التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 21

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

النظر إلى الدنيا كمرحلة مؤقتة

ينصح ابن القيم رحمه الله بالنظر إلى الدنيا على أنها ممر لا مقر، والعمل للآخرة. الاغترار بالدنيا يؤدي إلى الغفلة عن الآخرة.

فناء الدنيا وأهمية العمل للآخرة

الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، والدنيا فانية، ويجب العمل للآخرة بالأعمال الصالحة. يُذكر أمثلة على تقلب الأحوال في الدنيا.

حياة المؤمن وطمأنينة قلبه بالإيمان

المؤمن يعيش حياة طيبة بقلب مطمئن، ويجد لذة في طاعة الله، ويكون في خير دائماً. الإيمان بالقضاء والقدر يوطد هذه الطمأنينة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله، في قصيدته الميمية، وهو يتكلم عن حقارة الدنيا وبيان حقيقتها، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم في هذه الحياة، من عدم الاغترار بها والركون إليها، قال رحمه الله: «فجزها ممرا لا مقرا، وكن بها غريبا تعيش فيها حميدا وتسلم». قال العلامة العثيمين رحمه الله: وهذه نصيحة من ابن القيم رحمه الله، أن يجعل الإنسان هذه الدنيا على أنها ممر لا مقر، وأن يكون فيها كالغريب الذي لا يريد الاستيطان فيها، حتى يعيش حميدا ويسلم. والغريب إذا نزل في منزل أو استراح في مكان، يعلم ويوقن أنه ما سيستمر في هذا الموضع، ولا يتخذ هذا المكان وطنا ومستقرا، بل يأخذ فيه قسطا من الراحة، وهو يعلم أنه سيرحل منه ولا بد. وهكذا ينبغي أن يكون حال الإنسان في حياته، أو في هذه الحياة الدنيا، أن يكون كحال الغريب الذي يعلم أنه سيرحل وسيذهب وسينتقل من هذه الدار أو من هذا الموضع، فلا يتخذه قرارا. قال: ولكن البلاء كل البلاء، أن يتخذها الإنسان مقرا وموطنا، لأنه إذا اتخذها مقرا وموطنا، غفل عن الآخرة بلا شك، لأنه يرى أن هذا هو موطنه، يعني يرى أن الدنيا هي موطنه الذي يسكنه، وهي الدار التي يعمرها، ويغفل عن الدار الحقيقية التي هي الآخرة. قال: مع أنه يوم القيامة سيقول: ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾، يعني الإنسان يقول يوم القيامة، يوم أن يؤتى بجهنم فيراها عيانا بعينيه، كما أخبر الله سبحانه وتعالى، فحينئذ يتمنى أنه عمل للآخرة، وأن الحياة الحقيقية هي الحياة الأخروية، وأن حياة الدنيا أنها متاع الغرور، كما أخبر الله جل وعلا بقوله: ﴿وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأن له الذكر يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾، هنا يعلم أن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، وأن ما كان فيه من حياة الدنيا إنما هو متاع الغرور وأحلام كان يعيش فيها انتهت وزالت وفنت. قال: ويقول الله عز وجل: ﴿إن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾، أي هي الحياة العظيمة الحقيقية، ولهذا قال: ﴿لهي الحيوان﴾، أي الحياة الكاملة. وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون حقيقة ذلك، أن الحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، الحياة المستقرة الدائمة التي لا تفنى ولا تزول ولا تنتهي، فهي الحياة التي ينبغي أن يعمل لها الإنسان في هذه الدنيا، وأن يبنيها بالأعمال الصالحة وبطاعة الله وبالقربات والطاعات، والبعد عن المعاصي والمحرمات، ولا يركن إلى هذه الحياة الفانية الزائلة. قال رحمه الله: «أو ابن سبيل، قال في ظل دوحة وراح، وخلى ظلها يتقسم، أخى سفر لا يستقر قراره، إلى أن يرى أوطانه ويسلم، فيا عجبا كم مصرع وعظت به بنيها، ولكن عن مصارعها عموا». قال رحمه الله: هذا صحيح، فإن من العجب أن نرى مصارع الدنيا التي وعظت بها بنيها، ثم بعد ذلك نتعامى عن ذلك. فكم نرى من أناس كانوا أغنياء فأصبحوا فقراء، فبينما كان الناس يتكففون إليهم أيديهم، صار هم الذين يتكففون الناس. ومثل هؤلاء الموت خير لهم