الدرس في كتاب الطهارة 45، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح أحكام الحائض في الحج بناءً على حديث عائشة رضي الله عنها، حيث أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفعل كل ما يفعله الحاج عدا الطواف بالبيت حتى تطهر. واستعراض آراء أهل العلم في جواز الطواف للحائض عند الضرورة.
يناقش حكم الاستمتاع بالمرأة الحائض ومدة النفاس، حيث تختلف آراء المذاهب الفقهية حول الاستمتاع بالحائض، ويُحدد مدة النفاس بأربعين يومًا لحديث أم سلمة.
تحديد أحكام النفساء بعد الأربعين يومًا بناءً على استمرار الدم وعادتها الحيضية، وتوضيح أحكام الصلاة والصيام وفقًا لذلك، ووجوب قضاء الصيام دون الصلاة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتاب بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، في باب الحيض: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما جينا سرف، حاضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»، متفق عليه. في حديث طويل. هذا الحديث كان يعني في حجة الوداع، لما حجت عائشة رضي الله عنها مع النبي عليه الصلاة والسلام، وصلوا إلى السرف، وموضع بين مكة والمدينة، وكان في ذلك الوقت واديا فيه آبار ومزارع، وأما اليوم فأصبح مما يشمله البنيان والعمران، فحاضت رضي الله تعالى عنها، فلما حاضت بكت، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام بكاءها، قال: «ما شأنك؟» قالت: إني حاضت، قال: «إن هذا الشيء كتبه الله على بنات آدم»، ثم قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». فهذا الحديث فيه أن الحائض إذا أتاها الحيض وهي قد أحرمت بالحج، فإنها تفعل ما يفعل الحاج، أي سائر أعمال الحج، كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت في منى، كل هذه الأعمال تعملها وهي حائض. وهكذا السعي، فإنها تسعى إن كان قد طافت قبل ذلك قبل مجيء الحيض، إلا الطواف، فإنها تمتنع من الطواف، فلا تطوف بالبيت وهي حائض حتى تطهر. جمهور أهل العلم قالوا: إن الحائض لا تطوف بالبيت وهي حائض حتى تطهر، لقوله عليه الصلاة والسلام: «غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك الإمام ابن القيم، ذكر أن المرأة إذا أتاها الحيض في الحج، وامتنعت من الطواف، فإن كانت يعني ستنتظرها رفقتها حتى تطهر فتطوف، فهذا الواجب عليها. وأما إن كانت يعني ستذهب رفقتها، ولا تستطيع أن تبقى وحدها، ولا تستطيع أن تذهب وترجع فتطوف، فبمثل هذه الحالة، للضرورة، يجوز لها أن تطوف وهي حائض. من باب أن الواجبات تسقط بالعجز. قال رحمه الله: وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: «ما فوق الإزار»، رواه أبو داود، وضعفه. هذا الحديث رواه الإمام أبو داود رحمه الله في السنن، وقال: حدثنا هشام بن عبد الملك المزني، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن سعد الأغطش، عن عبد الرحمن بن عائد، عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض، قال: «ما فوق الإزار». والتعفف عن ذلك أفضل. ثم قال أبو داود: وليس هو بالقوي، وذلك أن فيه بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعن. وهذه علة الأولى، والعلة الثانية الانقطاع بين عبد الرحمن بن عائد وبين معاذ بن جبل، فلم يسمع منه. وهناك علة ثالثة، وهو ضعف سعد الأغطش، سعد الأغطش الذي هو شيخ بقية بن الوليد، فهو أيضا ضعيف. هذا الحديث يدل على أن الرجل لا يحل له من امرأته وهي حائض إلا ما فوق الإزار، لا يحل له أن يستمتع بها بما بين السرة والركبة. وبهذا قال الشافعية والمالكية والحنفية، قالوا: لا يجوز أن يستمتع الرجل بالمرأة وهي حائض بما بين السرة والركبة. وذهب الحنابلة إلى الجواز، كما مر في الدرس الماضي، لقوله عليه الصلاة والسلام: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». وهذا الحديث حديث معاذ بن جبل ضعيف لا يصح. قال رحمه الله: وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانت النفساء تقعد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوما، رواه الخمسة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود. هذا الحديث حديث أم سلمة رضي الله عنها في بيان مدة النفاس التي تقعدها النفساء، وأنها كانت تقعد على عهد النبي عليه الصلاة والسلام بعد نفاسها