الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 98، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المؤلف صفات الغرباء مستشهداً بقول سفيان الثوري في وجوب محبة أهل السنة ونصرتهم لكونهم غرباء في كل زمان، مبيناً أن التمسك بالسنة والعمل بها هو سبب الغربة بين الناس. ويختتم بنقل قول أبي الدرداء عن انسلاخ عرى الإسلام عروة عروة، وأولها الحكم وآخرها الصلاة، دلالة على تدرج الناس في ترك الدين.
يوضح المقطع كيف تنتقض عرى الإسلام عروة عروة بدءاً من الحكم بغير ما أنزل الله وانتهاءً بترك الصلاة، مستشهداً بحديث حذيفة عن بقاء كلمة التوحيد دون عمل. وينقل عن الحسن البصري وصف أهل السنة بأنهم وسط بين الغلو والجفاء، داعياً للصبر على السنة.
يتحدث المقطع عن ضغوط الانضمام إلى أحزاب وفرق تدعو إلى الباطل بينما يتمسك المؤمن بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن ذل المؤمن في آخر الزمان سببه غربته بين أهل الفساد. ويذكر ابن القيم مراتب الغربة: المسلمون بين الكفار، والمؤمنون بين المسلمين، وأهل العلم بين المؤمنين، وأهل السنة بين أهل العلم.
يختص المقطع ببيان صفة من صفات الغرباء وهي الصبر على أذى المخالفين والدعوة إلى الله، موضحاً أن هؤلاء الغرباء ليسوا كل أهل السنة بل فئة معينة تتحمل الأذى في سبيل الدعوة والنصيحة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما زلنا في صفات الغرباء وأوصافهم، بهذا الباب من مختصر اللآلئ المنثور من القول المأثور. وآخر ما ذكرنا في هذا الباب كلام سفيان الثوري، رحمه الله تعالى، وهو قوله: «استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء». وقال أيضا: «إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة، وآخر بالمغرب، فابعث إليهما السلام، وادعُ لهما، ما أقل أهل السنة والجماعة». وهذا أيضا فيه أن أهل السنة يحب بعضهم بعضا، فهم وإن كانوا متفرقين في الأجساد، كل في بلد، إلا أن قلوبهم مجتمعة على المحبة، فلذلك ابعث إليه بالسلام، وادعُ لهما إذا سمعت برجل من أهل السنة في بلاد المشرق، وآخر في بلاد المغرب، ابعث إليهما فتسلم على أهل السنة أينما كانوا، لأنهم إخوان، وهم على نفس الطريق، فإن كانوا في بلاد المشرق أو في المغرب تحبهم فتسلم عليهم، تبعث إليهم بالسلام، إذا وفد أو سيذهب إليهم وافد تقول لهم: «سلم على إخواننا أهل السنة والجماعة». وهذا دليل على أن قلوبهم مترابطة، أهل السنة والجماعة، لأنهم يجدون أنفسهم ضربا، وأيضا تدعو لهم، تدعو لإخوانك أهل السنة في كل بلاد الثبات والتوفيق والسداد. فهكذا يكون المسلم السني الذي تمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أجمل كلام السلف، رحمه الله تعالى. وقال، وقال سفيان الثوري، رحمه الله: «أصبح من عرف السنة غريبا، وأغرب منه من يعرفها». وقال أيضا: «إن الذي نعرف عليه السنة فيقبلها لغريب، وأغرب منه صاحبها». هذا في زمانه، في زمان سفيان الثوري، رحمه الله، في القرن الثالث الهجري أو الثاني الهجري، يرون أنفسهم غرباء، هؤلاء العلماء الكبار، طلبة العلم، أهل الحديث، يقولون: «من نعرف عليه السنة لغريب، أصبحت عرف السنة غرباء، أن تقول له: هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا حديث، هذه أقوال، هذه آثار، فإذا قبلها أصبح غريبا، وأغرب منه من يحملها، وأغرب منه من يحملها، والله المستعان». فماذا لو رأوا زمانا هؤلاء؟ السنة الصالحة، الحمد لله، الذين كانوا في أفضل القرون، كانوا في أفضل القرون، وكان كذلك العلم عندهم عظيما، السنة متظاهرة، ومع ذلك يرون أنفسهم قلة بالنسبة للمجتمع الذي يعيشون فيه. قال أبو الدرداء الخولاني، رحمه الله: «سمعت أن للإسلام عروة تتعلق الناس بها، وإنما تنتلق عروة عروة، أي تذهب وتسقط وتنتزع». قال: «فأول ما تنتقض منها الحكم، وآخر ما تنتقض منها الصلاة». وهذا بمعنى حديث، كلام أبي الدرداء الخولاني، رحمه الله، بمعنى حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، من حديث أبي أمامة: «تنتقض عرى الإسلام عروة عروة، كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، وآخرهن نقضا الصلاة». يعني أن الناس يتركون الدين شيئا فشيئا، لأن الإسلام هذا عبارة عن شرائح وعرى، مثل عرى الحبل متماسك، فالناس ينسلخون ويتركون شيئا فشيئا من عرى الإسلام، فما هو أول شيء يتركون؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الحكم». فما يحكمون بما أنزل الله، يحكمون بالقوانين الوضعية، يحكمون بما سنوه لأنفسهم من هنا ومن هنا، فيجعلون لهم قوانين تخالف شريعة الإسلام، فينقضون الحكم، هذا أول نقض، ثم بعد ذلك تنتقض العرى شيئا فشيئا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، آخر الزمان عند قيام الساعة، ثم بعد ذلك يأتي الذي الناس يحافظون عليه هو الصلاة، في المساجد يصلون، بعد ذلك لا ترى مصليا يصلي في بيوت الله عز وجل، ولا حتى يصلي في بيته، وآخرها نقضا الصلاة، فلا يصلي، يا سبحان الله. وفي حديث حذيفة، إن شاهد لهذا آخر الزمان، أنهم لا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يحجون، ما يفعلون شيئا. يقول حذيفة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول له: «أدركنا آباءنا، هؤلاء آخر نقض، يقولون: لا إله إلا الله فقط، على التوحيد، كلمة التوحيد، سمعنا آباءنا يقولون: لا إله إلا الله». قال: «فما تنفعهم يا حذيفة؟» يقول: «إيش تنفعهم لا إله إلا الله؟» قال: «تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، لأنهم ما عرفوا شيئا من شرائع الإسلام، فلا صلاة ولا صيام». هكذا أدركوا آباءهم يقولون: لا إله إلا الله. هذا غرابة الدين، ما كان هناك دين اسم دين الإسلام، سمعوا كلمة واحدة اسم دين الإسلام، باقي إيش؟ لا إله إلا هذا، باقي من الدين. قال: «العروة المنتقضة من الدَّب، والمعنى: ما يتمسك به من الدين، وتنتلق من مَلَق وانتقضت، أي اختُلِبت وانتزعت». فهذه غربة الدين، تنتقض عرى الإسلام عروة. وقال: «وروى عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن الحسن بن أبي الحسن، رضي الله عنه، أنهم قالوا: إنه ذكر الغني المترف الذي لا سلطان عليه، يأخذ المال ويدعي أنه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضال الذي خرج بسيفه على المسلمين، وتأول ما أنزل الله في الكفار على المسلمين». ثم قال: «السنة، والذي لا إله إلا هو، بينهما، بين الغالي والجافي، والمترف والجاهل، فاصبروا عليهم، فإن أهل السنة كانوا أقل للناس، الذين لم يطلوا مع أهل الإثر في إثرهم، ولم يفتنوا للمدع في أهوائهم، وصبروا على سنتهم حتى أتوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا». ثم قال: «هكذا، هكذا يقول الحسن، ورحمة الله تعالى وتعالى، الذين عندهم أموال ويدعون أنه لا حساب عليهم في هذه الأموال، وذكر أهل البدع الخوارج الذين خرجوا بسيوفهم على المسلمين، وتأولوا آيات القتال التي في الكفار على المسلمين، لأنهم يخرجون عليهم، لأنهم كفروا المسلمين». ثم قال: «السنة بين الغالي والجافي، أي بين أهل الغلو والتشدد والتطرف، وبين أهل الجفاء الذين تركوا العمل، في السنة، وبين أهل الإطراف والإسراف، أهل الغنى، وبين الجهلة، السنة وسط». قال: «اصبروا على السنة». هذا يدعوك إلى أن تكون معه، وهذا يدعوك إلى أن تكون معه، الكل يجتذبك يريدك معه، هذا حزب يقول: «تعال معنا، تعال معنا، ننصرك ونعطيك»، والحزب الآخر يقول: «تعال معنا، وانصر قضيتنا، وانصر ما نحن عليه». هاكذا، كل له شأن، له نحلة، له مذهب، له قضية، فكما الآن قضايا في البلد الواحد، قضايا كثيرة، كل يريده، يريدك أن تكون معه، تنصر قضيته، وتكون معه على باطل، العياذ بالله، على باطل. فلذلك يقول، يقول لهم: «أنا لا أريد إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ما أريد شيئا من هذا الذي تدعوني إليه، بل أريد أن أكون على السنة وأموت على السنة». هذا له أجر عظيم عند حصول ذلك في زمن. قال ابن رجب، رحمه الله: «إنما ذل المؤمن آخر الزمان بغربته بين أهل الفساد، من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يقرعه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم، ومقصوده لمقصودهم، ومباينته لما هم عليه». يقول ابن رجب: «آخر الزمان الذي أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا يكون المؤمن ذليلا؟» لأنه قال: «الغريب هو قريب بين أهل الفساد، الفساد منتشر في آخر الزمان، أهل شبهات كثير، وكذلك أهل شهوات كثير، هذا متمسك بالحق وهو وحده، كلهم يكرهونه ويبغضونه، لأنهم يرونه شاذا، يرون هذا مخالفا لهم، لهذا يكرهونه لأنه يخالف طريقتهم ويخالف مقصودهم، يريدونه أن ينجرف معهم في الشبهات أو في الشهوات، ويقترفون فيها من المعاصي والملذات، سواء كانت من خمور، أو كانت من نساء، أو مردان، من غير ذلك من البلايا، والقمار، والكبائر». هذا هو غربة الإنسان المتمسك الذي يكون مخالفا لهم في الفساد. هكذا ستكون العاقبة في آخر الزمان، الذي معهم منغمس في الفساد هو الإنسان المستقيم، هو الإنسان القائم، والذي يخالف طريقتهم ويجتنبهم، هذا إنسان شاذ، صاروا يتكلمون عليه، يتكلمون عنه، ويكرهونه، ويغضون منه، ولا يقومون معه، ويحاربونه بشتى الوسائل، فأصبح هذا الرجل المتمسك بدينه غريبا. هذا من قوله العلامة ابن رجب، رحمه الله تعالى. قال ابن القيم، رحمه الله، طبعا هذا في كتاب «الداء والدواء» أو «الفوائد»، قال ابن القيم، رحمه الله، هو شمس الدين محمد بن أبي بكر: «أهل الإسلام في الناس غرباء، أهل الإسلام، المسلم بالنسبة للناس عامة، لأن في الناس كفار، وفي الناس مشركون، وفي الناس من لا دين له، فإذا هناك طوائف وديانات يدينون بها بعض الناس مختلفة، المسلم بالنسبة لهؤلاء يعتبر غريبا، يعتبر غريبا. والمؤمنون، المؤمنون في دين الإسلام نفسه يعتبرون غرباء، يعني المؤمن المتمسك في دين الإسلام نفسه يعتبر غريبا بين المسلمين، لأن أكثر المسلمين صاروا لا يتمسكون بدينهم ذلك التمسك، لهذا الإيمان أربع مراتب من الإسلام، الإيمان أربع مراتب، والإحسان أرفع مرتبة، هذا المؤمن صار أيضا غريبا في دينه بسبب تمسكه، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، أهل العلم خاصة لأنهم أكثر الناس عملا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام والدين، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع، من غرباء، والسنة كذلك في دينهم يعتبرون غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين، وما شذوا، هؤلاء الغرباء أيضا من هؤلاء أهل السنة، ليس كلهم أهل السنة، لكن فيهم معين، هؤلاء الذين صبروا على الأذى، صبروا على تحمل هذا، لأنهم داعون، الداعون الذين يدعون