الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُنبه الشيخ على خطورة التعلق بالدنيا ويبين حقيقتها الفانية. يجب على الإنسان أن يستعد للموت في أي لحظة.
يجب على الإنسان أن يجعل الدنيا مزرعة للآخرة بتوجيه كل أفعاله وأقواله للتقرب إلى الله. يستغل نعم الله عليه في طاعته.
اليقين بالله والإيمان يمنحان راحة ونعيما حقيقيا، كما هو واضح في يقين الإمام أحمد بن حنبل وسيدنا موسى عليه السلام.
يتضمن المقطع دعاءً باليقين التام والتوفيق لإصلاح الأعمال وإخلاصها لله، مع التأكيد على الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في قصيدته الميمية، في ذكره لحقارة الدنيا وحقيقتها: ومطعم ومطعم في ضيف لذ منه مساغه، وبعد قليل حاله تلك تعلمه. كذا هذه الدنيا كأحلام نائم، ومن بعدها دار البقاء ستقدمه. قال العلامة العثيمين رحمه الله: فهذه الدنيا، فهل يليق بالعاقل، فضلا عن المؤمن، أن يجعلها في قلبه أغلى من دار البقاء، أو أن ينظر إليها نظرة راغب فيها زاهد في الآخرة؟ الجواب: لا والله، لأن هذه الحقيقة الواقعة لهذه الدنيا، فكيف نغالي فيها، وكيف نؤمل البقاء فيها؟ والإمام القيم، كما سمعنا، قال -يعني في وصف حال الدنيا- أنها كمطعم ضيف لذ منه مساغه، وبعد قليل حاله تلك تعلمه. الطعام الذي يقدمه الإنسان للضيف، لا شك أنه يختار له أحسن الطعام وألذه، وهو يزينه ويقزحه ويملحه، ثم مآله -كما قال رحمه الله- تلك تعلم. أين مآل هذا الطعام؟ يخرج نجاسة نتنة رائحة كريهة، لا يحب الإنسان ينظر إليه. وهكذا حال الدنيا، قد قال النبي عليه الصلاة والسلام في بيان حقارة الدنيا: «إن مطعم ابن آدم جعل له مثلا، وإن قزحه وملحه، فلينظر إلى ما يصير». رواه أهل السنن من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه. مطعم ابن آدم جعل للإنسان مثلا، مهما زينه ومهما طيبه، فنهايته ماذا؟ أمرا تكراه النفوس وتأباه. وهكذا حال هذه الحياة، مهما اختار بها الإنسان ومهما لذ له فيها البقاء والتمتع بمتاعها ونعيمها، فإن نهايتها الزوال والفناء. قال رحمه الله: وكيف نجعل ما نحصل منها أكثر في نفوسنا وأكبر مما نحصله للآخرة؟ وما ذلك إلا من جهلنا وظلمنا. وقوله: كذا الدنيا كأحلام نائم، يعني هذا وصفها، وهذه حقيقتها، يعني أن الدنيا أحلام. الدنيا كأحلام نائم، يرى فيها ما يحبه ويرغب فيه ويتمتع به ويرجو نيله والوصول إليه، فإذا استيقظ انتهى كل ما رآه. قال: وقوله: ومن بعدها دار البقاء ستقدمه، يعني أن الإنسان لا يدري متى يرتحل منها. وهذا هو الغريب، أن تكون الدنيا في نفوسنا إلى هذا الحد من المحبة الشديدة، ونحن لا ندري أي ساعة نجيب فيها داعي الله عز وجل، يعني متى ينزل بالإنسان الموت. فالإنسان لا يدري متى يموت، ربما يعني يمسي فلا يصبح إلا في قبره. ما يدري متى يأتيه الأجل ومتى ينقضي؟ فكيف يتعلق بهذه الدنيا؟ وهذا هو حاله ونهاية أمره. قال: والإنسان، كل إنسان، والله لا يستطيع أن يحكم بأنه سيدرك غدا. ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. والحديث في البخاري. يعني كن في سائر أوقاتك مستعدا للموت والرحيل من هذه الدنيا. إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، لا تقول -يعني بنفسك وتوقن- أنك ستمسي، بل ربما يحول بينك وبين المساء الموت. وهكذا إذا أمسيت، فربما لا تصبح. فلابد أن تحسن أعمالك وأن تصلح أحوالك وأن تكون مستعدا للقاء الله جل وعلا. قال: إذن فمهما طابت الدنيا، فإنها والله ليس فيها خير إلا ما كان منها مزرعة للآخرة. فنعمة دار هي حينئذ -يعني إذا جعلها العبد مزرعة للآخرة- يتزود فيها من الأعمال الصالحة والطاعات ما يكون له زادا للآخرة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قال: كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». والحديث رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عمر بن العاص، وهو حديث صحيح. يعني إذا أنعم الله عز وجل على العبد بالمال الصالح الذي هو من وجوه الحلال، ووضع في يد الرجل الصالح الذي يستعين به على طاعة الله جل وعلا، وسد حاجته والتقرب إلى الله جل وعلا، فنعمة هذا المال. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم من طال عمره وحسن عمله». والحديث رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه. إذا طال عمر الإنسان وحسن عمله، فهذا من الخيرية التي يختارها الله عز وجل للعبد ويمدح بها. وليس -يعني- طول العمر ممدوحا على الإطلاق. ولهذا -يعني- من الخطأ أن يقول الشخص لغيره: أطال الله عمرك. لا يقيد طول الله عمرك بطاعته. أطال الله حياتك في طاعة الله، هذا هو الممدوح. أن يطول عمر الإنسان في طاعة الله جل وعلا، وإلا إذا طال عمره وفي معصية وفي معاصي وذنوب وغفلة عن طاعة الله، هذا هو بلاء عليه، وزيادة في تحمل الذنوب والخطايا والآثام. قال: ومعنى أن تكون الدنيا مزرعة للآخرة، أن لا يقول الإنسان فيها قولا، وأن لا يفعل فيها فعلا، وأن لا يدع فيها شيئا إلا وهو يريد التقرب به إلى الله عز وجل، حتى مكالمة إخوانه والجلوس معهم، لا بد أن يبتغي بذلك وجه الله عز وجل، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. فكل حياتك لله جل وعلا، وكل أفعالك وأعمالك تجعل حياتك كلها لله، وفيما يرضي الله سبحانه وتعالى. قال: فحينئذ تكون الدنيا مزرعة للآخرة، بل تكون جنة مقطوعة ومقدمة من الآخرة، يعني تعيش بالدنيا كأنك تعيش في الجنة. تعيش في جنة الدنيا التي هي جزء من جنة الآخرة، وذلك من لذة الطاعة والعبادة، وطمانينة الصدر وراحة القلب. قال: كما قال ذلك شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله، فإنه لما أدخلوه في الحبس، قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي في صدري، إن حبسي خلوة، وإن نفي سياحة، وإن قتلي شهادة. كما ذكر ذلك عنه الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «الوابل الصيب». نعم، فهو رحمه الله على يقين بما هو فيه، وإن شرح صدر وطمانينة قلب، أنه مهما فعل به الأعداء فهو على خير. إن حبس فحبسه خلوة، خلوة بالله وإقبال على طاعة الله وذكر الله. وإن نفي أخرج من بلده فهو سياحة وتغيير -يعني البلاد إلى بلاد أخرى- وإن قتله فهو يرى أن قتله شهادة لأنه في سبيل الله وفي إقامة دين الله ونصرة دين الله جل وعلا. وقوله: إن جنتي في صدره، يعني رحمه الله بالجنة التي في صدره العلم والإيمان والنور والطمانينة. فهذه الجنة، فليس المراد بها بستانا أو نخيلا يهتز أو فواكه أو غير ذلك، لأن هذه جنة الجسد. وأما جنة القلب فلا يعدلها شيء. ومثل هذا ما ثبت عن بعض السلف أنه قال: إنها لتمر علينا ساعات نقول: لو أن أهل الجنة في مثل هذا النعيم، إنهم لفي نعيم عظيم. تمر بنا ساعات -يعني من طمانينة القلب وانشراح الصدر والراحة التي يشعرون بها- ليس من متاع الدنيا وأموالها، أو مكان فقراء ما عندهم شيء، لكن راحة الإيمان والهداية والاستقامة والطاعة والعبادة. يقول: لو كانت هكذا جنة الآخرة، إن أهل الجنة لفي نعيم عظيم. ويقول الآخر: إنا في -يعني- راحة ونعيم من شرح الصدر ونعمة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف. قال: فتأمل أخي هذا اليقين العجيب في كلام هذا الرجل الذي هو من يقين الرسل. فهذا موسى عليه السلام لما خرج بقومه واتبعه فرعون بجنوده حتى صار هو وقومه بين البحر وبين فرعون وجنوده، ماذا قال قومه؟ الجواب: قالوا: إنا لمدركون. يعني أن البحر أصبح أمامنا، فإن خضناه غرقنا، وفرعون بجنوده خلفنا، فإن أدركنا أهلكنا. وماذا قال موسى؟ الجواب: قال باطمئنان: كلا إن معي ربي سيهدين. قال: فتأمل هذا اليقين في هذه الشدة. فأوحى الله إلى موسى أن يضرب البحر، فضربه فانفلق في الحال، فأضرب لهم طريقا في البحر يبسا. لما ضرب موسى البحر انشق كل فرق كالطود العظيم كالجبل الشامخ، ومر موسى ومن معه. قال: فخرجوا كلهم عن آخرهم، ودخل فرعون بجنوده عن آخرهم، فأوحى رب العزة والجلال إلى هذا البحر أن انطبق، فانطبق على فرعون وجنوده فغرقوا جميعا، ونجى موسى عليه السلام وقومه. فالله أكبر. اللهم ارزقنا الإيمان واليقين، فإنه لا يصل إلى هذه الدرجة إلا من من الله عليه باليقين التام، وجعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة لينتفع منها. نسأل الله عز وجل، نسأل الله عز وجل أن يرزقنا هذا اليقين التام، وأن يوفقنا جل وعلا لإصلاح أعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه، وكذلك أن يجعل حياتنا في هذه الدنيا في طاعته ومزرعة للآخرة. إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على أبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.