الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتحدث عن التحذير من الغفلة واتباع الهوى، ويشدد على أهمية انتهاز الفرصة قبل دنو الأجل. يُبين أن على المرء أن يترك الغفلة ويعمل قبل فوات الأوان.
يتناول تحذير العلماء الذين لم ينتفعوا بعلمهم، حيث غلب الهوى على قلوبهم. يُبين أن يوم القيامة هو يوم جزاء وليس يوم عمل، وأن من لم يخلص في طلب العلم لله تعالى سيندم.
يُنبه إلى خطورة طلب العلم بقصد الجاه أو المال، ويعتبر ذلك نية فاسدة. يشير إلى أن الهدف الحقيقي من طلب العلم يجب أن يكون إعلاء كلمة الله ونشر العلم لوجه الله تعالى.
يشير إلى ختام الحديث مع طلب التوفيق والسداد من الله. يتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علامة من العلماء، ابن القيم رحمه الله، في كتابه «الأقصيدة الميمية»: «وحبكم أصل الهوى ومداره، عليه فوز للمحب ومغنم، وتفنى عظام الصب بعد ما ماتت أشواقه، وقف عليه محرم». قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: قوله «عظام الصب» أي المحب، ومنه الصبابة، يعني الحب الذي يميل صاحبه به إلى محبوبه، وهو تشبيه بالماء، كأنه يتصبب من المكان العالي. قال رحمه الله: «فيا أيها القلب الذي ملك الهوى أزمته، حتى متى ذا التلوم، وحتى متى لا تصحو؟ وقد قرب المدى، ودنت كؤوس السير، والناس نوم». قال رحمه الله: بدأ المؤلف رحمه الله هنا يخاطب نفسه، ويخاطب قلبه الذي ملك الهوى أزمته، والأزمة جمع زمام، وهو ما تقاد به الدابة، الزمام الذي يوضع في فم البعير في وجهه، ويقاد به، يسحب حتى ينقاد. فهو الآن يخاطب نفسه ويخاطب قلبه: إلى متى هذه الغفلة واتباع الهوى؟ ومتى يفيق صاحب الهوى من هواه وغفلته؟ وسينتقل الآن إلى مخاطبة من غلب الهوى على قلبه حتى صار منغمسا في شهوات الدنيا، وبعيدا عن طاعة الله جل وعلا، فمتى يفيق من هذه الغفلة؟ قال رحمه الله: وقوله «حتى متى» أي لا تصحو، وقد قرب المدى، يعني لماذا لا تصحو والمدى قد قرب، ويعني به هنا الموت. وقوله «ودنت كؤوس السير، والناس نوم»، كأنه يحث نفسه على انتهاز الفرصة والعمل قبل أن يدنو الأجل، فإذا دنى الأجل من الإنسان، حيل بينه وبين الأعمال، فإذا كان مفرطا مذنبا مقصرا، فإنه لا يجد فرصة للتوبة والرجوع، وإن كان محسنا، فلا يجد فرصة للزيادة في الإحسان، لأن باب التوبة ينقطع بالأعمال. قال رحمه الله: «بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطاء، ويبدو لك الأمر الذي أنت تكتم». قال رحمه الله: قوله «بلى» للإضراب. وهذا البيت كقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾، وكقوله تعالى في سورة ق: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. يعني هذا الغافل الذي غلب الهوى على قلبه حتى صار منهمكا في شهوات الدنيا وملذاتها، بعيدا عن طاعة الله سبحانه وتعالى، متى سيفيق من هذه الغفلة؟ إذا بقي على هذا الحال حتى نزل عليه الموت، فإنه سيفيق في الآخرة، يوم لا ينفعه الندم، ولا ينفع حينئذ التحسر على ما قد فات. قال رحمه الله: ولكن هل ينفع هذا الانكشاف في ذلك اليوم؟ الجواب: لا، لأن ذلك اليوم يوم جزاء لا يوم عمل. أي يوم القيامة، يوم جزارة على الأعمال، وإنما العمل في الدنيا، في الدنيا عمل ولا جزاء فيها، وفي الآخرة الجزاء ولا عمل ولا تكليف في الآخرة. قال رحمه الله: «ويا موقدا نارا لغيرك ضوءها، وحر لظاها بين جنبيك يضرم، أهذا جنى العلم الذي قد غرسته؟ وهذا الذي قد كنت ترجوه يطعم». قال رحمه الله: يخاطب المؤلف رحمه الله هنا عالما لم ينتفع بعلمه، فهو يقول: «ويا موقدا نارا لغيرك ضوءها، وحر لظاها بين جنبيك يضرم»، أي أن غيره منتفع بعلمه، وهو لم ينتفع بعلمه. وهذا حال الذي لم يخلص في طلبه للعلم، وإنما أراد بالعلم شيئا من عرض الدنيا ومتاعها الفاني. قال رحمه الله: «وهذا هو الحظ الذي قد رضيته لنفسك في الدارين: جاه ودرهم، الله أكبر». فإن كل حظوظ الدنيا تعود إلى هذين الأصلين، كما قال المؤلف رحمه الله: «جاه ودرهم»، يعني من أراد الدنيا إما يريد الجاه، الشرف والرفعة والمنزلة، أو الدرهم، يعني الأموال ومتاع الدنيا. قال: وكثير من آتاه الله علما لا يرضى من علمه إلا أن يكون له جاه بين الناس، يعني له منزلة، وله شهرة، ويشار إليه بالبنان: فلان العالم، أو الشيخ، أو الداعية، أو الخطيب، أو كذا من أنواع المديح والثناء. قال: أو يكون إنسانا يحب المال، فيجمع المال بعلمه، يعني يتأكل من الأموال ومتاع الدنيا بالعلم. قال: وكلتا الإرادتين إرادة خسيسة ومذمومة، طبعا هذا إذا كان هذان الأمران مقصودين، يعني هو يفسد من طلب العلم مراده وطلبه ونيته نيل الشرف ونيل المال، فلا شك أن هذه نية فاسدة خسيسة. قال: وذلك لأن العالم لا ينبغي له أن يكون همه أن يكون له جاه أو ليس له جاه، بل ينبغي أن يكون همه أن تكون كلمة الله العليا، لأنه مجاهد في سبيل الله. وأما كونه يكرم عند الناس أو لا يكرم، فإن هذا إنما يسعى له من يريد النفع الذاتي لنفسه فقط، وهو في الحقيقة ما أراد نفعا، لأن النفع الحقيقي بعلمك أن تقصد به وجه الله وإعلاء كلمته. قال: نسأل الله أن يخلص لنا ولكم النية مما يشوبها. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسدا كان أو حرصا». فالحرص على المال والشرف مفسدان للمرء فسادا عظيما. قال: وقوله «لعمرك لا ربح ولا الأصل يسلم» أي ما حصلت ربحا وما سلم لك الأصل. لأنه جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «من طلب علما مما يبتغى به وجه الله، لا يريد به إلا أن ينال عرضا من الدنيا، لم يرح رائحة الجنة». والحديث رواه أبو داود والإمام أحمد وغيرهما من أهل السنن. قال: نعوذ بالله من ذلك، فالأمر خطير، نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية، وأيضا جل وعلا على تحقيق إخلاص النية في قلوبنا في طلب العلم وتعليمه. نسأل الله جل وعلا التوفيق والسداد. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.