شرح كتاب لم الدر المنثور 106

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 106، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

النهي عن اتباع الهوى والتحذير من المجالس السرية وآداب التعامل مع العلماء

يحذر المقطع من اتباع الهوى والمجالس السرية التي تُعد أساساً للضلالة، مؤكداً على منهج أهل السنة القائم على الوضوح بالكتاب والسنة. كما يستعرض آداب التعامل مع العلماء من خلال أمثلة السلف كالمزني وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

آداب طالب العلم مع العلماء ووجوب توقير الإخوان وولاة الأمر

يبيّن المقطع آداب طالب العلم من التواضع وطول الصحبة وعدم الإلحاح، مشبهاً العالم بالنحلة التي يُنتظر خيرها. ويؤكد أن احترام العلماء والإخوان والسلاطين من إجلال الله، محذراً من أن الاستخفاف بهم يؤدي إلى فساد الدين والدنيا.

كلمة شكر وختام

يختتم المتحدث حديثه بتقديم الشكر للحضور والمستمعين على حسن الاستماع. ويعبر عن امتنانه لختم المجلس بالدعاء والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد أخذنا في علم الدر المنثور في باب الفوائد والنصائح والآداب. قال المؤلف حفظه الله: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «لا أعلم شيئا في الإسلام أفضل عندي من أن قلبي لم يخالطه شيء من هذه الأهواء المختلفة». هذه نصيحة من عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أنه يقول: لا أعلم شيئا أفضل في الإسلام من أن قلبي لم يخالطه شيء من هذه الأهواء المختلفة؛ لأنه قد تقدم معنا قبل أبواب خطورة الهوى أن الإنسان يتخذ إلهه هواه، يقوده ويسوقه. والهوى سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. ليس في شيء من الأهواء خير، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. فليحذر الإنسان من اتباع الهوى، وهو مخالفة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «إذا رأيت قوما يتناجون بأمر» -في أي، في أمر دينهم، ما بين المعقوفين ليس من كلام عمر- «إذا رأيت قوما يتناجون بأمر دون عامتهم فهم على تأسيس ضلالة». هذه نصيحة أصحاب المجالس السرية التي يقال لها مجالس سرية؛ يعقدون تلك المجالس ويتكلمون في شؤون الحكم والحاكمية، شؤون الدولة والرعية. فهؤلاء على ضلالة وعلى خطر عظيم. ويتكلمون أيضا في العلماء في تلك المجالس السرية. أصحاب المجالس السرية وأهل السنة والجماعة ليس عندهم ذلك، ليس عندهم ذلك الأمر، وإنما عندهم: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. علم وتعليم ودعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يتناجون بأمر دون عامة الناس مما يخفى على الناس، وإنما يقولون: قال الله، وقال رسوله، ويبينون السنة. هكذا أهل السنة والجماعة. فأصحاب المجالس السرية هؤلاء المتحزبة الذين يجلسون ويخفون هذه الأمور عن العوام، يخفون هذه الأمور عن عامة الناس، فهذا لا يخفى على أهل العلم رحمهم الله تعالى. وحفظ الله منهم أهل العلم يبينون للناس، يبينون للناس الشريعة، يبينون للناس الدين، ينصحونهم ويوجهونهم بما في كتاب الله وبما في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فما أحسن هذه المقالة من عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الذي عد خامس الخلفاء الراشدين. عمر بن عبد العزيز يقول: إذا رأيت قوما يتناجون -والمناجاة: معنى إخفاء الكلام حتى لا يعلم غيرهم ماذا يقولون- فهم يجلسون جلسات سرية. هذولا أصحاب الفكر المنحرف، أصحاب الفكر المنحرف. احذروا تجلسوا مجالس سرية تتوشوشون فيها ولا تظهرون ما عندكم. فإذا ظهر هذا للناس عرف الناس خطورته، لهذا هم يخفون هذا دون العامة، ودون كذلك الحاكم؛ لأنهم يتكلمون في الحاكم في المجالس السرية، يتكلمون في العلماء في المجالس السرية. هذا المتحزب يفعلون ذلك. أما أهل السنة ولله الحمد فإن أمورهم واضحة ظاهرة، فيقولون: قال الله، وقال رسوله، آية وحديث. ما عندهم شيء يخفونه على الناس؛ لأن عندهم الدين واضح، عندهم الكتاب والسنة، فبماذا نتخفى؟ فلهذا نظهر منهج السلف الصالح بما في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. هل نحن الآن نقرأ في هذا الكتاب سرا؟ ما نقرأ في كتاب سرا. فهم يقرؤون كتب سيد قطب، القطبية، أو كذلك محمد سرور، أو غيرهم من الحزبيين، يقرؤونها فيما بينهم. أمور هذه يخفونها عن عوام الناس لأنهم على ضلالة، على تأسيس ضلالة. لهذا قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت هؤلاء الأقوام يفعلون هذا فأعلم أنهم على تأسيس ضلالة. هذا من النصائح، من نصائح أهل العلم. قال: روى الحاكم في تاريخه عن المزني، وهو صاحب الإمام الشافعي رحمه الله، أنه قيل له: فلان يبغضك. فقال: «ليس في قربه أنس، ولا في بعده وحشة، ولا في بعده وحشة. ألا أستوحش خله وبغضه؟ ليس في قربه مني أنس، لا أحتاج إليه وأستأنس به». من كان هذا حاله، وإنما من كان محبا لي، من كان محبا لي فأنا آنس به. فالمؤمن يأنس بماذا؟ بالمؤمن الذي يحبه، فيجلس معه على الخير. تستوحش الصالحين. يقول: فلان يبغضك. هذا ليس من أحبابنا، ليس من أصفيائنا وأقربائنا. فلعله يكون من أهل البداء، فيقول: ليس في قربه أنس، ولا في بعده وحشة. لا نستوحش منه. فأنت كذلك الذين لا يقربون منك، والذين لا يحبونك، لا تستوحش بهم، وكذلك لا تأنس بهم. فهؤلاء هم من اختار ذلك، من اختاروا ذلك، فلا تأسفن عليهم، لا تأسفن عليهم، واجعل الأمر لله سبحانه وتعالى. قال: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة، وتخصه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمز بعينك». وهذا من الآداب مع العلماء. فتسلم عليه مع القوم، وأيضا تخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه. تجلس أمام العالم، ولا تشيرن، أي دائما تشير بيدك، فربما يرى أن هذه الحركة غير لائقة أو تشغله في حديثه. ولا تغمز كذلك بعينك. ولا تقول: قال فلان خلافا لقوله. أي من الأدب أن تسمع، ولو كنت ترى خلاف قوله، أو أن هناك من العلماء من يخالفه، ليس من الأدب أن تظهر ذلك أمامه. ولا تقول: قال فلان خلافا لقوله. ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تسار في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذا كسل. يعني إذا تعب، بعضهم يلح على الشيخ مثلا، والشيخ تعبان، كان يكون مجهدا من الحديث ومن الدرس، أو قد جاء مثلا زيارة وقد تعب من كثرة الطواف هنا وهنا، فلا تلح عليه إذا رأيته غير نشط، إذا رأيته قد تعب. قال: «ولا تعرض من طول صحبة» -تعرض من طول صحبته يعني فتخسر- فلابد من الملازمة وطول الصحبة مع المشايخ. وهذا كله لطالب العلم الذي يريد العلم، أن يتذلل في طلبه للعلم، كما قال الإمام أحمد رحمه الله، وذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية: «أخذنا هذا العلم بالذل، فلا ننفقه أو نبذله إلا بالذل». يعني ذللوا أنفسهم لأجل أن يأخذوا العلم، ولهذا ينبغي لنا كذلك إذا أردنا. ومعنى الذل هنا التواضع. من لا تتكبر فلا ينال العلم مستحن ولا مستكبر، كما قال مجاهد، وذكره البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه. لهذا تتذلل، أذلة على المؤمنين. ليس الذل الذي هو ذل العبودية والخضوع، إنما هذا لله سبحانه وتعالى. لكن هنا بمعنى التواضع، أن تكون متواضعا، لين الجانب، بحيث أنك تخضع للعالم حتى تنال منه، ولا تتكبر عليه، فلن تنال شيئا بذلك. وإنما كما قال: أخذناه بالذل، ذللنا أنفسنا. وهذه النفس تحتاج هكذا حتى تأخذ ما تريد، حتى تأخذ ما تريد. قال: «ولا تعرض من طول صحبته، فإنما هو بمنزلة النحلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء». فالعالم بمنزلة النحلة، مثل ما ننتظر منها العسل، كذلك ننتظر منه الأشياء، الأشياء الطيبة التي يقولها العالم. قال: «وإن المؤمن العالم لأعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله». يعني هذا نفعه متعدي وأعظم أجرا، كما جاء به السنة. الصائم القائم لحاله، والغازي هذا ينال أجره وحده، لكن نفع العالم