شرح كتاب لم الدر المنثور 105

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 105، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

تحذير من التشبع بما لم يُعطَ والنهي عن تولي المناصب بلا أهلية

يستهل الدرس بشرح حديث «المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور» محذراً من إظهار النعم أو العلم أو الزهد كذباً، مبيناً سبب الورود في ادعاء المرأة عطاء زوجها، ثم ينتقل للنهي عن ادعاء الكفاءة في التدريس والإفتاء دون أهلية حقيقية، منتقداً تعيين غير المؤهلين في المناصب الدينية ومؤكداً على وجوب معرفة قدر النفس والاقتداء بالأنبياء في الكسب الحلال.

فضل طلب العلم وذم البطالة والكسل والتكافل في نشر العلم

يؤكد المحاضر على وجوب انشغال المسلم بعمل دنيوي مشروع أو بطلب العلم الشرعي والتعليم والدعوة، مستشهداً بهدي الإمام أحمد وكراهية السلف للرجل الفارغ وقصة أبي هريرة، مبيناً التكامل بين طالب العلم ومن ينفق ماله دعمًا له، ومحذراً من حياة البطالة التي شبهها الله بحياة الأنعام.

شروط النجاة من الخسران في سورة العصر وخاتمة بالاستغفار

يختتم الدرس ببيان أن سورة العصر حددت أربعة شروط للنجاة من الخسارة هي: الإيمان، العمل الصالح، التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، مختتماً الجلسة بدعاء الاستغفار والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المؤلف حفظه الله في «الدر المنثور» في الباب الثاني والخمسين: فوائد ونصائح وآداب، فوائد ونصائح وآداب لا يستغني عنها العالم، وكذلك لا يستغني عنها طالب العلم، ولا يستغني عنها المسلم على العموم. قال صلى الله عليه وسلم: «المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور». وهذا الحديث أخرجه البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر، ورواه مسلم أيضا من حديث عائشة. وتتبعه الدارقطني رحمه الله، تتبع هذا الحديث، ولكن الصواب فيما رواه مسلم - يعني أنه قال: الصواب في الدارقطني يرى أن الصواب من رواية أسماء وليس من رواية عائشة - لكن الحافظ رحمه الله تعالى رد عليه في الفتح، رد على الإمام الدارقطني، وصوب رواية مسلم رحمه الله. «المتشبع بما لم يعطى»: متشبّع بما لم يعطى، يعني شخص ما أعطي شيئا من الله سبحانه وتعالى، لكنه يظهر أمام الناس أن معه، أن معه، سواء كان يظهر أن معه مالا، أو يظهر مثلا الزهد أمام الناس وليس بزاهد، بأن يلبس ثياب الزهد ليريهم أنه زاهد، فإذا خلا في بيته خلع ثياب الزهد، وهكذا. وما يري الناس أنه لا يبدو - هذه المأكولات، بعض المأكولات من باب التقشف، يظهر التقشف، وإذا دخل بيته أكل كل شيء، أكل كل شيء، لا يمنع نفسه من شيء، لكن أمام الناس أنه هذا متقشف، يأكل يا فلان، يأكل لا، أما أكل هذه الأشياء يعني من باب أنه هذا شخص متقشف، وشخص يأكل قليل، يأكل قليل أمام الناس، وهو يريد ذلك، لكنه يريد أن يظهر لهم شيئا، يريد أن يظهر لهم الزهد، أو يظهر لهم الورع، أنه من أهل الورع، أنه من أهل التقشف، أنه من العباد، يبر لهم بعض العبادات، لكنه إذا كان مع نفسه أو في بيته لا يظهر ذلك، يعني لا يعامل الله سبحانه وتعالى كما يعامل الخلق، بأنه عابد، زاهد، ورع، متق، وغير ذلك. هذا المفروض يكون من العبد في السر والعلانية، في السر والعلانية. فهذا المتشبع بما لم يعطى، ما عنده شيء من حتى العلم، يظهر أنه من أهل العلم، ويتزيّا بزي أهل العلم، وهكذا، أنه من الحفاظ، وغير ذلك، وهو ما عنده شيء، وهو ما عنده شيء. