الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 329، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع حديثًا منسوبًا إلى خالد بن الوليد ويبين ضعف سنده بسبب الإرسال. يشرح رحمه الله سند الحديث ويبين أوهام حفظ بن غياث في روايته.
يشرح المقطع حادثة قتل مسلمين لجأوا إلى خثعم المشركين، ويبين حكم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة وأداء ديتهم. يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم براءته من كل مسلم يعيش مع مشرك.
استدل العلماء بحديث قيس بن أبي حازم على تحريم إقامة المسلم في ديار الشرك إلا إذا كان يستطيع إظهار دينه ويأمن على نفسه. الهجرة واجبة لمن كان في بلاد الكفر ويتعرض للأذى في دينه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومولانا. بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الطحاوي في مشكلة أثارها الطحاوي، له كتابان: «مشكل الآثار» و«معاني الآثار». والمعاني وذكر حديث وذكر معناه، والمشكل أن يذكر الحديث التي فيها إشكال أو ظاهرها الإشكال فيجمع بينها، وهي كتب عظيمة. قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود وهو الشامي، أصله شامي لكن ولد في صور ومات في مصر، وهو حافظ من حفاظ الحديث، يقال له البرلسي، أنا اشتهر بهذا اللقب البرلسي. قال: حدثنا يوسف بن عدي وهو التيمي الكوفي، قال: حدثنا حفظ بن غياث، وهو أبو عمر قاضي الكوفة ومحدث من حفاظها، الكوفة إلا أنه كان يهم عنده أوهام، وهم فيه حديث، والظاهر أن هذا الحديث مما وهم فيه، هذا الحديث مما وهم فيه. الشيخ رحمه الله جعله صحيحا على الأصل لأن حفظ ثقة، لكن قد خولف أكثر أصحاب إسماعيل، كما سيأتي. قال: عن إسماعيل بن أبي خالد، وهو الكوفي إمام وحافظ كبير من حفاظ الكوفة، حتى قال الإمام أحمد: إسماعيل بن أبي خالد يشرب العلم شربا. قال: عن قيس بن أبي حازم، وقيس يعتبر مخضرم، وهو الكوفي أيضا من مخضرمي حضر إلى المدينة، قد أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يره، جاء إلى المدينة والصديق رضي الله عنه يخطب خطبة الخلافة لما بويع له رضي الله عنه، فحضر قيس تلك الخطبة. قال: عن قادم بن وليد، وهنا قول عن قادم أيضا كما قلنا هو وهم من حفظ بن غياث، لأن هذا الحديث أكثر من رواه عن إسماعيل. قال: عن قيس بن حازم، ولم يذكر الصحابة، وذكر أبو معاوية أنه جرير بن عبد الله، وأيضا خطأ. لهذا رجح الأئمة الكبار كالبخاري وأبي حاتم والدارقطني أن الحديث مرسل، لأن قيس بن أبي حازم تابعي، فهو حديث مرسل، الصحيح أنه مرسل. والشيخ رحمه الله لعله لم يطلع على هذا أو أنه قد تراجع، لأنه قد تراجع عن حديث كثيرة نقلها إلى كتابه «حديث معلّة». وهذا الصحيح فيه أنه مرسل وليس من حديث خالد بن الوليد. قال: عن خالد بن الوليد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أناس من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم، وهذا مما يدل على أنه ليس من حديث خالد، لأن هذا فيه شيء من متاعبه رضي الله عنه، معنى أنه قتل أناس قد صلوا. لكن هذا حصل عندما ذهب إلى جذيمة، هذا في الصحيح البخاري. أما أنه ذهب إلى خثعم فهذا مرسل وليس هو خالد الذي ذهب، الله أعلم. لأن قيس بن أبي حازم قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا إلى خثعم. وسيأتي ويتضح من المعنى معنى الحديث أنه لم يرسله، لم يرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خثعم، وإنما كانوا ناس من يدعون الإسلام وكانوا يسكنون أو لجأوا إلى خثعم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم من يرى أمرهم، لكن اعتصموا بالسجود، فلما رأاهم لجأوا إلى خثعم وكانوا خثعم على الشرك قتلهم، أي هذا الصحابي ومن معهم من أرسله النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوهم. وجاء في رواية أنهم قتلوا رجلا واحدا، وهذه الرواية الصحيحة التي جاءت عن قيس أنهم قتلوا رجلا واحدا منهم، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم بنصف العقل، فأدى بنصف الدية. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك، لا تراء ناراهما». لما لجأوا إلى المشركين كيف يكون من أهل الإسلام وهم يلجأون إلى أهل الشرك ويسكنون عندهم؟ فكما قلنا أن قيس أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى هؤلاء فلجأوا إلى خثعم، أناس لجأوا إلى خثعم فقتل رجل منهم. وجاء في رواية أنهم اعتصموا بالصلاة والسجود، هنا المراد به الصلاة، أي أنهم صلوا كانوا يصلون. والمشهور عن خالد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى جذيمة، قبيلة جذيمة من قبائل نجد، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فليست معنا بين الحجاز ونجد قرب عبس، فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقابلوه بأن كانوا يقولون: «صبأنا صبأنا»، فظن خالد أنهم يستهزئون فقتلهم، وهم يريدون أنهم صبأنا يأسلمنا، لكن أخطأوا في اللفظ، فكانوا بدو، وانتشر عند الناس في ذلك الوقت أن من أسلم وغير دينه يسمى صابئا، فهم قابلوا جيش المسلمين بهذا اللفظ، فكانوا يقولون: «صبأنا صبأنا»، فقتلهم خالد. فقضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «إني أبرأ إليك مما فعل خالد». وخالد رضي الله عنه، خالد بن الوليد إنما ظن أنهم يستهزئون، ظن أنهم يستهزئون. وذكر بعضها للسير أمورا أخرى لا تليق به رضي الله عنه، لكن ظن أنهم استهزئوا فقتلهم. وهؤلاء الذين أرسل إليهم من خثعم أو ممن لجأ إلى خثعم لم يقتلوا جميعا، وإنما قتل رجل واحد منهم، لأنهم اعتصموا بالصلاة، فقتلهم أي حاول قتلهم فقتل الرجل، فصارت بينهم شيء من الحرب أو المواجهة فقتل الرجل منهم. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من أهل الإسلام وداه. وذكر بعض العلماء أن المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم وداه بنصف دية، أن خثعم كانوا قد خضعوا للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلموا، أن ليسوا من المحاربين، إنما هم من أهل الجزية، فعاملهم النبي صلى الله عليه وسلم مثلهم. وقول النبي عليه الصلاة والسلام أو قولنا في هذا الحديث: «نبريء من كل مسلم مع مشرك، لا تراء ناراهما». جاءت له شواهد، جاء من حديث سمرة عند النسائي وأحمد أنه قال: «المسلم لا يساكن المشرك». وجاء في لفظ: «كل مسلم ساكن مشرك فهو مثله»، لكنه أيضا لا يصح يضعف. وجاءت أيضا بعض الأحاديث التي تشهد لهذا. والظاهر بمجموع هذه كما قال الشيخ الألباني: يحسن الحديث، لأن قيس بن أبي حازم كما قلنا مخضرم، وقد حضر وقت النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا مما يدل على أنه عنده علم بهذا الأمر، معنى أنه تلقى أو سمع به في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا مما يساعد على صحة الحديث. واستدل بهذا الحديث كثير من العلماء على مسألة إقامة أو تحريم إقامة المسلم في ديار الشرك. وهذه المسألة من المسائل الكبيرة التي زلت فيها أقدام، وهي في باب الولاء والبراء، والذي قرره أئمة السنة وأئمة الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وغيرهم من العلماء: أنه لا يجوز للمسلم أن يبقى عند المشركين وفي ديارهم إلا أن كان يستطيع أن يظهر دينه، إلا أن كان يستطيع أن يظهر دينه ويأمن على نفسه من الوقوع فيما هم فيه من الرذائل أو من الشرك. فبهذه القيود وغيرها مما ذكره العلماء يجوز أن الإنسان يجلس بين المشركين. وأما إذا كان لا يستطيع أن يظهر دينه، والمراد من إظهار الدين ليس المراد أنه يصلي ويصوم، المراد من إظهار الدين أي أنه يظهر عداوته للكفار وأيضا يصرح بأن دينهم خطأ، أن يتكلم عليهم ويعيب دينهم، فهذا معنى الإظهار. فإذا كان يستطيع أن يعيب دين الكفار ويتكلم عليهم فهذا يعتبر إظهار، فهنا له أن يجلس إذا أمن على نفسه وأمن على أولاده من الوقوع فيما فيه هؤلاء المشركون. وإلا الأصل أن المسلم والمشرك لا تراء ناراهما، والمراد لا تراء ناراهما أي لا يتقابلان في مكان واحد، هذا يراء نار هذا وهذا يراء نار هذا. لأن العرب قديما كانوا إذا أراد الإنسان أن يسالم إنسانا جاء بجنبه فرأى ناره، هذا يرى نار هذا وهذا يرى نار هذا، فهذا يعتبر سلم أنه سالمه وأراد أن يجلس قربه. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تراء ناراهما»، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب «تهذيب السنن»، ذكر هذا المعنى وأن المراد أنه لا يرى أحدهما مكان الآخر، معنى المراد أنه لا يساكن في مكانه. فهذا هو الأصل كما قلنا، لكن من أظهر دينه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في مكة، أنا كان في مكة في بلاد شرك لكنه كان يظهر دينه مع هذا، إلا لما استضعف العذاب هاجر من مكة. فلهذا قال العلماء: إن كان الرجل يستطيع أن يظهر دينه كما قلنا بإظهار الدين وأمن على نفسه وأولاده، فإنه يجوز له، وإلا فالواجب عليه أن يهاجر، أن يستطيع الهجرة إلى بلاد أهل الإسلام، فيواجب عليه أن يهاجر ولا يجلس في بلاد الشرك يكثر سوادهم، وأيضا كذلك يضر نفسه. وقد جاءت الآيات المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذم من يكثر سواد المشركين ويجلس معهم. وقال الله عز وجل في رجل حجتهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، فأبرأ الله عز وجل بهجرتهم وابتعادهم عن هؤلاء المشركين، وخاصة إذا كانوا يؤذون، وأيضا يؤذونهم في دينهم، فهذا الواجب عليهم أن يهاجروا وأن يتركوا ذلك المكان. فهذا شيء مما يذكر في هذا الباب، ونكتفي به. والله تعالى أعلم.