الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
المحبة هي الشرط السابع من شروط شهادة التوحيد، وتعني محبة ما دلت عليه الكلمة من توحيد وبغض الشرك. وتتفرع عن محبة الله محبة رسوله والمؤمنون وبغض ما يبغضه الله.
تحقيق «لا إله إلا الله» يستلزم محبة التوحيد وبغض كل ما يضاده من الشرك، ومن خالف ذلك فقد خلّ بشرط المحبة. ويستدل المؤلف بآية ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وحديث أنس لتأكيد تقديم محبة الله ورسوله على كل محبة.
تظهر محبة الله ورسوله الصادقة في تقديم طاعة الله على الهوى، ومحبة المؤمنين العاملين بالتوحيد، وكراهية الرجوع إلى الكفر بعد الهداية. كما أن محبة كلمة التوحيد تستلزم بغض الشرك وأهله لأن التوحيد والشرك متناقضان لا يجتمعان في قلب واحد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه «أعلام السنة المنشورة»: السؤال السادس والعشرون: ما دليل اشتراط المحبة من الكتاب والسنة؟ الجواب: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». المعنى في هذا الموضع: وهي الشرط الأخير السابع مما اشتهر من شروط «لا إله إلا الله». فمعنى المحبة هنا: أن يحب ما دلت عليه كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» وما دلت عليه من التوحيد ونبذ الشرك، فيحب التوحيد. ولا شك أنه إذا أحب التوحيد أبغض ضده وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى. فمتى اختل هذا الأمر عند القائل بها، فصار يكره التوحيد أو يحب الشرك بالله، يفرح ويبتهج إذا رأى من يشرك بالله عز وجل، أو يناصر ويكثر سواد من يشرك بالله سبحانه وتعالى، فهذا في الحقيقة ما حقق التوحيد لأنه فقد هذا الشرط من شروطها، ألا وهو المحبة. فهذا معنى المحبة في هذا الشرط. وأصل هذه المحبة: محبة الله سبحانه وتعالى، فإنها عماد التوحيد وأصل الإيمان، وكل شيء فإنه فرع عنها، فرع عن محبة الله سبحانه وتعالى. فإذا أحب العبد ربه سبحانه وتعالى أحب ما يحبه ربه سبحانه وتعالى، فمحبة الرسول ومحبة المؤمنين، وكذلك بغض ما يبغض الله عز وجل وما يبغض رسوله صلى الله عليه وسلم، كل ذلك فرع عن محبة الله سبحانه وتعالى. ثم يلي محبة الله عز وجل محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي يجب أن يكون في القلب أحب من كل شيء عليه الصلاة والسلام، أحب حتى من نفسك التي بين جنبيك، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وحديث عمر لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال عمر: «فأنت يا رسول الله الآن أحب إلي حتى من نفسي»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر»، أي: الآن حين استكملت الإيمان. فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك من محبة الله سبحانه وتعالى، ومن مقتضيات هذه الكلمة العظيمة. وكذلك مما يدل على أن محبة الله عز وجل شرط في الإيمان، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. يعني: هؤلاء الأنداد يعظمونهم ويحبونهم مثل محبة الله عز وجل، والذين آمنوا أشد حباً لله، أشد حباً من حب المشركين لأندادهم. فالمؤمنون قد أخلصوا المحبة لله سبحانه وتعالى وحده. وهكذا يدخل في محبة هذه الكلمة، وهي فرع عن محبة الله سبحانه وتعالى، محبة من يحب الله وهم الأنبياء والمرسلون، وكذلك المؤمنون أهل التوحيد. فمن أبغض أهل التوحيد فهذا علامة ودلالة على عدم محبته لهذه