الدرس في كتاب الصلاة 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول حكم السلام على المصلي والرد عليه أثناء الصلاة، حيث اختلف الفقهاء في ذلك بين الجواز والمنع. الراجح هو جواز الرد بالإشارة.
الرد على السلام أثناء الصلاة مستحب وليس بواجب، ويمكن الرد بالإشارة باليد أو بالأصبع، وقد ثبت عن النبي رده على السلام بالإشارة أثناء الصلاة.
يجوز حمل الأطفال في الصلاة إذا كانوا يبكون، ولا تبطل الصلاة بالحركة اليسيرة للحاجة، واستدل العلماء بذلك على طهارة الأطفال أصالة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الصلاة، في باب شروط الصلاة. وعلى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلت لبلال: كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا وبسط كفه. أخرجه أبو داود والترمذي وصححه. وهذا الحديث صحيح. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى قباء يصلي فيه، فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، فقال: قلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا وبسط كفه. فبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. الحديث بهذا اللفظ عند أبي داود، واللفظ الذي في الكتاب هو لفظ الإمام الترمذي. فهذا الحديث فيه أن الصحابة رضوان الله عليهم سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم السلام بالإشارة بيده. فالحديث يدل أولا على مشروعية السلام على المصلي. إذا رأيت إنسانا يصلي فسلمت، فالحديث يدل على جواز ذلك. اختلف أهل العلم في هذه المسألة: هل يجوز أن تسلم على المصلي وهو في الصلاة؟ على قولين لأهل العلم. فمن أهل العلم من قال: يجوز أن تسلم على المسلم وهو في الصلاة. وهذا قول الشافعية والحنابلة، واستدلوا بهذا الحديث: الصحابة سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، وما أنكر عليهم، فيدل هذا على الجواز. وذهب أبو حنيفة إلى المنع، وهو رواية عن إمام أحمد: أنه لا يسلم على المصلي وهو في الصلاة. قالوا: لأن في ذلك شغلا، يعني يشغل به المصلي. والصواب الأول: أنه يجوز. تأتي مسألة أخرى: هل يرد المصلي على من سلم عليه وهو في الصلاة؟ فجمهور أهل العلم -مالك والشافعي وأبو أحمد- على الجواز: يجوز أن ترد على من سلم عليك وأنت في الصلاة، ترد عليه بالإشارة. لأن الإشارة ليست بكلام، وإنما الممنوع هو الكلام. أما الإشارة فليست بكلام، فلهذا يجوز أن ترد على من سلم عليك وأنت في الصلاة بالإشارة. والقول الثاني: قول أبي حنيفة، وهو المنع: أنك لا ترد على من سلم عليك وأنت في الصلاة. واستدل بحديث ابن مسعود: أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فلم يرد عليه. فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة، قال: «إن في الصلاة شغلا». وكان قبل ذلك يسلم عليه فيرد عليهم بالإشارة، فلم يرد عليه في تلك الحادثة، وسلم عليه فلم يرد، وقال: «إن في الصلاة شغلا». والراجح القول الأول: أنه يجوز أن ترد على من سلم عليك بالإشارة. وحديث ابن مسعود يحمل على أن الرد مستحب وليس بواجب: أن الرد في الصلاة على من سلم عليك بالإشارة هذا على جهة الاستحباب وليس على جهة الوجوب. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم تركه في حديث ابن مسعود، لا يدل هذا على نسخ هذا الحكم، وإنما يدل على أن الرد مستحب وليس بواجب. لك أن ترد، ولك ألا ترد. والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. فإذا كنت في الصلاة، لا تستطيع أن ترد بالكلام لأنك ممنوع من الكلام في الصلاة، فأقل ذلك أن ترد بالإشارة. وهذا على جهة الاستحباب، جمعا بين الأدلة. فحديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليهم بالإشارة. وفي حديث ابن مسعود: أنه لم يرد عليه. فيدل هذا على أن الرد مستحب وليس بواجب. كيف تكون الإشارة؟ في حديث ابن عمر، في رواية أبي داود: فبسط جعفر بن عون أحد رواة الحديث كفه، وجعل بطنه إلى أسفل، وظاهره إلى أعلى. يعني هكذا: أنت تصلي، يسلم عليك إنسان، ترد عليه هكذا، تشير بيدك هكذا. وهذه إشارة باليد واضح. هكذا أنت الآن تسلم، تشير هكذا. طيب، هذه كيفية. وكيفية أخرى جاءت في حديث صهيب: أن ابن عمر روى عن صهيب قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فرد علي إشارة. قال الليث -وهو من روى هذا الحديث-: لا أعلم إلا أنه قال: أشار بأصبعه. فتكون هذه أيضا كيفية جائزة: أن ترد بالإشارة بالأصبع. فلك أن ترد بالكف، أو ترد بالإشارة بالأصبع. وجاء عند البيهقي من حديث ابن مسعود: أنه أشار برأسه إيماء أو ما برأسه. لكن هذه الرواية ضعيفة. فتكون الإشارة إما بالكف وإما بالأصبع. قال رحمه الله: عن نبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. متفق عليه. ولمسلم: وهو يأم الناس في المسجد. هذا الحديث حديث قتادة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس وهو حامل أمامة بنت زينب، وهي بنت الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي أكبر بناته عليه الصلاة والسلام. وهنا نسبت إلى ابنته زينب تشريفا لنسبها. فهي بنت النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل: لأن أباها كان مشركا لم يؤمن بعد. وأبوها وهو زوج زينب: أبو العاص بن الربيع، وهو ابن خالة زينب. أمه هالة بنت خويلد، أخت خديجة بنت خويلد زوج النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم زوج زينب ابن خالتها أبا العاص بن الربيع. وزينب هاجرت إلى المدينة وتأخر زوجها حتى أسلم في السنة السابعة من الهجرة، ثم هاجر، ورد النبي صلى الله عليه وسلم له زينب. فكان يصلي عليه الصلاة والسلام وهو حامل لأمامة. في رواية أبي داود: وهي صبية، يعني صغيرة. قال: فإذا سجد وضعها، يعني إذا سجد وضعها في الأرض وسجد. وإذا قام حملها. فهذا الحديث فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرحمة والشفقة بالأطفال والصغار. فهو يصلي عليه الصلاة والسلام ويحمل هذه البنت الصغيرة معه في الصلاة. وهذا فيه جواز فعل مثل ذلك. يحتاج الإنسان أن يحمل ولده أو ولد ولده في الصلاة إذا كان مثلا يبكي، فلا بأس أن يحمله ويصلي وهو حامله. وكذا الأم إذا كان طفلها يبكي، فلا بأس أن تحمله وتصلي وهي حاملة لولدها. وهذا من الرحمة والشفقة. وهكذا أيضا فيه جواز دخول الصبيان إلى المساجد، لأن هذا كان في المسجد، وأمامة صبية صغيرة. هذا فيه جواز دخول الصبيان إلى المساجد إذا أمن من تلويث المسجد. وقد بوب الإمام النسائي رحمه الله على هذا الحديث باب جواز إدخال الصبيان إلى المساجد. وأما حديث: «جنبوا مساجدكم صبيانكم»، فهو حديث ضعيف لا يصح. وفيه أيضا جواز الحركة اليسيرة في الصلاة للحاجة، أو الكثيرة غير المتوالية. يعني غير متتابعة. فلا شك أن حمل الطفل في الصلاة يحتاج إلى حركة في حمله وفي وضعه وفي أخذه وفي إنزاله. هذه حركة في الصلاة مثل ذلك لا تضر بصحة الصلاة. فالنبي عليه الصلاة والسلام حمل أمامة في الصلاة، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها. وعلى هذا فيجوز مثل هذه الحركة في الصلاة. وقد قسم أهل العلم الحركة في الصلاة إلى خمسة أقسام. القسم الأول: حركة واجبة، وهو ما يتعلق به صحة الصلاة، كالحركة في إخراج أو إنزال الثوب الذي فيه نجاسة. كأن ينسى الإنسان فيصلي وفي ثوبه نجاسة، ويستطيع أن ينزع هذا الثوب وهو في الصلاة من غير حركة كثيرة، فحينئذ ينزع هذا الثوب. هذه الحركة واجبة لأنها تتعلق بها صحة الصلاة. أو التوجه إلى جهة القبلة، إذا صلى إلى غير القبلة ثم بين له أن القبلة في الجهة الفلانية، فهو سيتحرك حتى يستقبل القبلة. هذه الحركة واجبة لأنها تتعلق بها صحة الصلاة. والقسم الثاني: حركة محرمة، وهي الحركة الكثيرة لغير حاجة أو ضرورة، فهذه تبطل الصلاة. والقسم الثالث أو نوع الثالث: حركة مستحبة، وهو ما به كمال الصلاة، كأن يتقدم ليسد فرجة في الصف. هذه حركة مستحبة. وحركة مكروهة، وهي الحركة القليلة لغير حاجة. فهذه مكروهة، كالذي يعني يعبث بالساعة أو يعبث بعمامته في الصلاة أو بلحيته. هذه حركة يسيرة مكروهة لأنها غير حاجة. والقسم الخامس: وهي الحركة الجائزة، القليلة للحاجة والكثيرة للضرورة. ومثل ذلك الصلاة في حال الخوف، فقد يصلي وهو راكب، وقد يصلي وهو يعني يقاتل. فهذه حركة لا شك أنها كثيرة لكنها للضرورة. قال الله عز وجل: ﴿فَإِن خِفتُم فَرِجَالًا أَوْ رُكبَانًا﴾. فمثل هذه جائزة للضرورة. طيب، إذن هذه الحركة الآن في حمل الطفل في الصلاة، هذه تعتبر من القسم الجائز: الحركة اليسيرة للحاجة. هذه حركة يسيرة للحاجة فلا تضر في الصلاة. وأيضا استدل أهل العلم بهذا الحديث على أن الأصل في الأطفال الطهارة، الأصل في الأطفال الطهارة في أبدانهم وثيابهم إذا لم يتيقن النجاسة. وبهذا استدل الإمام الشافعي رحمه الله، وهذا هو الصواب. فالنبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة على الأصل أنها طاهرة. أن المسلم لا يجوز أن يحمل النجاسة في الصلاة. فدل هذا على أن الأصل في الطفل أنه طاهر ما لم يتيقن النجاسة. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.