أعظم؛ لأن الأمة محتاجة إلى العلم النافع. قال: «وإذا مات العالم انثلمت في الإسلام ثلمة»، يعني انفرجت وانفتحت في الإسلام فرجة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم قبض العلم بقبض العلماء. فلهذا ينبغي لنا أن نحترم العلماء وأن نعرف لهم قدرهم. فهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم مع العلماء: لا يرفع صوته، ويجلس بأدب واحترام عنده، ولا يكثر التلفت، ولا كذلك الإشارة بالأيدي، ولا يكثر الضحك. وهكذا أيضا الوشوشة وإسرار الحديث في مجلسهم على آخرين، ولا يلح عليه إذا راه تعبا، ولا يمل من صحبته. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «إن السابقين عن علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا، وكأنهم أقوى على البحث لو بحثوا». السابقين ممن سبقت لهم في الإسلام، قدم صدق من الصحابة. ويتكلم عن الصحابة السابقين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن علم وقفوا. هكذا ينبغي أن نقف على العلم، ما نقول أشياء بدون علم. وببصر ناقد كفوا، أيضا يكون عندهم بصيرة. السابقون عندهم بصيرة، يعرفون متى يقفون ومتى يكفون، ومتى يقدمون ومتى يتكلمون. كلامهم قليل وعلمهم وعملهم كثير. هؤلاء هم السابقون. لهذا ينبغي لنا أن نعرف منزلة السابقة في الإسلام، وهم أقوى على البحث لو بحثوا، كذلك هم أقوى منا في هذا الشأن. قال أيوب بن يزيد القري رحمه الله: «أحق الناس بالإجلال ثلاثة: العلماء، والإخوان، والسلاطين». وهذا قد جاء في الأحاديث. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، والحامل للقرآن غير الغالي ولا الجافي، والسلطان المقسط» -أي العادل-. من إجلال الله أن نجل العلماء، حفظت كتاب الله، من إخواننا القرآن الذي في صدورهم، والسلاطين، وكبار السن. كبار السن والعلماء والإخوان والأمراء. هذا تجل الله عز وجل، لما تجل هؤلاء، أي تحترمهم، تعرف لهم قدرهم ومنزلتهم في الإسلام. أيضا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»، وفي رواية: «ويعرف قدر كبيرنا». هذا من الإسلام، ليس منا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم. إذن لما تسمع هذا الحديث وترى كلام العلماء: يقول ثلاثة أحق الناس بالإجلال: العلماء، والإخوان، أي إخوانك في الله الذين حولك، والسلاطين. لا تستخف بواحد من هؤلاء، اعرف لهم فضلهم وقدرهم ومنزلتهم، لا تستخف بهم، بل ارفع من شأنهم ومن قدرهم. فإذا أجللتهم وقدرتهم كان ذلك من إجلال الله سبحانه وتعالى، ومن العمل بالسنة. قال: «فمن استخف بالعلماء أفسد دينه». الذي يستخف بأهل العلم ولا يعرف لهم فضلهم وقدرهم ومنزلتهم، دينه يذهب. يذهب مع الحزبية، يذهب مع أهل الأهواء والبدع. وهذا الآن مشاهد. انظروا الذين استخفوا بكلام أهل العلم، وكذبوا، كذبوا أهل العلم، وتكلموا في أهل العلم، وغمزوا ولمزوا، وطعنوا في أهل العلم، وقدعوا بأوصاف خبيثة والعياذ بالله، وتكلموا في أهل العلم بكلام قبيح وشنيع. كيف الآن حالهم؟ تردوا، تردوا. وبقي من حفظ للعلماء مكانتهم، بقي له دينه؛ لأن الله يحفظ لك الدين، يحفظك على الكتاب والسنة، على الاستقامة، يحفظك الله عز وجل؛ لأنك حفظت العهد، حفظت العهد وعملت بالسنة، أجللت العلماء وقدرتهم، ولم تستخف بهم، فلم يذهب دينك. أما هؤلاء فذهب دينهم، صاروا الآن يمنة ويسرى يتخبطون ويتقلبون في الرداء، عياذا بالله، عياذا بالله. هذا كلام أهل العلم: من استخف بالعلماء. وطبعا هذا الكلام قد قاله ابن عساكر رحمه الله كما في تاريخ دمشق. قال: «فمن استخف بالعلماء أفسد دينه». هذا كلام أيوب بن يزيد، لكن قد قاله ابن عساكر رحمه الله تعالى. فحق على كل مسلم يجل ثلاثة: العلماء، والإخوان، والسلاطين. قال ابن عساكر: «فمن استخف بالعلماء ذهب دينه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مرؤته، ومن استخف بالسلاطين» -يعني الأمراء- «ذهب الدنيا». لأنك إذا استخففت بالأمراء والسلاطين فإنهم سيفسدون عليك دينك، سيحاربونك ويقاتلونك، لست أهلا لأن تقاتلهم