الكلمة. وكذلك ضد ذلك، وهو بغض ما يضاد هذه الكلمة من الشرك بالله سبحانه وتعالى. فمن لم يبغض الشرك وأهله فعنده خلل في قوله هذه الكلمة. من أبغض أهل التوحيد وعاداهم، وكذلك تبرأ منهم، فهذا عنده خلل في محبته لهذه الكلمة. من يغضب أو يكره ذكر التوحيد وتقرير التوحيد، هذا دليل على بغض لهذه الكلمة. ولذلك يقول الله عز وجل في صفات أهل الكفر وصفات أهل الإيمان، قال في صفات أهل الكفر: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. «اشمأز» يعني: تضايق من ذكر التوحيد. وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون، إذا ذكر الشرك استبشروا وفرحوا، وإذا ذكر التوحيد اشمأزوا وتضايقوا وغضبوا. فمن كانت هذه حاله فهذا دليل على عدم تحقيقه لهذا الشرط من شروط «لا إله إلا الله»، وهي المحبة. فصاحب التوحيد يحب الله ويحب ما يحبه الله، وأعظم ما يحبه الله توحيده سبحانه وتعالى وإفراده وحده عز وجل بالعبودية، وهذا معنى «لا إله إلا الله». ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى بآية وحديث. فالأية: قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وجه الشاهد من هذه الآية في قوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾. وهذه الآية فيها استدلال، يعني: ليس ببيان ظاهر فيه شيء من الدقة. فمثلا هذه الآية ذكرت في معرض ذكر من يرتد عن دينه، فجاء في هذه الآية هذا الوصف، وصف المحبة، في مقابل المرتد، في مقابل المرتد عن دينه. فدل ذلك على أن حال أهل التوحيد خلاف حال أهل الردة، حال أهل التوحيد خلاف حال أهل الردة والشرك. فأهل التوحيد علامتهم وسمتهم أنهم يحبون الله عز وجل سبحانه وتعالى ويحبهم، وأما أهل الارتداد فإنهم لا يحبون الله، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾، أي: غير المرتدين، لأن المرتدين لا يحبون الله، فلذلك ارتدوا عن دينهم. فمن يرتد عن دينه فهذه علامة على صفته وعلى بغضه لكلمة التوحيد التي بها دخل إلى الإسلام وبها خرج من الإسلام، أي بمخالفتها وعدم الإتيان بشروطها، ومن أعظم شروطها المحبة. فلذلك ذكرت المحبة في صفة وسمة أهل الإيمان: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وهم أهل الإيمان ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، فمن صفاتهم أنهم يحبون الله سبحانه وتعالى. فدل ذلك على أن من لم يحب هذه الكلمة فهو في الحقيقة من أهل الكفر والشرك، كما في مقدم وبداية هذه الآية. فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية في هذا الموضع. ثم كذلك استدل بحديث أنس في الصحيحين: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». ووجه الشاهد من هذا الحديث في الجملة الأولى، في قوله عليه الصلاة والسلام: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». فقوله: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، أي: أن تكون محبة الله ثم محبة الرسول أعظم من كل محبة على الإطلاق، أعظم من كل محبة على الإطلاق، وأن المؤمن لا يذوق طعم الإيمان حتى يحقق هذه المحبة، فينال من طعم ولذة الإيمان بحاسب محبته لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام. وهذا ظاهر في أن الإيمان بالله عز وجل ثم الإيمان برسوله عليه الصلاة والسلام من شرطه المحبة، لأنه ذكر في قول: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». وتتبين أو يتبين صدق هذه المحبة في العمل بما يحبه المحبوب، فمن أحب شيئاً أطاعه، وكذلك امتثل لأمره وابتعد عما يكرهه ويبغضه. «إن كان حبك صادقاً فأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع». فمن دلائل محبة النبي عليه الصلاة والسلام الصادقة، وكذلك محبة الله عز وجل، الاتباع لما يأمر به ربنا سبحانه وتعالى، ولما يحث عليه نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه». ما هي علامات هذه المحبة؟ أن تقدم طاعته على طاعة غيره، خصوصاً عند المعارضة. إذا تعارض أمر الله مع هوى نفسك أو مع شهوة ورغبة نفسك، فتقدم طاعة الله على كل رغبة وعلى كل شهوة. فهذا الاستدلال به ظاهر وواضح لا يحتاج إلى زيادة بيان. وأيضاً مما يدخل في ذلك، أي في محبة هذه الكلمة، ما جاء في هذا الحديث وهو قوله: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». هذا فرعاً عن محبة الله ورسوله، فمما يحبه الله ورسوله أن نحب المؤمنين العاملين بهذه الكلمة، فهذا فرعاً عما ذكر في أول هذا الحديث. وكذلك ما جاء بعده: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». فهذه وهي الموالاة لهذه الكلمة، ومن ذلك أن يكره الكفر بعد إذ أنقذه الله منه. وهذا ذكر شراح الحديث أنه في حق من كان كافراً فأسلم، في حق من كان كافراً فأسلم. فلا شك إذا أسلم يجد في قلبه حلاوة الإيمان، ويجد في حياته السعادة والراحة والطمأنينة. فإذا تذكر الكفر وما كان عليه من الظلمات ومن الضيق والضنك، فإنه يكره أن يرجع مرة أخرى إلى الكفر. نعم، فكرهه هذا يجد به حلاوة الإيمان في قلبه، يجد به حلاوة الإيمان في قلبه. وهذا من محبة هذه الكلمة، من محبة كلمة «لا إله إلا الله» أن تكره ضدها، أن تكره ضدها من الكفر أو الرجوع إليه أو محبة أهله أهل الكفر والشرك، أو مناصرتهم أو تكثير سوادهم. كل ذلك يدل على خلل في تحقيق هذه المحبة، في تحقيق هذه المحبة. نعم، فالمسلم إذا كان يحب التوحيد فإنه لا شك ولابد أنه يبغض الشرك. فمحبة التوحيد ومحبة الشرك أمران متناقضان لا يجتمعان، لا يمكن أن يكون في المسلم توحيد وشرك. نعم، لا يجتمع التوحيد مع الشرك لأنهما متناقضان، فلا يجتمعان ولا يرتفعان. ومعنى «لا يرتفعان» يعني: لا يمكن أن يجتمع حب التوحيد وحب الشرك، كما أنه لا يمكن أن يكون العبد لا محباً للتوحيد ولا محباً للشرك. إذا أحب التوحيد أبغض الشرك، وإذا أحب الشرك أبغض التوحيد. فهما كذلك لا يرتفعان، لا بد أن يبقى أحدهما، لا بد أن يبقى أحدهما. فمن أحب التوحيد أبغض الشرك، ومن أحب الشرك أبغض التوحيد. وهذا هو حال الناس: من أحب التوحيد وحقق التوحيد أبغض الشرك وحارب أهله. فإذا لم يفعل ذلك فعنده خلل في توحيده، عنده خلل في توحيده. والعكس بالعكس: تجد من أحب الشرك وأهل الشرك وأعمال الشرك يبغض أهل التوحيد وينكر عليهم ويحاربهم ويعاديهم. وهذا دليل على ما ذكرنا أنه لا يمكن أن يجتمع حب التوحيد وحب الشرك، كما أنه لا يمكن أن يكون الشخص محباً للتوحيد، يعني: لا محباً للتوحيد ولا محباً للشرك. لابد أن يحب أحدهما، أن يحب أحدهما. فهما لا يجتمعان ولا كذلك يرتفعان. فهذا يدل على أن من حقق معنى «لا إله إلا الله» لابد أن يحب التوحيد وأهل التوحيد، وأن يحب هذه الكلمة وما تقتضيه هذه الكلمة من أقوال وأفعال. هذا هو ملخص ما يذكر في معنى المحبة في هذا الموضع، ألا وهو شرط «لا إله إلا الله». وبهذا نكتفي، وإلى هنا، والله تعالى شكراً.