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قاله في امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ضرتها، قالت: إنها تكون لي الضرة. الضرة يعني المرأة الثانية، يعني ضرتها: رجل متزوج اثنتين، فهذه الأخرى يقال لها ضرة من باب الضرر، الإضرار، لأن كل واحدة تسعى في تنفير الثانية. فهذه تقول: يا رسول الله، أرأيت لو أني قلت أن زوجي أعطاني ما لم يعطني، ما لم يعطني؟ يعني تريد أن تغيظ الأخرى، تقول: زوجي إذا جاء أعطاني مالا، وكساني ثوبا، وهم لم يعطوها شيئا، لم يعطوها مالا ولا كسوها، لكن تريد تظهر أن زوجها يحبها، ومن دلال المحبة أنه يعطيها، تفضّلها على تلك، وهي تعلم أن تلك أفضل، ما معها شيء. الثاني: تريد أن تغيظها، فهذه من باب الضرار، تقول: لزوجي يعطيني. هل لي أن أظهر أن زوجي يعطيني وهو لم يعطني، وهو لم يعطني شيئا؟ تظهر المحبة، أن زوجها يحبها، وتتكلم أمام الناس من زوجها لأجل أن الناس يسمعوا ويخبروا الأخرى، هذه تقول: إن زوجها يهدي لها ويحبها ويعطيها، وهو إلى آخره، لأجل أن تغيظ الأخرى، وهو لا، زوجها لا يعطيها ولا يكسوها، بل يعامل الاثنتين سواء، لكن هي تظهر شيئا خلاف ماذا؟ خلاف الحقيقة، خلاف الحقيقة. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور». وهذا تمثيل، أن هذا مثل الذي يلبس ثوبي، والثوبان من الزور، من الزور بمعنى الكذب. «كلابس ثوبي زور». وقيل: هذا بالشهادة، أنه كمن يأتي للشهادة وهو كاذب، فيكون أضر بنفسه وأضر بالمشهود عليه. وهذا قيل: تُقال في من لم يرَ شيئا، من لم يرَ شيئا، أو بعضهم قالت: تُقال في هؤلاء الذين من الأغنياء، الأغنياء أو القضاة أو غيرهم، يلبسون هذه الأثواب، ويقال: هذا خَلّان، يعني أتى للشهادة فتقبل شهادته، وهو ليس عنده شيء، ليس عنده شيء من الحقيقة، فيظهر أنه من أهل الشهادة. قال: «كلابس ثوبي زور». وهذا من الظلم، وهذه تضر بنفسها، وتكون ارتكبت إثما في حق نفسها، وارتكبت إثما في حق كذلك غيره. لهذا قال: «المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوبي زور». هذا الحديث عام بكل شخص يظهر للناس شيئا خلاف الحقيقة، أن معه وليس معه، أنه متقشف، أنه زاهد، أنه عابد، أنه عالم، وهو ليس كذلك، لكن كذب على الناس، كذب على الناس، وأتى بالزور، مثل هذا الذي يشهد شهادة الزور، قال: «كلابس ثوبي زور». وقيل: أن بعضهم أيضا كان يخبئ كمّه، يعني يلبس ثوبين، يلبس ثوبين، ثوب أسفل وثوب أعلى، وثوب أعلى، هذا بعضهم يظهر ذلك أمام الناس، كذاك لابس ثوبين، هذا الذي يلبس الثوبين وهما في الحقيقة من باب الكذب. إذن من النصائح: أن الشخص يكون على حقيقته، يكون على ظاهره، لا يتشبع بما لم يعطَ، يجعل نفسه في السر والعلانية سواء، في السر والعلانية: عندك شيء قل، ما عندك شيء قل، ما عندك شيء. ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه، يعرف قدر نفسه، أنه ما عندك شيء، ما عندك شيء، هكذا الحقيقة: أنا ما عندي شيء. قالوا: أظن يا فلان، وظنوا بك خيرا، وربما في بعض المواضع ذكرت حديثا وذكرت آية، فظنوا بك، وأنا ما عندي شيء، لكن في تلك اللحظة حضرني شيء، حضرني شيء. فلا تتشبع بما لم تعطَ، بما لم يؤتك الله سبحانه وتعالى، تظهر للناس خلاف الحقيقة لأجل أن يمدحوك أو يثنوا عليك، وأنت لست كذلك. هذا من النصيحة للجميع، للمسلمين عموما، وللعلماء وطلاب العلم، أنهم يظهروا للناس الحقيقة، وليس أنهم يتشبعوا بما لم يعطوا. فلو أن كل واحد منا عرف قدر نفسه لصلحت الأمور، لكن كما قيل: تصدر للتدريس كل مهوس فقير، تسمى بالفقيه المدرس، يعني ما عنده شيء، لكن