وأن تبارزهم. فلا تستخف بالسلاطين ولا الأمراء. لهذا يقول عثمان وغيرهم من الصحابة: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». فهم أهل قوة، وعندهم بطش كذلك لمن استخف بهم ولم يعرف لهم قدرهم ومنزلتهم في الأمة. هم يحفظون لنا أمورا كثيرة: الحدود، حدود يعني يقيمون الحدود، والجماعات والجمع والأعياد والثغور. كل هذا من واجب ولاة الأمور. فهم في مكان لا يحسد، يعني عليهم مسؤولية عظيمة تجاه الأمة، ومسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى. لهذا ينبغي أنك تدعو لهم بالتوفيق والسداد، تدعو لهم في صلاة، أن الله يوفقهم، يسددهم. ولاة الأمر والسلاطين، لا تستخف بهم وتضحك عليهم، مثل ما يفعل الآن في وسائل التواصل الاجتماعي، الواتساب وغيره. يأتون بصورة لولي الأمر ويركبون له شعارا لامرأة وغير ذلك، فيسخرون منه، يسخرون من أولياء الأمور والسلاطين. عيب، ما هكذا ينبغي أن يكون المسلم، ما هكذا ينبغي أن يكون، فضلا نقول طالب علم أو سني. هذا لا يليق أن يتبادل، تتبادل تلك الصور لولاة الأمر. لولاة الأمر يستخف بهم بأن يلبسوا لباس امرأة بما تسمى الفوتوشوب، اسمعون به، يسوون له باروكة في رأسه كأنه امرأة، أو يجعلون له تلك الأشياء، أو أنهم يركبونه على حمار أو نحو ذلك، بهذا الذي يسمى الفوتوشوب. هذا استخفاف، ما ينبغي، عيب. هذا نقول له: نحن عيب، ما ينبغي هذا. من فعل ذلك بالسلاطين ذهب دنياه والعياذ بالله. لهذا ينبغي لنا أن نجل أهل العلم، وأن نقدر الإخوان، إخواننا كذلك، لا نسخر من أي أخ، لا نسخر من احتلال، ذا مرؤتنا تحافظ على مرؤتك، تكون ذا مرؤة، إنسان شهم، أصيل، كريم. عندما تحفظ للإخوان صغارا وكبارا ومتوسطين، أي في سنك أو أصغر منك وأكبر منك، كلهم إخوانك في الله سبحانه وتعالى. ما فضلت عليهم بشيء إلا أن كان بتقوى الله سبحانه وتعالى. فالمال زائل، الجمال زائل، كل أمور الدنيا زائلة، ولا يبقى إلا العمل الصالح وتقوى الله سبحانه وتعالى. هذا الذي ينبغي، النساء لنفخر به، يفخر بأنه متقي لله سبحانه وتعالى. ولكن ليس من باب البغي، أنه يبغى ويطغى، يشف نفسه على الصلاح وتقوى، وأن هؤلاء ليسوا كذلك مثلا، فيتأل على الله سبحانه وتعالى. لهذا ينبغي علينا أننا نفهم كلام السلف رحمهم الله. قال: «والعاقل لا يستخف بأحد». قال: «والعاقل: الدين شريعته، والحلم طبيعته، والرأي الحسن سجيته». هذا هو العاقل. العاقل أنه لا يستخف بأحد، ولا يستهين بأحد، فربما هذا الشخص الذي استخففت به أو استهنت به يكون ذو شأن عند الله سبحانه وتعالى، وأنت يضعك الله سبحانه وتعالى. أن الله لا يرفع بهذا الكتاب قوما ويضع به آخرين، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وأنت ربما بعد فترة تقع أحوج من هذا الإنسان الذي استحقرته. لهذا قال: العاقل لا يستخف بأحد أبدا. فلا تنظر إلى الصور، لا تنظر إلى الصور، هذا صورته كذا وهذا صورته كذا. فلهذا ينبغي المسلم أن يعامل الخلق بالحسناء، وبالتي هي أحسن، يدفع بالتي هي أحسن، وبالأخلاق الطيبة والآداب الكريمة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل الناس، يعاملهم باللين، ويعاملهم بالرفق، ويعاملهم بالهدية، ويعاملهم بالعطية، وغير ذلك من الآداب والأخلاق الكريمة، حتى أسلم على يديه كثير من الناس ممن رأوا أدبه وأخلاقه وهديه، حسن عشرته صلى الله عليه وسلم. فهكذا نقتدي به عليه الصلاة والسلام. لأن أنت تجعل الدين هو شرع الله أمامك، فتعامل الناس بالشرع، ما تعاملهم بماذا؟ بهواك، استحسانك. أن ما تعاملهم بالدين، بقربهم من الله ومحبتهم لدين الله سبحانه وتعالى. يقول عمر: «من أظهر لنا خيرا قربناه وأمناه، قربناه، هذا الذي يظهر لنا الخير هو المقرب عندنا، وهذا المأمون عندنا. ومن لم يظهر لنا ذلك لم نقربه ولم نأمنه». بالظاهر، والسرائر إلى الله سبحانه وتعالى. قال: «والحلم طبيعة، والرأي الحسن سجيته». هذا هو الذي ينبغي أن يكون. نكتفي بهذا إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا لكم، شكرا لكم.