الدرس في التعليق على الجواب الكافي 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب والمعاصي تؤثر سلبًا على العبد، حيث تسبب حرمان الرزق الحلال وظلمة في القلب، وتؤدي إلى وحشة بين العبد وربه. كما أن لها آثارًا قبيحة على القلب والبدن في الدنيا والآخرة.
تكرار الذنوب يؤدي إلى تراكم الران على القلب، كما يسبب شعورًا بالوحشة عند المؤمنين نتيجة ابتعادهم عن الله. بينما الكفار والماديون لا يجدون راحة في قلوبهم رغم محاولاتهم.
ترك المعاصي وتقوى الله تعالى يجلب الرزق الحلال وييسره للعبد، مما يدل على أهمية الابتعاد عن الذنوب لتحقيق الراحة والطمأنينة في القلب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، وأمن ألام بعد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله. وهنا بدأ رحمه الله تعالى بذكر آثار المعاصي، فلها آثار كبيرة وكثيرة مضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة، قال: ما لا يعلمه إلا الله، أي: كثير. لكن ذكر هنا منها مجموعة من هذه الآثار التي يخلفها أو تخلفها المعاصي. قال: فمنها حرمان العلم، فإن العلم نور يقدفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور. وهذه من أعظم العثار القبيحة التي تخلفها الذنوب، حرمان العلم. وحرمان العلم إما أنه بعدم كثرته وزيادته، أو عدم الانتفاع به. وهذا من أعظم الأمور أن الإنسان يتعلم ولا ينتفع بعلم، فهذا أيضا من آثار المعاصي، حرمان العلم. يحرم العلم نفسه، ويحرم أيضا أثر العلم. قال: ولما جلس الإمام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه، أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه، فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية. لأن ظلمة المعصية تغطي على القلب وتذهب ذلك النور، والنور الذي جعله الله عز وجل هو الفهم وأثر العلم. فلهذا ربنا جل وعلا يوفق العبد الطائع لله إذا طلب العلم يفهمه أشياء، وإن كان فهمه قليل. لكن ربنا جل وعلا يفقهه في هذا الدين. كم الرجل كان فهمه قليل جدا، فأصبح عالم من علماء المسلمين بسبب جده ونية وإخلاصه. قال رحمه الله: قال الشافعي رحمه الله: شكوت إلى وكيع سوى حفظك، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وقال: أعلم بأن العلم فضل، وفضل الله لا يؤتاه عاصي. وقد جاء عن عبد الرحمن بن خراش أيضا أنه قال: قلت له وكيع: من أين لك هذا الحفظ؟ قال: ترك المعاصي. فترك المعاصي هو سبب الحفظ، وليس معنى أن الإنسان إذا ترك المعاصي حفظ، لا، أيضا أن يقوم بأسبابه: تكرار المحفوظ ومراجعته، وكذا. فهذا أيضا من أسباب الحفظ، ومن أسبابه أيضا ترك المعاصي، لأن المعاصي تحدث ظلمة في القلب. فهذا أثر من آثار الذنوب والمعاصي. قال: ومنها حرمان الرزق، أي: الرزق الحلال وتيسيره للعبد. قالوا: في المسند: إن العبد لا يحرم الرزق بالذنب يصيبه. وقد تقدم أنه لا يصح فيه حديث عن ثوبان. لكنه معناه صحيح، لأن الرزق سخره الله عز وجل لعباده جميعا، لكن الرزق الحلال جعله الله عز وجل لعباده الطائعين. وأما الذي يقترف المعاصي، فقد يحرم الرزق الحلال. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وملبسه من حرام، وغذيه بالحرام، فأنى يستجاب له؟ فهذا الرجل تلبس بالحرام، فلهذا الله عز وجل يقول: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. وقال عليه الصلاة والسلام كما عند أحمد والترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا». فالرزق كتبه الله عز وجل على بني آدم، لكن الرزق نوعان: رزق حرام، ورزق حلال. فالرزق الحلال يسره الله عز وجل لعباده الطائعين. قال رحمه الله: وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر. فما استجلب رزق مثل ترك المعاصي. قالوا: منها وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله، لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلا. سبحان الله، الطاعة لها نور في القلب، ولها لذة في القلب. كما كان يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وأراد بهذه الجنة جنة الطاعة، راحة القلب. يعلم الإنسان أنه راجع إلى الله وسائر إلى الله، فهو قد بان طريقه، وقد تبين مقصده، فلهذا فهو يرتاح ويطمئن في هذه الحياة. قالوا: لو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تفي بتلك الوحشة. ولهذا تجد الكفار الآن يفعلون كل الأفعال يريدون أن يكون عندهم راحة في القلب، ولا يجدونها. بعض الأغنياء يحب أن يجرب كل شيء تجربة، يريد أن يبحث عن شيء ليجد راحة في قلبه، لكنه لا يجدها. قالوا: هذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة. وما لجرح بميت إيلام. على الذي قد غطى قلبه الران فلا يحس بشيء، ولا يتذكر مثل هذه الأمور. لكن المؤمن يتذكر، يرى أن قلبه يبتعد عن الله، وهذا علامة على أنه ليس في طريق صحيحة. قال: فلو لم تترك الذنوب إلا حذرا من وقوع تلك الوحشة، لكان العاقل حريا بتركها. قالوا: شكى رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه، فقال له: إذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس. ليس على القلب أمر من وحشة الذنب. أنا عندما تتتابع الذنوب على القلب، فإنه يجد الوحشة الشديدة. ولهذا جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تكون القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». وأخرج أحمد أيضا وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب سوق إلى قلبه، فإن هو عاد عادت حتى يعلو على قلبه الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾». فهذه بعض الأشياء التي ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله، فنكتفي بها. والله تعالى أعلم.