تصدر للتدريس من أجل المال، من أجل المال، فبعد ذلك يحصل في الطلاب الخراب بسبب هذا الشخص الذي تصدر للتدريس، أو تصدر للإفتاء، فيضل أكثر مما يهدي، ويضر أكثر مما ينفع، ويضل الناس بغير علم، لأنه أظهر لهم أنه مفتي، وأنه عالم، وأنه مدرس، وهو ما عنده شيء. مثل الذين يتعاقدون، حتى في المدارس الآن صاروا يتعاقدون مع أقل شخص يأتي ليدرس الطلاب في المدارس، هذه التي يتعاقدون لها، مدارس الأهلية، أكثر المتعاقدين ما عندهم شهادات، ما عندهم شهادات، فكيف سيكون حال الطلاب الذين ينشأون، أن سينشأون على فقه وعلم من العلوم الدنيوية، بينما أصحاب الشهادات يذهبون بهم يمنة ويسرى، أو لا يوقفون؟ فهذا من الظلم، هذا من الظلم، أن يوضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب، بل يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب. تأتِي بشخص عنده من العلم، وعنده من هذه المادة يستطيع أن يدرس هذه المادة، ويشرح هذه المادة، ويفهمها، ويعلمها الطلاب، لكن تأتِي بشخص ما عنده شيء، إما ما يقرأ في الكتاب فقط، يقرأ، يقرأ، يقول له: هذا، بعد ما يخلص القراءة من الكتاب يقول له: حل التمارين، فاقد يطلب منه حل التمارين، ويذهب إلى البيت بعد ذلك، لا ينظر في حلّ التمارين، فيأتي اليوم الثاني ويقرأ: حللتم التمارين؟ قالوا: حللنا التمارين، ممتاز، ثم تمام، بس ما ينظر ماذا في هذا الحل، ولأنه ما يعرف شيء، ما يعرف شيء في هذا، أو قد يكون عنده حلول سابقة لهذه التمارين، قد أخذها من هنا ومن هنا، ثم يجمع الدفاتر ويراجع ويطابق هنا وهنا، هو ما عندهم شيء. فهذه مصيبة أن يؤتى بمدرسين ويقال أنهم مدرسون وهم ليسوا بمدرسين، أن ليس عندهم شيء، فقط من أجل أن يغطوا هذا الفراغ الذي عند هذه المدارس. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوب الزور». فلا يتقدم للتدريس، لا يتقدم لأي وظيفة، شخص يعرف من نفسه أنه ليس أهلا لها، أنه ليس أهلا لها، وإلا سيشمل بهذا الحديث. يعني أنت يقول: يا فلان نريدك تدرسنا في كذا وكذا، قل: ما ينفعكم، سأدرسكم. بعد ذلك يأتي الطلاب، آخر يقول: نريد تدريس في مادة كذا كذا، ما ينفعكم، ما ينفعكم، بتاع كله، زي ما قالون المصريين: بتاع كله، ما يصل لحد أن تكون بتاع كله، ينبغي أن تعرف قدر نفسك، ماذا تحسن، ماذا تحسن؟ أتحسن مثلا التدريس في القرآن؟ أتحسن التدريس في الفقه؟ أتحسن التدريس في الكتابة والعربية؟ أتحسن التدريس في العقيدة؟ وهكذا من العلوم، وهكذا كل علوم الآلة، وعلوم المدارس التي هي من رياضيات وجغرافيا وكيمياء وفيزياء وأحياء وغيرها. هذا أيضا ينبغي للشخص أن يعرف أنه أهل لتدريس هذه المادة، حتى لا يبطل في هذا الحديث، فيكون آثما في نفسه، ظلم نفسه لأنه يعرف من نفسه أنه كذا، وأيضا يكون ظلم غيره، ظلم غيره بأن أعطاهم علما ليس بنافع، ليس بنافع، فأضر بغيره. مثل هذه المرأة التي تريد أن تظهر بين النساء أن زوجها يعطيها وهو لا يعطيها، ويهدي لها وهو لا يهدي لها، وأنه يحبها وهو يعاملها مثل الأخرى، مثل زوجته الأخرى، لكن تريد أن تظهر في المحبة أنه يحبها أكثر. هذا حديث عظيم، وقاعدة عظيمة من القواعد الشرعية، للشخص ينبغي له أن يظهر الحقيقة بما في نفسه، ويعرف قدر نفسه، ولا يتشبع، ولا يتشبع بما لم يعطَ. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إني أكره الرجل أن أراه يمشي سبهللا»، أي: لا في أمر الدنيا، ولا في أمر الآخرة. سبهللا، قال: أي بلا شيء، ولا شيء معه، أو لا شيء معه، وكل فارغ سبهللا، يقال للشخص الفارغ يمشي سبهللا، يعني هذا سبهللا بمعنى أنه ما عنده، ما عنده، شخص فارغ، جالس بدون عمل، لا في أمر دنيا، حيث يستغل ويكف نفسه عن التسول مثلا، وعن النظر وتحديث القلب بما في أيدي الآخرين، لأن بعضهم لا يستغل، لكن الله كريم، وهو في نفسه أنه ينظر إلى فلان وفلان سيعطيه، سيعطيه، فهو متشوق، متشوق لأن يعطى من أهل الخير أو من أهل التجارة وغيره. فلا ينظر أن يكون الشخص كذلك، إما أن تعمل فتعف نفسك وتكف ماء وجهك عن ذل السؤال، عن ذل السؤال. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيع ويشتري، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، وجعل كما قال عليه الصلاة والسلام: «رزقي تحت ظل رمحي»، فكان يجاهد عليه الصلاة والسلام ويغنم، وله الخمس، فيغنم، كان عليه الصلاة والسلام. فهذا، هذا، هذا هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كان داود نجارا، كان داود نجارا، يعني يعمل، ذكرى، نجارا، داود يعمل في الحديد، ويقول: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، وكان أنبياء الله يعملون ويتكسبون، وهكذا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلا من شغل بأمر عظيم، مثل أمر الأمة، كخليفة الراجل، فيأخذ من بيت المال ما يعينه على ماذا؟ على نفسه وأسرته، على هذا الأمر، على أمر الدنيا. وأما الآخرون فكانوا يعملون، مع أنهم كانوا أمراء، إلا أنهم كانوا يستغلون، فكان أبو هريرة أميرا وكان يعمل، كان سلمان أميرا وكان يعمل، وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. الإمام أحمد كان أيضا يعمل، كان يحمل على ظهره، يأتي بالحطب، فكان يستغل ويؤجر نفسه كعامل، من أجل أنه ما يذل نفسه أمام أحد، ويقول: أعطوني، أو ينتظر من أحد أن يعطيه. لهذا عمر يقول: «إني أكره الرجل أن أراه يمشي سبهللا»، لا في أمر دنيا، ولا في أمر آخرة. لو قلنا أنه طالب علم، يشتغل بالعلم حتى يسر له الله سبحانه وتعالى، ويتوكل على الله، يقول: هذا في أمر، يعني أنه جعل طالب العلم للآخرة، مما يتقرب به إلى وجه الله سبحانه وتعالى، وهو كما قال: للعلم أيضا من أسباب الرزق. فما في حديث أنس، قضى الله تعالى عنهم في ذاك الذي اشتكى أخاه، قال: إن أخي يأتي يطلب العلم وأنا أعوله، قال: «لعلّك تُرزق به». هذا سلك طريقا، من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، فهو من طرق الجنة، وهو من طرق الآخرة، شغل نفسه بأمر الآخرة، هذا لا عيب عليه، هذا محمود، هذا محمود، والله عز وجل سييسر له من فضله، بشرط أن يستقل بالعلم، وأن كذلك يجعل وقته كله في خدمة دين الله سبحانه وتعالى. فإن من كان كذلك أعانه الله سبحانه وتعالى. لكن شخص يقال اسمه طالب علم، وهو لا يدرس، وهو لا يحتقر، ويريد أن يعطوه الناس، هذا له في عمل دنيا، لا، ذهب واشتغل، وكفّ نفسه، ولا هو من طلاب العلم الذي يقال له طالب علم، وجعل وقته في حفظ الكتاب والسنة، لكي ينفع نفسه وينفع الناس، لأن هذا من أعظم الوظائف، هذا مما رغب به ربنا، هو نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو الاشتغال بالعلم النافع، وتعلم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليبقى هذا الدين محفوظا برجاله، لأجل أن ينشروا دين الإسلام، ويفقهوا الناس، ويعلموا الناس، والله سبحانه وتعالى يأتيهم بالخير من كل مكان، هذا لمن حسن نيته. انظروا السلف الصالح رحمهم الله تعالى، من الصحابة والتابعين، لنا فيهم أسوة، فمنهم من كان يعمل، ومنهم من كان يطلب العلم، كما قال أبو هريرة: «كنت أتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع كبد»، كأنه كان يحفظ الحديث، مهتم بالحديث، ويسر الله الله الرزق، فذاك أن يأتي هذا بلبن، له هذا يأتي له بخبز، وهذا يأتي له بطعام، هذا يأتي له، حتى أغناهم الله عز وجل من فضله، فتحوا الدنيا مشرقا ومغربا، لكن كان عندهم علم، كانوا متسلحين لماذا؟ بالعلم، فهم في أمر الآخرة، والله عز وجل ما أنقصهم من دنياهم شيئا. هكذا ينبغي أن يكون طالب العلم، أن يكون في أمر الآخرة، يهتم بأمر الآخرة، من العلم والتعليم، لكي ينفع هذه الأمة، كما ينفع نفسه، ويحصل العلم النافع. لأن الناس بعضهم من لا يستطيع، وبعضهم آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، كما في حديث الميسور: «سلطه الله على هلكة الحق»، يعني أنه يريد ينفق هذا المال لأجل إعلاء كلمة الله، ولنصر الدين الإسلامي، لكن هو ما عنده المقدرة أن يقول ذلك بلسانه، يعني أن يقوم يعظ الناس، ويجاهد بلسانه، يقول: عندي مال، لكن أنا أستطيع أن أعين به طلاب العلم، وأعِين كذلك به الدعاة إلى الله، وأعِين به العلماء والمشايخ، وهكذا، فهذا مجاهد، هذا مجاهد في سبيل الله عز وجل، والله عز وجل سخر هذا أيضا لأولئك، لأولئك الذين يجلسون في حلق الذكر ويطلبون العلم النافع، فهذا من تسخير الله سبحانه وتعالى، لكن علم الله أن هؤلاء هم الذين سيدافعون عن هذا الدين، لهذا بذلوا أوقاتهم، وشغلوا أنفسهم بالعلم النافع، فسخر الله لهم غيرهم بأن ينفق عليهم. فأنت اتق الله سبحانه وتعالى في هذا، أن تستشعر أن هناك من ينفق الأموال لكي أنت تخرج داعية إلى الله، وتكون متفقها ومتسلحا بالعلم الشرعي، تكون أنت متعلم تنفع الأمة، فهذا الذي ينفق ما لو يريد رجالا، ويريد دعاة، ويريد علماء ينفعون الناس، لهذا أنت تشتغل بالعلم الذي أتيت من أجله. فعمر رضي الله عنه قال: «إني لأكره الرجل» يكرهه، وهكذا السلف، لا هم في عمل دنيا، بحيث ينفع نفسه ويعف نفسه، ولا هو في عمل آخرة، بحيث أنه يطيع ربه سبحانه وتعالى، ولكن يجلس فارغا، يجلس فارغا، لا ذا ولا ذا، ويريد من الناس ماذا؟ أن يعطوه. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إني لأبغض الرجل فارغا، لا في عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة». هذا أيضا مما قال ابن مسعود، يؤيد كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فالسلف من الصحابة وغيرهم يكرهون الرجل الفارغ، الذي ما ينفع، لا نفسه، ولا ينفع لهم، لا ينفع أحدا أبدا، هذا يجلس بهيمة، مثل الأنعام، مثل الأنعام، هذه حياة بهيمية، هذه الحياة هي حياة بهيمية، حياة الأنعام، عياذا بالله، ويربأ المسلم بنفسه أن تكون حياته حياة من لا عقل له ولا فهم له، أهيلة الأنعام. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. أولئك الذين غفلوا عن حقيقة وجودهم في هذه الحياة الدنيا، ولماذا خلقوا؟ ﴿أَحَسِبَ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾، لماذا خلق؟ خلقت لعبادة الله سبحانه وتعالى، وتحقيق هذه العبادة لا بد أن يكون بعلم، بعلم شرعي تتعلمه، حتى تعرف كيف تعبد ربك على بصيرة، ثم بعد ذلك تدعو الناس إلى ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من هذا العلم الذي تعلمته، وتنفع نفسك وتنفع الأمة، هذا مطلوب. والعصر، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، هذا مطلوب في كل مسلم، أن يكون كذلك، التحلي بهذه الأمور الأربعة، لينجو من الخسارة، ينجو من الحسارة. طيب، نكتفي بهذا القدر. إلهنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، شكرا، شكرا.