الدرس في آداب المشي والركوب 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن آداب المشي في الإسلام، محذرًا من التبختر والخيلاء، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُستثنى من ذلك حالة الحرب مع الكفار لإغاظة الأعداء.
نهى النبي عن المشي في نعل واحدة وأمر إما بالانتعال جميعًا أو بالإحفاء جميعًا، مع تفسير العلماء لهذا النهي بأنه من مشية الشيطان ويسبب خللاً في اعتدال الجسم.
يدخل في حكم النهي عن المشي بنعل واحدة لبس خف واحد، فيجب إما لبس النعلين أو الخفين جميعًا أو خلعهما معًا تفاديًا للشهرة وتعرض للأذى.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس قد مضت، إخواني في الله، كان الانتهاء والفراغ من ذكر آداب الطريق، وتجولنا وإياكم مع أهم ما يذكره العلماء مما جاءت به السنة الصحيحة في ذكر آداب الطريق الذي ينبغي أن يتأدب بها كل مسلم ومسلمة. وإن مما يناسب ذكره، إخواني في الله، في هذا الباب، وهو مما له تعلق بآداب الطريق، ما يتعلق بآداب المشي والركوب، إذ أن الطريق هو محل لركوب الناس ولمشيهم، فناسب كذلك أن نعرج على أهم المسائل التي هي من الآداب التي يعتني بها كل ماش وكل راكب. ونبدأ أولًا بآداب المشي، فمن آداب المشي، إخواني في الله، أن المسلم لا يتبختر في مشيته، والمقصود بالتبختر هنا الخيلاء، إذ أن هذه من الصفات الذميمة والتي تنم عن العجب والغرور، وهكذا عن الكبر، وهي من الأخلاق الذميمة التي ينبغي أن يتنزه عنها كل مسلم. ولهذا قال ربنا جل وعلا، محذرًا من هذا الخلق الذميم ومن هذه الصفة من صفات المشي، كما في قوله جل في علا: ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحًا﴾، قال علماء: أي بطرًا، معجبًا بنفسك، هذا لا يجوز. وإنما الذي ينبغي، وما ذكره الله أيضًا في كتابه بقوله: ﴿واقصد في مشيك﴾، قال إمام السعدي رحمه الله تعالى، مفسرًا هذه الكلمات: ﴿واقصد في مشيك﴾، قال رحمه الله تعالى: أي امش متواضعًا مستكينًا، هذه هي المشية التي ينبغي أن يمشي بها المسلمون، أن تكون عليك التواضع وعليك المسكنة. وقد حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من هذه الصفة من صفات المشي، فقد جاء من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان»، رواه أحمد في مسنده، وأورده الألباني في صحيح الجامع. وهذا الذي نريده من الحديث، في قوله عليه الصلاة والسلام: «ويختال في مشيته»، صفة الخيلاء، وهي نوع من أنواع الكبر يظهر في الممشى، يفعله بعض الناس ممن دخله العجب والغرور بنفسه، لربما حباه الله بمال، أو حباه الله بجمال، أو حباه الله بحسب ونسب، فإذا به إذا مشى بين الناس تعرف من مشيته الخيلاء، يتبختر كما يضرب به المثل، كمشية الطاوس، فيه من الزهو والعجب والغرور، هذه صفة ذميمة. وعلى هذا الحديث، ذكر العلماء أن هذه المشية من كبائر الذنوب، ولذلك أوردها الذهبي رحمه الله تعالى في الكبائر، فاحذر يا عبد الله من ذلك. وهذا يدخل، إخواني في الله، فيمن كان يمشي بقدميه، وفيمن يركب دراجته أو سيارته، تجد الخيلاء، أعطاه الله آخر موضة سيارة، فإذا مشى في طرقات الناس يمشي ببطء، لماذا؟ حتى يري الناس ما هو عليه من أبهى خيلاء وفخر. لا يا عبد الله، عليك أن تستكين وأن تعرف أن هذه من نعمة الله عليك، لا أنك تتكبر على عباد الله، وإنما تتواضع لربك سبحانه وتعالى، فالشاهد أن من آداب المشي أنك تمشي بتواضع وسكينة، وأن لا يعلوك شيء من معاني الكبر من الخيلاء والتبختر والعجب والزهو، كل ذلك من الصفات الذميمة إلا ما استثناه الدليل. وقد يقول قائل: وهل الشرع رخص لمثل هذه المشية؟ نعم، هي صفة ذميمة على أصلها، إلا أن الشرع أجاز أن تمشي هذه المشية، أو هذه المشية من التبختر والخيلاء، وهذا متى؟ هذا في حالة الحرب مع الكفار، بهذا الضابط. ولهذا صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عندما رأى أبا دجانة الصحابي الجليل، حين قام يتبختر بين الصفين، أين بين صف المسلمين وصف الكفار، عندما التقى الصفان، فخرج هذا الصحابي الجليل، ويمشي ويتبختر في مشيته، يتبختر يتبختر، زهو وإعجاب في ظاهر حركاته، فماذا علق نبينا حينها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن»، هي نعم صفة ذميمة ما ينبغي أن يتخلق بها المسلم إلا في هذا الموطن، لماذا استثناء؟ لأن في ذلك إغاظة للكفار، فكل ما كان مؤديًا إلى إغاظة الكفار وإغاظة لأعداء الدين، فهو مما يترخص به. فهذا، إخواني في الله، النهي أو البيان للأدب الأول من آداب المشي، وهو أنك تقتصد في مشيك، تمشي بتواضع، لا بعجب ولا بغرور. الأدب الثاني من آداب المشي، إخواني في الله، كراهية المشي في نعل واحدة، لا تمشي يا عبد الله وأنت لابس لنعل واحدة دون الأخرى، فهذا مما ورد فيه النهي، فقد جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها»، فقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا انقطع شسع أحدكم»، والشسع، قال المفسرون والشراح: هو السير الذي يوضع فيه أصبع الرجل من النعل، هذا تعرف يا عبد الله، النعل فيها سيور، وهذا سير يكون أحيانًا لوضع إصبع قد ينقطع، ينقطع هذا الشسع، هذا السير، فأحيانًا يصعب على الرجل أن يمشي، يمشي ما يستطيع، فيرى أنه من باب العذر والرخصة أن يمشي في نعل واحدة، لا، ليس هناك رخصة حتى تقوم بإصلاح هذه التي انقطع شسعها، أصلحها. وبهذا نعلم، إخواني في الله، الخطأ الذي نراه من بعض الناس، كحال ما جاء في الحديث، يمشي أحدنا، فإذا انقطع نعله، لربما إما يرمي هذا النعل الذي انقطع ويمشي بالسليمة، فيمشي بنعل واحدة، حجته أن هذا قد تعطل، أو يأخذ النعل العاطل بيده ويسير بواحدة، أو من أراد أن يخرج من محله، من بيت أو من مسجد أو من مكان، فإذا بأحد النعل قد ضاعت أو سرقت أو أخذت، يقول: حسبي الله، ثم يمشي ويجد الأخرى، فيمشي بواحدة دون الأخرى، هذا يجوز؟ الجواب: لا يجوز، ما يجوز، هذا تمشي وأنت بهذا الصورة، هذا لا يجوز. فما الحل؟ الحل الذي جاء في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، ليحفهما جميعًا أو لينعلهما جميعًا»، إما أنك تخلع الأخرى فتمشي حافيًا، وإما أنك تلبس الأخرى على حالتها، فإما أنك تكون حافيًا أو تكون منتعلا، أي هذا يا عبد الله، أما أنك تبقي أحد الرجلين بنعال والأخرى من غير نعال، فهذا لا يجوز، هذا هو الحل. فمن أبتلى، إذا ذكرنا، من صور الضياع أو السرقة أو التلف، فإنك إنزع الثانية، «ليحفيهما جميعًا»، أن يمشي حافيًا، هذا ليس فيه شيء. أو أنك تصلح الثانية فتلبسها. وهنا تأتي مسألة، وهي: ما هي العلة؟ لماذا الشرع شدد في هذه المسألة وأمر إما بالانتعال جميعًا أو بالإحفاء جميعًا؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة وبيان علتها عدة أوجه. فمن أهل العلم من ذهب، كما ذكر ذلك ابن العربي رحمه الله تعالى، أن هذه هي مشية الشيطان، أن هذه هي مشية الشيطان، الشيطان ما يمشي إلا بنعل واحدة. ويؤيد هذا المعنى ما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة»، أورده الألباني في السلسلة الصحيحة، فقالوا: هذا إذن من فعل الشيطان، ونحن قد أمرنا بمخالفته، «ولا تتبعوا خطوات الشيطان»، هذا وجه، وهي علة صحيحة لورود النص فيها. وهناك علة أخرى، وهي: قال العلماء أن فيها إخراج الجسم عن الاعتدال، وأن من اعتدال الجسم أن يُعطى لكل عضو حقه، أن يُعطى لكل عضو حقه، فكونك تُعطي عضوا شيء مما يُميزه عن الآخر، هذا ليس من العدل، فكونك تُعطي أحد الأرجل نعل ورجل الأخرى بلا نعل، هذا خروج عن العدل، هذا خروج عن العدل. وقد مر معنا، تذكرون، في آداب المجالس، أن مما يُكره من المجالس أن تجلس بين الظل والشمس، وكان من علل النهي هذه المسألة بعينها، لأن الذي يجلس بين الظل والشمس خرج عن الاعتدال، إذ أنه أعطى لشيء من جسده ظلًا، وأجزاء من جسده جعلها في الشمس، فهذا خرج عن العدل، وهذا لا يجوز. قالوا: هكذا الذي بين أيدينا من النهي عن المشي بنعل واحدة، فهذا خروج عن العدل، وهذا كرهه جماعة من أهل العلم. والعلة الثالثة، والتي أشار إليها البيهقي رحمه الله تعالى، قالوا: أن من علة النهي عن المشي بنعل الواحدة أن فيها شهرة، فيها شهرة. وهذا المسلك، وهو أنك تشتهر بين الناس لا لشيء، إنما لغرض أن تشتهر بين الناس، من الأخلاق الذميمة. وسيأتي هذا المعنى في آداب اللباس، على من يحسن حديث أن النبي نهى عن لباس الشهرة. ومن ضوابط لباس الشهرة أن تشتهر بلباس معين، بلباس غريب، بهيئة مستهجنة، لا لشيء، إنما المراد أنك تتميز عن الناس. فقال العلماء: فما كان من أمر اللباس، ويلحق به أمر نعليك، لأنها من اللباس. ومن الشهرة في اللباس أن تسير على هذه الهيئة، تخيل أنت الآن لو أن رجل مشى في طريق بنعل واحدة، ما الذي سيكون حاله؟ الناس كلهم ينظرون إليه، ومن كان منشغلًا بأمر، لأشار إليه الناس أن: أنظر إلى هذا، أنظر، ما عندنا رجل أعرج، بماذا كان أعرجه؟ بأنه يمشي بنعل واحدة. ويرى أن هذه موضة، وهذا قد يقع، إخواني في الله، أنا لا أستبعد هذا، ما نرى في عالم الموضة من هذه الصفات التي ما يتمالك الإنسان منها إلا العجب، أن تسمى موضة، ثياب ممزقة، وشعر مبعثر، والأزر والسراويل كادت أن تبدي العورة، كل ذلك باسم الموضة. قال: فلا نستغرب أن يأتي يوم من الأيام فتكون من موضة الناس المشي بنعل واحدة، هذا قد يصل، فهذا من صور الشهرة. ولهذا ذكر البيهقي رحمه الله تعالى أن هذه المشية نهينا عنها لأن مؤداها إلى شهرة الرجل بين الناس بما فيه الإشارة إليه. العلة الرابعة من علة النهي في هذا الباب، ما ذكره الإمام الخطابي رحمه الله تعالى، أن في هذه المشية أن يتعرض الإنسان للأذى. ومن صور الأذى في هذه المشية، إخواني في الله، أن النعل التي موجودة في أحد الأرجل ستكون محمية، ستكون محمية بوجود النعل، لكن قل لي ما شأن تلك الرجل الأخرى التي هي حافية؟ ستكون عرضة للأذية من شوك وزجاج وما يكون في الأرض. قال: إذن هنا سيكون الإنسان عرضة للأذى، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار». ومن عرضة للأذى أيضًا ما يكون من أن الإنسان قد يتعثر، قد يتدحرج، قد يسقط لعدم اتزانه، وخاصة إذا كان النعل الذي لبسها فيها كعب عالي، بعض الأحذية عبارة عن كعب عالي، وتخيل تلك الرجل بلا نعل، فتكون فيه ارتفاع وفيه نزول، فيمشي من غير اتزان، فيكون عرضة للسقوط، ومن ثم سيتأذى. ولهذا أشار الخطابي رحمه الله تعالى إلى هذه العلة، فانظر يا عبد الله كم هي العلل التي وجدت في هذه المخالفة، وهو أنك تمشي بنعل واحدة، لذا احرص يا عبد الله على ما جاءت به السنة، إما أنك تمشي حافيًا أو أنك تنتعل جميعًا، ولا تمشي في نعل واحدة في أي مكان إن كنت. وهنا مسألة أختم بها المقام، وهل يلحق بهذا الباب لبس الخف أو ما يسمى بالجورب؟ هل يدخل أم لا يدخل؟ الصحيح أنه يدخل، فما قيل من النهي من عدم المشي بنعل واحدة يدخل فيه كذلك النهي عن عدم المشي بخف واحد. وقد رأينا أناسًا، وأذكر كنا في المدارس، أن بعض الطلاب كان إذا لعبوا يلعبون بخف واحد، وخاصة الذي يلعبون الكرة، يشوطون بها ويدعمونها بخف، ويلعب بخف واحد، الصحيح: هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. ومما يؤيد هذا النهي ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ولا بخف واحد»، رواه ابن ماجة، وأورده الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وقال: إسناده صحيح، إسناده صحيح. ولهذا فيدخل في هذا الحكم عدم لبس الخف الواحد، والحكم واحد في هذا الباب، فإما أنك تنبس الخفين لرجلين، أو أنك تحفهم جميعًا. بل إن من العلماء، إخواني في الله، من جعل هذا الباب يدخل في كل ما هو شفع، حتى أدخل جميع من العلماء لبس الجاكيت أو ما يلبس فوق ذلك، حتى أن من العلماء قال: إنك إذا لبست بدلة أو جاكيت أو قميص أو أي شيء مما يلبس فأدخلت يدًا في الكم ويدًا ثانية من غير إدخال، قال: هذا لا يجوز. وطبعًا كان هذا فيه توسع، وهذا فيه نظر، لأن من العلماء من ألحق هذا، ومنهم من لم يلحق ذاك، واكتفى بما جاء فيه النهي في مسألة اللباس في النعلين والخفين. لكن هذا كله من باب ماذا؟ أنك تتحرى العدل، حتى ما يوضع على المنكب، ما يوضع على المنكب، بعض من يضع شيئًا ويترك الآخر، قال: لا، لابد أنك تعدل. هل توسع؟ نعم، في هذا الباب. فهذا، إخواني في الله، ما يتعلق بهذا الأدب من آداب المشي، أنك لا تمشي بنعل واحدة. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله و وسلم والله تعالى أعلم.