من الحياة، لأنهم ذاقوا الذل بعد العز. وكم من إنسان كان قوي العضلات، وفي عنفوان شبابه، وفي نظارة وجهه، ثم أصيب بحادث أهزله بعد السمن، وغبر وجهه بعد النظارة، حتى صار من يراه يرق له ويحزن عليه. وكم من إنسان بنى وأمل، وذهب خياله إلى زمن بعيد، ولكنه لم يسكن ما بنى، ربما يعمل سنوات وهو يكد ويعمل ليل نهار حتى يبني بيته ومسكنه، ثم في نهاية الأمر يموت وينتقل من هذه الدنيا ولا يسكن هذا البيت الذي سعى في بنائه. قال: وكم من إنسان غرس وحرث، وكان يؤمل أن يستمتع بثمرات ما غرس وما زرع، ولكن حيل بينه وبين هذا. وكم من أناس نحن علمناهم في عصرنا، وسمعنا عنهم في من سبقنا، كانوا كثرة مجتمعين في بيت واحد أو في بيوت متقاربة، الأخ مع أخيه، والأب مع أبنائه ومع بناته ومع أهله، وهم على أكثر ما يكون من الأنس والفرح والسرور، فإذا بهم يتفرقون بموت أو مصائب أو فقر أو عدو أو غير ذلك. ولذلك كان الواجب علينا أن نتعظ بما تعظ به الدنيا، وليس الاتعاظ معناه أن نبكي إذا ذكرنا هذه الأحوال، ولكن الاتعاظ هو أن نتخذ منها العبرة، وأن نفهم أنها ليست الدار مقر ولا دار نعيم مقيم، بل الآخرة هي دار المقر ودار النعيم المقيم، وأن نقذ منها سلماً للآخرة، وكأنما نقدم الثمن لسلعة منتظرة، لسلعة منتظرة، وحينئذ نربح الدنيا والآخرة. قال: ولا أحد ألذ وأنعم عيشاً، وأطيب قلباً، وأهدأ بالاً، من المؤمن العامل للصالحات. قال تعالى: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، هذه الحياة الطيبة هي حياة القلب، طمانينة القلب، وانشراح الصدر، ولذة الطاعة والعبادة التي يجدها المؤمن في قلبه، لا يساويها شيء من متاع الدنيا، لو فاته ما فاته من هذه الحياة من أموال ودور وقصور وغير ذلك، وهو بقلبه الإيمان والعمل الصالح، فإنه يشعر بلذة عظيمة، وحياة طيبة، وطمانينة في القلب، وانشراح في الصدر، لا يساويها شيء. قال: والواجب علينا أن نلاحظ الأمر بدقة، وأن نحاسب أنفسنا على أعمالنا، وأن يكون في قلوبنا إيمان به تتساوى عندنا أقدار الله عز وجل، ويستوي عندنا الشر والخير، فنطمئن لأن الخير والشر من الله، وإن كان الشر لا ينسب إلى الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «والشر ليس إليك»، كما عند مسلم، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، «الشر ليس إليك»، أي ليس من فعلك، وإنما الشر من فعل المخلوق، وإن كان هو من قضاء الله جل وعلا وقدره، فلا ينسب إليه فعلا ومباشرة، وإنما ينسب إليه خلقا وإيجادا، وقضاء وقدرا. قال: ولكنه من قضائه، أي من مقتضياته، فتجد الإنسان مطمئنا، إن أصابته سراء شكر، ولم يحمله ذلك على الأشر والبطر، يعني لا يحمله على الكبر والعتو والعجب، وإنما ذنوب المعاصي كحال كثير من الناس: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أرآه استغنى﴾، إذا أغناه الله جل وعلا تكبر وتجبر. لكن المؤمن إذا أنعم الله سبحانه وتعالى عليه شكر الله عز وجل لهذه النعمة، واستعان به على طاعة الله. قال: وإن أصابته ضراء صبر، ولم يحمله ذلك على الجزع والتسخط، وكراهة قدر الله عز وجل، بل يعلم أن الله عز وجل له حكمة فيما قضى وقدر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»، رواه مسلم من حديث أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه. قال: فحال المؤمن دائما في خير، دائما يتقلب في خير، عند السراء وعند الضراء، عند السراء شاكر، وعند الضراء صابر، فهو في كل أحواله على خير. قال: فيطمئن القلب، ويبقى دائما مسرورا، يعني لا يخيب ظنه شيء، لأنه إن أنعم الله عليه وسره شيء شكر الله على هذه النعمة، وإن ابتلي بالمصائب فإنه يصبر ويرجو الثواب والأجر من الله، فلا يضره ذلك شيء. قال: ووالله لا أحد أنعم من الإنسان المؤمن بالقضاء والقدر، ولكن بشرط أن يكون ذلك على الوجه الصحيح المطلوب. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.