الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 118، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتناول هذا المحور حكمة الداعية في بث العلم ووضعه عند أهله وفي الأوقات المناسبة مستدلاً بالآية الكريمة وأثر النبي ﷺ مع الصحابة. ويحذر من إطلاق البشارة المطلقة دون تقييد لما تورثه من تكاسل عن العمل.
يؤكد المحور ضرورة مراعاة مستوى فهم المتلقين عند تعليم العلم الشرعي مستشهداً بأقوال الصحابة والعلماء. ويحذر من إيراد المسائل المعقدة على العامة مما يوقعهم في الفتنة أو التكذيب مشدداً على التدرج والترغيب المبسط.
يركز هذا المحور على قاعدة مخاطبة الناس على قدر عقولهم مستدلاً بفعل ابن عباس وأبي هريرة والبخاري وابن حجر. ويبين كره العلماء إفشاء علوم المتشابه والفتن والصفات أمام العامة خوفاً من سوء الفهم والفتنة.
يختتم المؤلف كتابه مؤكداً العمل بالسياسة الشرعية الحكيمة ومراعاة فهم المخاطبين مع ذكر تاريخ الانتهاء من التأليف عام 1423 هـ. ويختم بالحمد لله والدعاء بالمغفرة والنفع والعلم النافع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فنحن في الباب الأخير من هذا الكتاب الماتع، "مُلتقى المنثور من القول المنثور"، الذي جمعه الشيخ الجمال بن فريحان الحَال. فأبوابه أبواب طيبة، فهذا آخر الكتاب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الباب الأخير هو من أبواب العلم، وهو تنبيه للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك طلبة العلم والمشايخ، بل والعلماء، في أن كل ما يعلم يقال؛ يعني ليس كل شيء تعلمه تقوله، وتحدث به العام، تحدث به العام خاصة إذا كان هذا الحديث يجره إلى الفتن. وتمسك عن بعض العلم وبعض الحديث حتى لا يكون فتنة، وتحدث الناس بما يعقلون من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يكذبوا الله ورسوله. فلذا ينبغي على حامل العلم، وكذلك الداعي إلى الله عز وجل، أن يكون حكيماً في دعوته، يعرف متى يبث العلم، وأين يضع العلم، أن يضع الدرر والفوائد في مكانها، عند من يريدها ومن يطلبها، وعند أهلها. فجاء عن عَمْس -أعني الله تعالى- أنه قال: «لا تضع الدرر على أعناق الخنازير». والمراد بالدرر هو العلم النافع، والدرر من العلم لا توضع على الذين لا يُقْبِلون، والجهال السُّهَاء؛ فإنك تضع درراً عند هؤلاء الذين لا يبالون به. لا تضع درراً على أعناق الخنازير. انتبه: فما يُعلَّق درر على عنق خنزير ولا كلب، فإنما يُعلَّق على من يستحقه وهم أهله. فإذا ما عُلق، قيل: عُلق عليه الدَّرّ، فنفعه به. فالعلم النافع من كتاب الله، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يوضع عند أهله، يوضع عند أهله. لهذا قال: «ما كل ما يعلم يقال، وما كل حديث يحدث به العامة». ليس كل حديث يحدث به العامة. سيأتي بأدلة الباب من كتاب الله، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وكلام السلف: أين يضع طالب العلم، وكذلك الداعي إلى الله، وكذلك العالم، أين يضع العلم. يقول: قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. إذا نفعت الذكرى، ذكر، وأن الناس ينتفعون بالذكر، فذكرهم بكلام الله، وكذلك بكلام رسوله عليه الصلاة والسلام. فهناك أحوال للناس، فربما أحياناً يقصرون ويملون. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال ابن مسعود، يحدثهم كل خميس، مخافة السآمة، مخافة السآمة، أن لا يسأموا من كثرة الحديث، مع أنهم صحابة، لكن عليه الصلاة والسلام كان يخاف عليهم الملل. وبهذا عمل ابن مسعود، وكان يحدث أصحابه كل خميس، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يحدثهم. وقالوا له: «لماذا لا تزيدنا؟ نريد أكثر». قال: «ما فعلت ذلك لكم... لكم» يعني: عندكم علم كثير. لأن بعض يحب أن يبث ما عنده، ولكن النفوس تحتاج إلى ترويض. ما كل ما يعلم يقال. وأيضاً ليس الحديث في كل آن، وفي كل وقت، وفي كل حين، وفي كل ساحة. فانظر إلى الصحابة عندما يكونون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرجعون إلى أهليهم. وفي حديث حَنْظَلَة مع أبي بكر: «عَشَّقَتْنَا الأزواج والضيعات والأولاد، نسينا كثيراً». ويذهبون إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيحدثهم. ولما شكوا إليه ذلك، أنهم إذا ذهبوا إلى بيوتهم وأعمالهم وأشغالهم نسوا، وإذا كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام تذكروا الآخرة حتى كأنهم يرونها رأي العين، قال: «لَئِن كُنتُمْ عَلَى ذَلِكَ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الطُّرُقَاتِ». يعني هذا بشارة لهم أن قلوبهم حية، وتحب الذكر، تحب الذكر. ولكن تحضر ساحة، وساحة، وساحة، وساحة؛ لأن هذه نفس، نفس تملك ساحة في الحديث في العلم النافع، وساحة تعمل نفسك، ساحة مع أهلك وأولادك، ساحة فيها عمل، ونعمل الدنيا نكسِب فيها رزقاً. هكذا. فإذا: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، حيث في الوقت الذي تكون الفرصة فيه، والنفوس مهيأة، ذكر الناس لأنها ستستقبل هذه الذكرى. أما إذا رأيت النفوس معرضة، يعني النفوس مَلَّة، عندها ملل، وعندها سآمة، والوقت غير مناسب لإلقاء الموعظة، فاترك ذلك. أدرِك ذلك، لألا تلقي درراً وآيات، والناس لا يلتفتون إليه. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «أي: ذكر حيث تنفع التذكرة». ومنها هنا يُبْحَث الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله. قال شارح: ثم ساق ابن كثير أثرَي علي وابن مسعود رضي الله عنهما، الآتيين. ما هما أثر علي رضي الله عنه، وأثر ابن مسعود رضي الله عنه؟ قال صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ، هل تدري ما حق الله على العباد؟» فقلت: «يا رسول الله، أفلا أبشر الناس بعدما أخبرتهم بحق الله على العباد؟ يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً». قال: «لا تبشرهم، فيتكلوا». وفي رواية: «إذن يتكلوا». وفي أخرى: «لا، إني أخاف أن يتكلوا». الحديث الصحيح: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبشرهم، فيتكلوا على هذا الأمر»، وهو أنهم لن يعملوا بعد ذلك الأعمال التي تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، لأنهم سيقتصرون فقط على البراهين فقط، يقولون: «هذه مجرد الصلوات الخمس، نحن نعبده ولا نشرك به شيئاً، صلواتنا، صيامنا، زكاتنا، حجنا، وهكذا اكتفينا». لا تبشر الناس، خلهم يعملون، خلهم يرجون الله سبحانه وتعالى ويخافون منه. وقال عن أبي موسى رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أبشروا، وبشروا الناس: من قال لا إله إلا الله صادقاً بها دخل الجنة». فخرجوا يبشرون الناس، فلقيهم عمر رضي الله عنه، فبشروه. وقال: «ردهم». فبشروه، فردهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما رددتهم يا عمر؟» قال: «إذن يتكل الناس». وأصل في الصحيحين. هذا الراوي، لكن حديث من حديث أبي هريرة: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم الحائط، ثم ضرب على صدر أبي هريرة، ووقع أبو هريرة على الأرض، وذهب يشتكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن عمر ضربه. قال: «أين تذهب؟» ومعه نعل النبي عليه الصلاة والسلام، يريد يبشر الناس: أن من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة. بشارة عظيمة: لا إله إلا الله، مخلص من القلب، أنه لا إله غير سبحانه وتعالى، دخل الجنة. يريد يبشر الناس، عمر ضربه، قال: «ارجع». قال: «لماذا ارجع؟» قال: «لما فعلت ذلك يا عمر؟» قال: «إذن يتكلوا يا رسول الله، وخلهم يعملون». قال: «خلهم يعملون، خلهم ماذا يعملون حتى ما يتكلوا على هذا؟». إذن هناك من بعض العلم ما يجب أن لا يقال عند كثير من من لا يعلمون، ومن من لا يفقهون، وإنما يوضع العلم عند ماذا؟ عند أهله. فعمر عَلِمَ، عمر عَلِمَ هذا. ما معنى لا إله إلا الله؟ عمر ما سيتكل على هذا، أنه خلاص إذا قال لا إله إلا الله ومخلصاً من القلب قال: دخلت الجنة. لكن لم تلقيها عند جاهل، قال: «إذن يكفينا هذه الكلمة». طيب، وين الصلاة؟ يقول هنا: خَرَصَ. هذا حديث الرسول عليه صلى الله عليه وسلم يقول لك: «من قال لا إله إلا الله، ونَهْ، ونَهْ، ونَهْ، ونَهْ، ونَهْ، دخل الجنة». ما قلت عن هذه زيادة؟ طيب، وين الصلاة؟ ومن لا يحافظ على الصلاة، لا يحافظ على الصيام، لا يحافظ على الصدقات، لا يبر الوالدين، لا يفعل، ويفعل المحرمات، كيف هذا؟ قال: «لأنه معيشة، هذا جاهل، هذا ماذا؟ هذا جاهل». لكن العالم يعرف مراد النبي عليه الصلاة والسلام. هذا عمر رضي الله عنه خشِيَ أن الناس يقتصرون على هذه الكلمة فقط ولا يعملون، وقال: «يا رسول الله، خلهم يعملون، خلهم يعملون، ولا تبشروا». لكن أبو هريرة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام وغيره حدثوا، خشية كتمان ماذا؟ خشية كتمان العلم. كتمان العلم. فحدثوا بهذا الحديث بعد موت عليه الصلاة والسلام. قال عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «حدث الناس بما يعرفون». وهو الأثر الذي عناه المؤلف في هذا الباب، من تفسير ابن كثير، لما فسر الآية الكريمة: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، أن يوضع العلم عند أهله. قال: «قال: حدث الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسول؟» وبعض الروايات زادت: «ودعوا ما ينكرون». يعني لا تأتي بالغرائب، أول أشياء التي يستنكرها العامة، وكانت جديدة عليهم. خذهم رويداً رويداً في العلم. فحدثهم أولاً بما يعرفون، فإذا اطمأنوا وقبلوا منه، وعرفوا صدقه وأمانته، بعد ذلك حدثهم شيئاً فشيئاً، حدثهم شيئاً فشيئاً. فربما تحدث بشيء تستنكره قلوبهم، فيكذبونك. وإذا كذبوا، كذبوا الله ورسوله، لأنك أنت تحدثهم بقول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: «هذا الذي تقوله غير مسلم به، ونحن لن نعمل به». لهذا ينبغي أن يكون الشخص حكيماً وفقيهاً. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». إذا حدثت أناساً بحديث، كان كبير على عقولهم، لأنك أنت عندك علم، تعلم بأحكام الشريعة، تعلم بالمقاصد والأمور العظيمة هذه الشريعة. قمت تحدثهم في محاضرة، والعامة هم عندك عوام، أولئك عوام. لأن بعضهم يقول: «أنا سأحدث اليوم، عندي محاضرة عظيمة طيبة». ما إذا المحاضرة يقوم يحضر له محاضرة في الوصول من علم الوصول؟ ما الوصول من علم الوصول؟ يا أخي هذا درس. فيأتي بقواعد: «قول القاعد بالبلانية، المسائلة لها حكم المقاصد، المشارقة تجلب التيسير، لا ضرر ولا ضرار»، ويأتي بالأدلة من هنا ومن هنا. والقاعدون هؤلاء عندهم من طالب العلم ما فهمه، وإنت تكون إلى مصحف حتى يفهموا هذه القواعد. فما باركت بعامل، بعامل، تحدثوا بهذا، فيكون لبعضهم فتنة، تخبط عليه ماذا؟ تخبط عليه الأمور، وربما عمل بشيء فهمه منك بالغلط، فهمه منك بالغلط. لكن تأتي له بقول الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الترغيب والترهيب، مع الترغيب في الجنة، وأعمال الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة كثيرة، أو كذلك التحذير من النار وما يؤدي، وأسباب النار، فتزهده في الدنيا. هكذا، هكذا يكون. كذلك خطب الجمعة: يكون أنت حكيماً، تجد الناس الذين عندهم... يعني على الناس الذين... وغالب خطب الجمعة غير محاضرات. خطب الجمعة يحضرها عوام، ومار... يعني عندما يمرون بالطريق، يقول لك: «وصل الجمعة، نمشي». إذن عندك كثير من الناس في خطبة الجمعة، بماذا تحدثهم؟ تحدثهم كحديثك لطلبة العلم؟ الجواب: لا. طلبة العلم يكون له شأن وخاص، لأنهم صابرون وجالسون، إذا ما فهموا سألوا واستفتوا. لكن هذا الذي جاء وحضر إلى الجمعة، سمع اليوم ومشى، وأنت حدثته بحديث لا فقهه ولا فهمه، وكنت حرمته مع ذا الذكر. الله عز وجل يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. لهذا ينبغي علينا، لأننا دعاة من الله عز وجل، طلبة العلم، أننا مخاطبون الناس على قدر... على قدر عقولهم، على قدر... انظر من حولك، تخاطبهم على قدر عقولهم. لما سأل النضر بن شميل، سأل الخليل بن أحمد الفراهيدي عن مسألة، فأبطأ عليه، يعني في الجواب، ما رد بسرعة. قال: «لماذا ما رددت بسرعة؟ أنا أريد الجواب بسرعة». قال له: «جوابك عندي، يا هاد، جوابك عندي، ولكني كنت أفكر في جواب يكون أسرع لفهمك». مع أن من الذي يخاطب؟ يخاطب النضر بن شميل، والنضر لغوي وإمام في اللغة، لكنه من تلاميذ الخليل بن أحمد، والخليل بن أحمد له كتب، وله أيضاً أشياء عظيمة، من تلاميذ سيبويه، والنضر بن شميل، والأصمعي. أنظر: أئمة اللغة من تلاميذ الخليل. مع ذلك الخليل كان يفكر فيه جواب يفهمه النضر بن أحمد، يفهمه النضر بن... مثل النضر بن أحمد من لغة العرب. هذا الآن تأتي عند أقوام وتحدثه بحديث... ماذا؟ بأحاديث عظيمة. ولهذا أنكر على أنس بن مالك رضي الله عنه، صحابي جليل، لما حدث... ماذا حدث؟ الحجاج بحديث العرنيين. حديث العرنيين: سأل الحجاج بن يوسف الثقفي: «ما أعظم عقوبة فعلها لي من عصى الله ورسوله؟» ماذا أعظم عقوبة للخارجين عنه أو للعاصين؟ قال: «للمحاربين». قال له: «أنا أنسي العرنيين». عندما استاقوا الإبل، وقتلوا الراعي، حدثوا بهذا الحديث. قال: «ماذا صُنع بهم؟» قال: «تركهم في الشمس، يسقون فلا يسقون، حتى ماتوا، وسمر أعينهم وأيديهم». وهذه عقوبة شديدة. فرح الحجاج، فكان يعمل بذلك. فرح، حدث. وأنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. فانظروا كيف... فإذن ينبغي أن يوضع ماذا؟ العلم في مكانه. أبو هريرة يقول: «حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم جرابين، جرابين من العلم»، يعني عنده آلاف أحاديث. قال: «بثثت واحداً، واحداً بثثته، يعني كلمت وحدثت به الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وواحد أمسكتُه، ولو بثثته لقطع هذا البلعوم». هذا في أشياء عظيمة. هذا يقول أبو هريرة رضي الله عنه. قال العلماء: أبو هريرة رأى واجتهد أن هذه الأحاديث ستكون فيها فتنة، إما للحكام والسلاطين، يعني في أمور الفتن، سيتخذون ذريعة لقتل المسلمين، أو تحدث فتن بين الناس. لهذا قال: «لو بثثت هذا الواحد». لأن هناك أحاديث لها التحذير من الظلم، والظلم، وغير ذلك. لهذا حفظ، وأمسك جراباً من الأحاديث، ما بثهم. ولو كان يرى رضي الله عنه هذا يعني مفيداً للأمة، ونافعاً للأمة، ما أمسكه، لأنه يعلم خطورة ماذا؟ كتم الأحاديث. فهكذا الداعي، والله عز وجل يحدث الناس على قدر عقولهم. فإذا جاء ويخطب، سواء خطب جمعة، أو يعمل محاضرة، أو كذلك يعمل درساً، يتنزل على قدر عقول ماذا؟ على قدر عقول الناس، حتى لا يأتي لهم بأشياء عظيمة، خاصة إذا كان أغلب المجلس من العوام، من العوام، يكونوا على دراية بهذا. يا طلبة العلم، أنتم مسؤولون الآن تتعلمون، وغداً تعلمون. لكن ما أكن شيء. قال: «وانظر إلى العلماء الكبار، الله تعالى قال: الشيخ مقبل، الشيخ الألباني، الشيخ العثيمين، الشيخ باز، أئمة هذه الدعوة المباركة، كيف كانوا يعلمون طلابهم، كيف فقهوا هذا العلم؟». فما كل شيء يقال، يقال في حين. إذا رأى العالم شيئاً ينبغ... قال: قال: «لهذا هو أننا نتخذ سيرة السلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله قدوة لنا، سيرة لنا عندما نخاطب الناس». قال ابن عباس رضي الله عنه: «ما حدث أحدكم قوماً بحديث لا يفهمونه إلا كان فتنة عليهم». ومن فقه ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: لما قال بعض الناس: «مخالة بالحج، لعهد عمر، قالوا: لئن مات خلافة لنؤمر خلافة». يعني بعض الناس صاروا يتحدثون: «آذن الآن مات خليفة، لنؤمر نحن، بن اختار ماذا؟ نحن نختار الأمير، نختار الخليفة، إذا مات مثلاً عمر، طراض، نحن بن أمر خلافة». فقال: «من هؤلاء الذين يريدون أن يقصّبوا الناس على أمورهم؟ والله لا أقومن فيهم، وأعظوا ومذكروا». هذا خطير، أمر عظيم. من هؤلاء؟ قال له ابن عباس رضي الله عنهما: «يا أمير المؤمنين، إن الموقف يجمع وعاء الناس». الموقف، موقف من حج، هل كل الموجودين فيها هم فقهاء وعلماء ك الصحابة رضي الله عنهم، الذين إذا خاطبهم يعلمون ويقهون، يعرفون إيش الكلام؟ قال: «أنه يجمع وعاء الناس، يأتي من ها هنا، ويأتي من ها هنا، وكل مكان». ولكن قال: «إذا رجعوا إلى المدينة، ففيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين نزل فيهم القرآن، فتبث ما تقول، فيعونهم ويفهمون». إذن عرف ابن عباس أنه ما كل كلام يقال، حتى لو رأيت في حين أنه يقال. أحياناً ما كل كلام يقال. تشاور، متأن، وتنظر، قد يكون هذا الكلام يقيض الآن فتنة، الآن في هذا الموقف، في هذا الوقت فتنة، فيفتت الناس. لكن لما يأتون إلى المدينة، ويضع كما يقال النقاط على الحروف، يعرف من يخاطب. من عندي هذا غلام، وغلام، وغلام، وغلام، هؤلاء يعرفون إذا تكلمتم سيعرفون ماذا أريد من كلامي، ماذا أريد من كلامي. فلا أحدد الذين أريد أن يفهموا كلامي، الذين كذلك معهم من لا يفهم كلامي. لهذا يبغي على حامل العلم أنه يحدد الناس بما يعرفون. لكان هناك خليط المجلس، وعام المجلس، ويحدد، ويتنزل إلى درجة العام حتى يفهموا مقاله، ولا يحددهم بكل شيء. هناك أمور خاصة لطلبة العلم، هناك أمور عامة لجميع المسلمين. قال: «ذكر العجلوني: كان ابن عباس رضي الله عنه، وعندما يفشي أشياء من حديث، ويفشيها إلى أهل العلم، وهذا من فقهه، كان يفشي أشياء من حديث، لكن عند طلبة العلم، يقولها، لأنه يعلم هؤلاء طلبة علم، هؤلاء يتعلمون الدين، هؤلاء ينبسون إليه، ويسألون ويستفتون، خلاف ما يقول هو أمام عوام الناس». قال أبو هريرة رضي الله عنه: «حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين، فأما الأول فبثثته، وأما الثاني فلو بثثته قطع هذا الحلقوم». هذا الحديث رواه المحدث البخاري وغيره من الكُتَّاب. قال البخاري رحمه الله: «بصحيح: باب من ترك بعض الاختيار، خافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقع في أشد منه». وقال أيضاً: «من خص بالعلم قوماً دون قوم، كراهية أن لا يفهموا». وهذا من فقه البخاري أيضاً رحمه الله تعالى، أن يبوّب هذه الأبواب من العلم والفقه في الدعوة إلى الله عز وجل، أن الشخص يعرف من يحدث، وماذا سيحدث، وماذا سيقول، فيخص أقواماً دون أقوام بالعلم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص أقواماً دون أقوام بهذا العلم. قال ابن حجر رحمه الله: «عقب هذا الأثر عن المتقدم، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة». يعني الكلام الذي فيه المتشابه، لأن المتشابه يكون ماذا؟ يُحمل على عدة وجوه، كما تقدم معنا في الأبواب في الذين ذكر الله عز وجل في الآية الكريمة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. فما احتمل عدة وجوه، هذا تقول: هذه المسألة، وهذا الحديث، وهذه الآية فيها عدة وجوه، الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث. فتأتي بالوجوه. فإذا المتشابه لا يذكر عند العامة، وإنما يذكر ماذا؟ يذكر المحكم. ثم قال: «ومن كره... والمحكم كما تقدم أيضاً في تفسير... أنهما كان على وجه واحد». قالوا: «من كره التحديث ببعض دون بعض: أحمد»، أي الإمام أحمد، في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان. يعني في بعض أحاديث في الظاهر أنه خروج على ولي الأمر، فكره الإمام أحمد التحديث بها أمام العامة. «ومالك أيضاً»، الإمام مالك، كره في أحاديث الصفات أن تحدث العامة بأحاديث صفات الله سبحانه وتعالى، لأن هذه أول الأمر ينكرها قلوب العلم، مثل صفة النزول، صفة كذلك الرؤية، صفات لله سبحانه وتعالى. فإذا لا تكثر هذا عند عامة الناس الذين ما تعلموا شيئاً من دين الله سبحانه وتعالى. «وأبو يوسف أيضاً»، أبو يوسف قال: «في الغرائب، عن الأشياء الغريبة». ومن قبلهم أبو هريرة، كما تقدم عنه في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، أي من أمور الفتن، أنه ما بثه أبو هريرة رضي الله عنه، ونحوه عن حذيفة، لأن قال: «أدرك الناس قبل أن يقتتلوا». وقال: «عن الحسن أنه أنكر تحديث أنس». الحسن البصري أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين. كذا يقول الحافظ ابن حجر: «من أنكر على أنس رضي الله عنه، الحسن البصري، أنه قال: لما حدث بذلك، طبعاً بعد وفاته، أنكر ذلك، وقال: لو لم يحدث لكان خير، أو لكان أحسن، كان أفضل أنه ما يحدث الحجاج بن يوسف الظالم، الذي اتخذ من هذا الحديث ذريعة لهم، في من خرج عليه أو عصاه، أنه يفعل به هذا الفعل». قال: «لأنه اتخذ وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء، بتأويل الواهي». وضابط ذلك: أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد. ما هو الضابط في هذا؟ يقول الحافظ ابن حجر: «ظاهر هذا الحديث يقوي البدعة، أو يقوي هذا الذي يذب إلى مدّه، مثلاً الخوارج». فإذا تنتبه أن تحدث بهذا الحديث، في أن تفيده ذلك، تسامع ذريعة له في الخروج على ولي الأمر. ولكن ظاهره في الأصل غير مراد، لأنه لا فقه عنده، لو كان عنده فقه ما حمل كلامك على غير المراد. قال: «فالاحتياط عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم». هذا كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. إذن علمنا أن ما كل العلم يقال، ما كل العلم ماذا يقال. واعلم وعرف أين تضع العلم: تضع العلم عند أهله، عند من يفهم، عند من يفقه، عند من يعرف المراد. لا تضعوا أمام كل من هب ودب، وبعض الناس يفهمون منك على غير المراد. قال الشارع: «هذه الأحاديث والآثار، وما في معناها، يؤخذ منها العمل بالسياسة الشرعية الحكيمة، التي يراعيها أهل العلم، وأيضاً الحكمة في الدعوة والتحدث إلى الناس بما يفهمونه من الأحاديث، حتى وإن كانوا على مستوى من العلم والثقافة، وحتى وإن كانوا من الخواص، ما دام أن عقولهم لا تستطيع إدراك ما تقول، والله أعلم». هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. تم بحمد الله تعالى وتوفيقه، الانتهاء من هذا الجمع. يعني ثم ذكر نهاية هذا الكتاب، لأن انتهى منه عام ثلاثة وعشرين وأربعمائة والألف للهجرة. فجزاه الله خيراً، والجزاء والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وفي هذا نكون انتهينا من هذا الكتاب الماتع. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا. نسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا خطأنا، ويغفر لنا زللنا. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. وأستغفر الله العظيم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.