول: أدخلوا مجالسهم وأخالطهم حتى أردهم عن بدعتهم، فالأمر ليس بمضمون، والقلب سريع الانقلاب، وصلاح نفسي أولى من صلاح غيري. إذن أنت تحذر من هذا، تحذر من مجالسة أهل الأهواء، لأنك حتى ولو كان عندك شيء من العلم، فربما غلبوا، فليس هذا بمضمون أن تردهم، فالمجالسة مؤثرة، فعمران من مجرد مجلس، أو كذلك زوجة، رجع عن مذهب السنة إلى مذهب الخوارج. طيب، بهذا نكون نتهينا من هذا الباب، نكتفي بهذا القدر. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر.