أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 17

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 17

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الموالاة والمعاداة في الله: ركن من أركان التوحيد وأدلة وجوبها

يبيّن المقطع أن الموالاة لله والمعاداة لأجله فرع عن المحبة وتحقيق لمعنى "لا إله إلا الله" بالتبرؤ من الآلهة الباطلة. ويستدل بالآيات المحرمة لموالاة اليهود والنصارى والمتوعدة للموالين لهم، مع تطبيق ذلك على واقع التحالفات المعاصرة ونصرة الكفار على المسلمين.

الولاء والبراء مبناهما الدين لا النسب ولا الألقاب

يوضح المقطع أن الموالاة الحقيقية تكون لله ورسوله والمؤمنين المخلصين المقيمين للصلاة والمؤتين الزكاة، لا لمجرد الانتساب أو الشعارات. ويؤكد أن جماعات تطلق على نفسها "حزب الله" أو "أنصار الله" وهي تعادي أهل التوحيد وتوالى الكفار فليست من حزب الله بل من حزب الشيطان، مستدلاً بآيات سورة المائدة والتوبة.

الفرق بين الموالاة العقدية والمعاملات الدنيوية مع الكفار

يفصل المقطع بين الموالاة القلبية المحرمة والمعاملات الدنيوية المباحة مع غير المحاربين، مستشهداً بآية البر والقسط وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم كصلح الحديبية واستئجار دليل كافر. ويحذر من خلط الجهلة بين الأمرين وتكفير الحكام بسبب المصالح الدنيوية.

وجوب الرجوع إلى أهل العلم في أحكام التكفير والنفاق والعمالة

يؤكد المقطع أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالكفر والنفاق والعمالة لا تُترك لكل أحد، بل تُرد إلى العلماء الراسخين الأمناء على الشريعة. ويوجب التوقف عند رأيهم وعدم الاستعجال في إطلاق الأحكام حفاظاً على صمام أمان المجتمعات المسلمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: يقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال السابع والعشرون: ما دليل الموالاة لله عز وجل والمعادات لأجله؟ تقدم معنا أن المؤلف رحمه الله تعالى أضاف شرطاً ثامناً لشروط "لا إله إلا الله" وهو الموالاة والمعاداة. وتقدم معنا أن ما قرره كثير من العلماء أن هذه الشروط سبعة دون ذكر هذا الشرط. وذكرنا أن هذا الشرط الذي ذكره المؤلف -الموالاة- الحقيقة هو ركن من أركان هذه الكلمة؛ لأن الموالاة والمعاداة بمعنى أن نفي الوارد في كلمة التوحيد، وقولك "لا إله" تتبرأ من الآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله، وتتبرأ كذلك من أهلها، من أهلها. ولعل هذا الأمر يدخل في الشرط الذي قبله وهو المحبة، فهذا ليس بشرط مستقل بل هو فرع عن الشرط السابق. فلا شك أنه من كان محباً لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، محباً للتوحيد، فإن هذا يستلزم أن يحب من يحبه الله، وأن يبغض من يبغضه الله عز وجل. فتحقيق شرط المحبة يستلزم منه الموالاة لله والمعاداة لأجله. فمن أحب الله وأحب التوحيد أحب ووالي من حقق هذه الكلمة، ومن خالف هذه الكلمة وعاد أهلها، لا شك أن المؤمن يعادي من هذا حاله. نعم، وكما قال القائل: «وأحبب لحب الله من كان مؤمناً ... وأبغض لبغض الله أهل التمرد وما الدين إلا الحب والبغض ... والولاء كذاك البراء من كل غاوٍ ومعتدٍ». فلا بد للمؤمن أن يحب لله، وأن يبغض لله، وأن يوالي لله، يعادي لله، يحب أهل التوحيد ويبغض أهل الشرك، ويوالي أهل التوحيد ويعادي أهل الشرك. فهذا معنى الموالاة لله والمعاداة لله، وهي من أوثق عرى الإيمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك. ثم ذكر الأدلة على الموالاة والمعاداة، وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة. فقال الجواب: قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وتمام الآيات. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. ففي الآيتين بيّن ربنا سبحانه وتعالى أن من والى الظالمين فهو منهم وإليهم، فهو ظالم مثلهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ لأن اليهود والنصارى من أعداء هذا الدين، يوالي بعضهم بعضاً من أجل ضرب المسلمين وحرب المسلمين. وهذا هو الشاهد، وهذا هو الواقع منذ بزوغ دعوة الإسلام إلى يومنا هذا. تجد التحالفات وكذلك العقود والعهود والمواثيق بين اليهود والنصارى. وما وقع لأهل غزة في هذه الأيام عنا ببعيد. انظر، انظر كيف النصارى من الأمريكان وغيرهم تحالفوا وتحالفوا وتعاونوا مع اليهود الذين في فلسطين على ضرب المسلمين. فهم يوالي بعضهم بعضاً، ولذلك قال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، يوالي بعضهم بعضاً. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ﴾، من يميل إليهم بالمحبة أو النصرة أو كذلك الدفاع ونحو ذلك، ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، فإنه منهم، ليس من أهل الإسلام، وليس من أهل الإيمان، وليس من أهل الإيمان. فالأمر ليس بالهين، الأمر ليس بالهين. ولذلك استدل العلماء على أن من ناصر وعاون الكفار على المسلمين فيلحق بهم، وجعلوا ذلك من نواقض الإسلام، كما بين ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله في نواقض الإسلام. فمثلاً الروافض الحوثيون، بعضهم يقول: نحن فقط ما نعتقد عقائدهم، ما نعتقد عقائدهم، وإنما تحوثنا معهم من أجل المال ومن أجل الدنيا، تحالفت معهم على ضرب المسلمين أهل التوحيد وأهل السنة. ولذلك قال العلماء: من عاونهم وناصرهم على ضرب أهل التوحيد فيلحق بهم ولا كرامة، يلحق بالروافض الحوثيين، وإن كان متحوثاً وليس بحوثي، أو برافضي من أول أمره. لماذا؟ لأنه تحالف معهم ووالاهم وناصرهم وعاد أهل التوحيد والمسلمين. فهذا مما يناقض كلمة التوحيد، مما يناقض كلمة التوحيد. فهذا الأمر مهم جداً، والآيات فيه واضحة. ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فوصفهم بالظلم. فهذا فيه دليل المعاداة من أجل الله عز وجل. ثم في الآية التي بعدها ذكر دليل الموالاة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. ما هي أوصاف هؤلاء المؤمنين؟ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. أهل الصلاة، أهل الطاعة، أهل التوحيد، أهل الأعمال الصالحة، أهل الصلاح، هم الذين يواليهم المسلم. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. فما ثم إلا حزبان: حزب الله وحزب الشيطان. فمن والى الله ورسوله والذين آمنوا فهو من حزب الرحمن، من حزب الله عز وجل الغالبون. ليست العبرة بالادعاءات وكذلك الانتساب، وإنما بالعمل. فهؤلاء مثلاً أصحاب إيران أو أصحاب لبنان الروافض، يسمون أنفسهم ماذا؟ "حزب الله". وهم في الحقيقة حزب الشيطان؛ لأنهم يعادون الله ورسوله والذين آمنوا. فليسوا من حزب الله. حزب الله هم الذين يتولون الله ورسوله والذين آمنوا، من حققوا الإيمان والتوحيد والاستقامة. وهؤلاء الروافض يوالون من يوالون اليهود والنصارى، يوالون أهل الشرك وأهل الوثنية، ويعادون أهل الإسلام وأهل الإيمان. فأنى لهم أن يكونوا من حزب الله؟ بل هم من حزب الشيطان. وكذلك الحوثيون، ماذا يسمون أنفسهم؟ "أنصار الله". والله ليسوا بأنصار الله، أنصار الله، وهم يسبون الصحابة، أنصار الله، وهم يعلنون الشرك، وكذلك القرفة، أنصار الله، وهم يحاربون أهل التوحيد، وهم يرمون أمنا عائشة بما برأها الله عز وجل منها. هل هؤلاء أنصار الله؟ فالعبرة ليست بالألقاب وليست بالمسميات، وإنما بالحقائق، بالحقائق. أنصار الله هم الذين ينصرون الله ورسوله، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾، كما قال عيسى بن مريم للحواريين: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، قالوا: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾. ﴿فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾. أيدنا الذين آمنوا. هؤلاء أنصار الله الذين آمنوا بالله، الذين حققوا التوحيد. فهذه الآية واضحة وظاهرة في أن الموالاة إنما تكون لله ورسوله والذين آمنوا، المتمسكين بما دلت عليه هذه الكلمة "لا إله إلا الله"، ويعادون من عاد الله ورسوله من اليهود والنصارى وأهل الشرك والكفر. ثم ذكر الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾. انظر هذه الكلمة تفرق بين الأب وابنه إذا كان أحدهما كافراً والآخر مسلماً. لأن الولي والبراء من أجلها، لا من أجل النسب، ولا من أجل القبيلة، ولا من أجل الأرض، ولا البلد، وإنما من أجل الدين. الولي والبراء يكون من أجل الدين، من أجل "لا إله إلا الله". فالله عز وجل يخاطب أصحابه وقد امتثلوا لهذا الخطاب. ففي غزوة أحد واجه الابن أباه، والأخ أخاه، وأبناء الأعمام أبناء أعمامهم بالسيوف. ذاك في صف المسلمين وذاك في صف المشركين. ولا براءة، ما قال: هذا من قبيلتي، وهذا من عشيرتي، وهذا كذا وكذا. لا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ لماذا؟ ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾. إن قدموا الكفر على الإيمان، فلا يجوز للمسلم أن يوالي هذا القريب، ولو كان من أقرب الناس إليه، ولو كان أباً أو أخاً أو نحو ذلك. وتمام الآية: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ثم ذكر الآية التي بعدها؛ لأنه قال الآيتين واختصر هنا المؤلف، فيريد بالآية الأخرى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ إلى آخر الآية التي في آخرها: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. فهذه الآيتان، الآيتان أيضاً صريحتان في أمر الولي والبراء من أجل الدين، ومن أجل هذه الكلمة العظيمة. ثم ذكر الآية الثالثة، أو الموضع الثالث من الاستدلال، من الاستدلال في الولي والبراء: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. أي: ولو كانوا من أقرب الناس إليهم، لا يظهرون لهم المحبة الدينية ولا المودة، إذا بقوا واستحبوا الكفر كما في الآية المتقدمة. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾. كيف كفروا بما جاءكم من الحق، ويعادونكم ويحاربونكم، ثم بعد ذلك تظهرون لهم المودة؟ ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. وذكر في الآية التي بعدها ما كان عليه أهل التوحيد من الولي والبراء من أجل هذه الكلمة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنكُم وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ إلى آخر الآيات. فهذه الأدلة واضحة صريحة في أن المسلم يجب عليه أن يوالي أهل الإيمان، وأن يعادي أهل الكفر والشرك والنفاق. وهنا تنبيه: يخلط فيه بعض الجهلة، ولا يميزون بينه وبين غيره. هذا الأمر هو الفرق بين الموالاة، موالاة أهل الكفر والشرك، وبين المعاملة الدنيوية مع الكافر، والمصالح التي تكون بين المسلمين وبين الكافرين في أمور الدنيا، لا في أمور الدين. فهنا فرق. ولذلك ماذا يقول الله عز وجل مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى ما حرم علينا مطلقاً المعاملة مع الكافر؟ ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. ومعنى هنا الموالاة يعني المعاملة الدنيوية، ليس المراد بالموالاة العقدية التي محلها القلب، والتي تعني النصرة وكذلك التأييد والوقوف في صف العدو ضد المسلمين. لا، وإنما المراد المعاملة الدنيوية. فقد يحتاج المسلم، قد يحتاج ولي أمر المسلمين أن يعقد العهود والعقود الدنيوية من أجل مصلحة الإسلام والمسلمين، لتحقيق تلك المصالح. وهذا أيضاً من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فقد تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار في مواطن كثيرة. صلح الحديبية، هذا فيه تعامل مع المشركين، مع أن تلك الشروط في ظاهرها الغضاضة على المسلمين، لكنها في الحقيقة نصر، كما سماها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾. فسماها فتحاً، وسماها نصراً، وسماها نصراً. فهذا من هذا الباب. لكن هذه المعاقدة، هل فيها تنازل عن أمور العقيدة؟ هل فيها كذلك خذلان لأهل الإسلام؟ لا، وإنما من أجل تحقيق المصلحة العظمى في دفع المفسدة الصغرى. وهذا مما دعت إليه الشريعة. النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يهاجر إلى المدينة استأجر كافراً، خريتاً، كافراً خريتاً يدله الطريق، وهو عبد الله بن أريقط. فهذا من باب الأمور الدنيوية. وكذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زار الكافر من أجل دعوته إلى الله عز وجل، وأكل طعام الكافر، وقبل هدية الكافر، وأخذ الدين من الكافر. هذا موجود في السنة. فهذه من المعاملات الدنيوية التي قد يحتاج إليها المسلمون في فترة ما. فانظر إلى هؤلاء الجهلة، بمجرد أن يعقد ولي أمر في دولة مسلمة بعض العقود أو بعض المصالح المشتركة في أمور الدنيا، في أمور التجارة، في أمور البناء، في أمور التطور الحديث، أنكر ذلك، وأن هؤلاء يوالون الأعداء، وأن هؤلاء يعني هم من اليهود والنصارى، ونحو ذلك من تلك الأحكام الجائرة. فلا بد أن نفرق بين الأمرين، بين الأمرين. فإذا كانت العقيدة راسخة قوية، ما يخضع المسلم للكافر في التنازل عن أمور عقيدته وعن أمور دينه، وإنما يتعامل معه معاملة دنيوية، فهذا لا غضاضة فيها، بل هذا مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فلا بد من التفريق، ولا بد من الرجوع إلى أهل العلم في مثل هذه الأحكام التي يطلقها بعض من انحرف عن الجادة، ومن تحزب، ومن تحزب وتأثر بمذهب الخوارج. فبسبب هذه الأعمال أو بسبب هذه المعاملات الدنيوية يكفر الحكام، ويرميهم، ويرميهم بالعمالة أو بالتطبيع أو بالمداهنة، أو نحو ذلك. فهذا الأمر ليس لكل من هب ودب، وإنما الأحكام الشرعية من كفر أو نفاق أو عمالة أو نحو ذلك مرده إلى أهل العلم الراسخين فيه. فهم الأمناء على هذه الشريعة، وهم صمام أمان لهذه المجتمعات المسلمة. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.