الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بعد فتح خيبر وقتل زوجها سلام بن أبي الحقيق، وأقام ثلاثة أيام بين خيبر والمدينة يبني بها. يروي أنس بن مالك رضي الله عنه تفاصيل هذا الزواج وسياقه ضمن غزوة النبي لليهود بعد صلح الحديبية.
أُسرت صفية في خيبر وكانت زوجة لسلام بن أبي الحقيق، ورأت رؤيا بتساقط القمر في حجرها فغضب زوجها، ثم تزوجها النبي وأقام وليمة بسيطة من التمر والأقط والسمن دون لحم، مما يدل على جواز الوليمة بغير اللحم مع أفضلية اللحم عند توفره.
أولم النبي على صفية بتمر وأقط وسمن في طريق خيبر، وتنازع الصحابة في كونها حرة أم أمة، فاحتجبها النبي ومد لها الحجاب وأركبها خلفه، فعلموا أنها من أمهات المؤمنين.
أعتق النبي صفية وتزوجها دون ذكر مهر، مما يدل على أن العتق يعد مهراً، كما فعل مع جويرية حين خيرها بين العتق والزواج، فيعتبر العتق بديلاً عن المهر في هذين الزواجين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا قتيبة، وهو ابن سعيد، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، قال: عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قام النبي عليه الصلاة والسلام بين خيبر والمدينة ثلاثاً، يبني عليه أو يُبنى عليه بصفية بنت حيي، فدعا المسلمين إلى وليمة، فما كان فيها خبز ولا لحم، أمر بالأنطاع فأُلقي فيها من التمر والأقط والسمن، فكانت وليمة، أو قالت: فكانت وليمة. فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو ما ملكت يمينه. فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه. قال: فلما ارتحل، وطأ لها خلفه، ومد الحجاب بينها وبين الناس. فهذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما جاء من خيبر، بعدما رجع من خيبر، وخيبر المنطقة التي فيها اليهود وهي قرب المدينة، فنبي عليه الصلاة والسلام غزاهم لما عقد الصلح بينه وبين قريش، صلح الحديبية، فتفرغ لليهود ولغيرهم من المشركين الذين هم قرب المدينة؛ لأنهم يؤذون أهل الإيمان إذا مروا من عندهم، الصحابة آذوهم، بل وبعضهم يقتلهم. فلما عقد النبي صلى الله عليه وسلم الصلح بينه وبين قريش تفرغ لهم، فغزا خيبر، وبَيَّتَهم أو صَبَّحهم، فتحصنوا في حصونهم حتى فتح الله عز وجل عليهم الحصن، ودخل إلى خيبر، وقتل سلام بن أبي الحقيق، وهو زوج صفية بنت حيي. قُتل سلام، أو سلام قُتل قبل أن يدخل خيبر. ثم لما دخل خيبر أُسرت صفية بنت حيي بن أخطب، وحيي بن أخطب هو سيد بني النضير، كانوا في المدينة ثم رحلوا لما أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم، ذهبوا إلى خيبر. وصفية كانت زوجة سلام بن أبي الحقيق، رجل من سادات اليهود وكبرائهم. ثم إنها رأت رضي الله تعالى عنها، وهي كانت عند سلام، رأت رؤية أن القمر يخرج أو يسقط من السماء ويقع في حجرها. رأت رؤية أن القمر يسقط من السماء ويقع في حجرها، فحكتها لزوجها، فغضب من هذا، معناه كأنه عرف أن هذا شيء يكون، شيء طاهر؛ لأن القمر غالباً ما يرى في المنام إلا لشيء جميل أو طاهر أو كذا. وفعلاً، وفعلاً تزوجت رسول الله صلى الله عليه... أو تزوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانت من العُسرى في خيبر. فلما كان في الطريق بنى عليها النبي عليه الصلاة والسلام، أي تزوجها وعقد عليها ودخل بها، وعقد عليها، وفعل وليمة. فقال أنس: فدعا المسلمين إلى وليمة. قال: فما كان فيها خبز ولا لحم، لم يذبح النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وإنما أمر بالأنطاع فأُلقي فيها من التمر والأقط والسمن، فكانت وليمة. وهذا يدل على أن الوليمة جائزة بغير اللحم، هذا يدل على أنها جائزة بغير اللحم. وقول النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة»، من باب أن اللحم أفضل، وأن الناس يحبون اللحم في وليمتهم. وقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معهم لحم وهم قافلون من خيبر، لكن قد كانت معهم غنائم، وغالباً قد يكون معهم أيضاً الغنم أو إبل أو غيرها، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يذبح شيئاً. وقد يكون أيضاً لأجل أنهم في الطريق، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل وليمة أخرى، فأولم بهذا: بالتمر والأقط والسمن. والأقط هو اللبن المجفف، معناه: وضع في الأنطاع، والأنطاع هي التي تُفعل من جريد النخل، مثل هذه المسارف التي نسميها مسارف أو مكاتل التي يوضع فيها الطعام. فوضع الطعام من التمر والأقط والسمن وغيرها، وأكل الناس. قال أنس: فكانت وليمة، فكانت وليمة. فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو ما ملكت يمينه، عن إما أنها إحدى أمهات المؤمنين، أو أنها أم ولد، فجعلها مملوكة له وعمه. ثم قال: إن حجبها، فأي من أمهات المؤمنين؛ لأن الأمر الذي كان عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: الإماء لا يحجبونها، لا تحجب الإماء، لا لا لا يغطى وجهها حتى تعرف أنها أمة وليست حرة. فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم تحجب فهي مما ملكت يمينه. قال: فلما ارتحل، وطأ لها خلفه، وطأ بمعنى: هيأ لها خلفاً في الناقة، وطأ لها: جعل لها الوطء خلفه. قال: ومد الحجاب بينها وبين الناس، إما أنه جعل الهودج الذي توضع فيه النساء، أو أنه حجبها وغطى وجهها من الناس، فعلموا أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وأعتقها. ووجه الشاهد هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها، ولم يذكر أنه أعطاها مهراً، فدل على أن العتق يعتبر مهراً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لجويرية: «ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ أعتقك وأتزوجك». فالعتق يعتبر مثل المهر. فكان النبي عليه الصلاة والسلام تزوج صفية بأن أعتقها وتزوجها، وكذلك جويرية. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.