أربعين يوما. رواه الخمسة، وفي سنده موسى الأزدية، وموسى الأزدية مجهولة، كما ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في المغني. وهكذا أيضا الدارقطني وغيرهما. إلا أن بعض أهل العلم قالوا: ترتفع جهالتها؛ لأنه روى عنها جماعة من الثقات، روى عنها جماعة من الثقات، ومنهم من روى عنها في هذا الحديث، وأبو سهل كثير بن زياد، وكذلك أن الإمام البخاري رحمه الله أثنى على حديثها. والحديث له شواهد، فقد جاء من حديث أنس: أن النبي عليه الصلاة والسلام: «أقعد النفساء أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك». رواه النسائي، وفيه ضعف. وجاء من وجه آخر عند عبد الرزاق عن أنس مرفوعا. فبهذه الشواهد يرتقي الحديث إلى الحسن. هذا الحديث يدل على أن حد النفاس هو أربعون يوما. فالنفساء هي المرأة التي ولدت، فإن المرأة إذا ولدت خرج منها دم النفاس، فإذا خرج منها هذا الدم صارت في حكم النفساء، فإنها تمتنع من الصلاة والصيام، ولا يطأها زوجها، كالحائض، حكم النفاس كحكم الحائض. فمن أهل العلم من قال: تجلس أربعين يوما، لهذا الحديث: أن النفساء كانت تقعد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أربعين يوما. وهذا قول الحنفية، والمشهور عند الحنابلة، لهذا الحديث، وهذا هو الراجح. ومن أهل العلم من قال: تجلس ستين يوما، ومنهم من قال: سبعين. وهذه الأقوال ليس عليها دليل، والذي ورد فيه الدليل هو القول بالأربعين. ولهذا قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: إن القول المعتبر هو القول بالأربعين، وهو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم، ولا يعرف لهم مخالف في ذلك. وقد صرح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند الدارمي، أنه قال: «إنك ستجلسين نحوا من أربعين يوما». فإذا نفست المرأة وبلغت الأربعين، وما زال الدم ينزل منها، كيف تفعل؟ ينظر: إذا كان إذا بلغت الأربعين، وصادف ذلك مجيء عادتها في الحيض، فإنها تجلس أيام عادتها، وبعد انتهاء أيام عادتها تغتسل وتصلي وتصوم، وتكون في حكم المستحاضة. وإذا استمر بها الدم بعد الأربعين، وقد صادف ذلك مجيء عادتها المعتادة في الحيض، فإنها تكون في حكم الحائض، يعني تجلس أيام عادتها، فإذا انقضت وانتهت اغتسلت وصلت وصامت. وإذا لم يصادف أيام عادتها، واستمر بها الدم، والدم على صفته، يعني في الكثرة والنزول، بمثل ما نزل من أول الأمر، فنقول هنا: تغتسل وتصلي وتصوم، وتكون في حكم المستحاضة، إذا بلغت الأربعين. أما إذا بلغت الأربعين، وبدأ الدم بالنقص أو بالقطع، وبقيت الكدرة والصفرة، فهنا تنتظر، ولو زالت الأربعين، يعني يوما أو يومين أو ثلاثة، تنتظر حتى ترى الطهر، ثم بعد ذلك تغتسل وتصلي وتصوم. وإذا طهرت قبل الأربعين، يعني جلست عشرين يوما ثم طهرت، هل تغتسل وتصلي وتصوم؟ الجواب: نعم، تغتسل وتصلي وتصوم، وتكون في حكم الطاهرات. ونقل الإمام ابن قدامة رحمه الله أن هذا قول الصحابة رضوان الله تعالى عليهم جميعا: أن النفساء إذا طهرت قبل الأربعين أنها تغتسل وتصلي وتصوم. وإذا عاودها الدم في الأربعين، ماذا يكون حكم هذا الدم؟ ينظر فيه: إذا كان فيه صفات دم النفاس، فيكون نفاسا، أو فيه صفات دم الحيض، هو حيض، وإن كانت فيه صفات دم الاستحاضة، فتكون في حكم المستحاضة. وما صلت قبل ذلك، وما صامت، هل يصح؟ الجواب: نعم، يصح، ما صامت وصلت في حال طهرها، فإنه صحيح، لا يلزمها الإعادة. وما هو الحد الذي به تكون المرأة نفساء؟ يعني ما الذي إذا وضعته المرأة تكون فيه في حكم النفساء؟ الصحيح بهذا: أنه إذا وضعت ما فيه خلق إنسان، إذا وضعت ما فيه خلق إنسان، فإنها تكون نفساء؛ لأن حكم النفاس معلق بالولادة، والمولود إذا كان إنسانا، فيكون هذا الدم دم نفاس. أما إن لم يكن فيه علامات خلق إنسان، كان يعني تخرج قطعة من الدم أو نحو ذلك، فيكون هذا الدم دم فساد، تكون في حكم المستحاضة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في لفظ له: «ولم يأمر آل النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس»، وصححه الحاكم. نعم، النفساء إذا جلست أياما نفاسية، فلم تصلي ولم تصم، فلا يلزمها قضاء ما تركت من الصلوات، وإنما الذي يلزمها قضاء الصيام فقط، يلزمها قضاء الصيام فقط، كحال الحائض. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.