كتاب الصلاة 31

الدرس في كتاب الصلاة 31، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام المسجد وحدوده

يتناول هذا الفصل الأحكام المتعلقة بالمسجد في الإسلام، مثل حكم البيع والشراء وإقامة الحدود فيه، ويشير إلى أن المسجد له قدسية ويجب الحفاظ عليها. كما يبين عدم جواز إقامة الحدود في المسجد لما يترتب عليها من مفسدة.

أحداث تاريخية في المسجد النبوي

يروي هذا الفصل بعض الأحداث التاريخية التي وقعت في المسجد النبوي، مثل إقامة خيمة لسعد بن معاذ أثناء مرضه ولعب الحبشة بالحراب والدروق في المسجد، ويبين جواز بعض الأفعال داخل المسجد إذا لم تترتب عليها مفسدة.

جواز اللعب في المسجد ومناسباته

يشرح هذا الفصل جواز اللعب في المسجد في مناسبات معينة مثل الأعياد أو الانتصارات، مع التأكيد على عدم اتخاذه عادة يومية وتجنب الأذية للآخرين. كما يتطرق إلى حسن معاشرة النبي لأزواجه ورفقه بهن.

حسن معاشرة النبي لأزواجه وتطبيقاته

يظهر هذا الفصل جانباً من حسن معاشرة النبي لأزواجه، حيث يروي أنه حمل إحدى زوجاته لتنظر إلى بعض الناس، مما يدل على رحمته ورفقه بزوجاته ويلقى الضوء على بعض التطبيقات العملية لهذا الجانب من سيرته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، في حديث أبي هريرة: من رآكم يبيع ويبتاع في المسجد، سأل أحد الأخوة بعد الدرس في بيع الرصيد من الجوال: هل يجوز في المسجد؟ فالجواب أنه لا يجوز؛ لأنه يعتبر بيعًا وشراءً، يعني إذا كان هناك من يبيع رصيدًا بجواله، تأتي تقول: لا حول لي رصيد، هذا شراء، مثلا تشتري هذا الرصيد، وهو يبيع لك، لا يجوز مثل هذا في المسجد، يعتبر من البيع والشراء، يعتبر من البيع والشراء، فيكون هذا خارج المسجد. وهكذا أيضًا البيع والشراء، مثلا من بعض القروبات أو المحلات التي تعرض بعض السلع عبر النت، نحو ذلك، فيأتي الإنسان ينظر ويبيع أو يشتري منها وهو داخل المسجد، هذا أيضًا لا يجوز. إذا أردت أن تبيع منهم وتشتري منهم، فإنك تخرج خارج المسجد؛ لأن هذا يعتبر من البيع والشراء في المسجد. قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام» في كتاب الصلاة، في باب المساجد، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها». رواه أحمد وأبو داود بسند ضعيف. عن حكيم بن حزام، وهو ابن خويلد بن أسد، وهو ابن أخت خديجة، فأمه هي هالة بنت خويلد، أمه هالة بنت خويلد، وهو كان من سادات قريش، هو من علماء علمائها في الأنساب والأخبار، وكان صديق النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يواده ويحبه بعد البعثة، وتأخر إسلامه، فأسلم في عام الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث قال: رواه أحمد وأبو داود بسند ضعيف؛ لأن في سنده زفر بن وثيمة، وهو مجهول، وأيضًا فيه محمد بن عبد الله بن مهاجر، ومختلف في توثيقه، وبعضهم أيضًا علله بالانقطاع. إلى أن الحديث يعني جاء من طرق أخرى، فصح مرسلًا عن مكحول، كما عند نبي شيبة، وجاء من حديث عمر بن شعيب، عن نبيه، عن جده: أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إقامة الحد في المسجد، نهى عن إقامة الحد في المسجد. والحديث فيه ابن لهيعة، عبد الله بن لهيعة، هو سيء الحفظ، لكنه في الشواهد، لهذا الشيخ الباني رحمه الله حسن الحديث بشواهده في «الإرواء». وهذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تقام الحدود في المساجد»، لا تقام الحدود في المساجد، والحدود هي العقوبات، العقوبات البدنية المقدرة في الشرع، العقوبات البدنية المقدرة في الشرع على المعاصي، كالزنا، كحد الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، ونحوها من المحرمات. «ولا يستقاد فيها» يعني لا يقام فيها القود، أي القصاص، لا يستقاد فيها، أي لا يقام فيها القود، وهو القصاص، وسمي القصاص بالقود؛ لأن الجاني يقاد إلى أولياء المقتول فيقتلونه. فهذا الحديث فيه النهي عن إقامة الحدود في المساجد، يعني لا يقام حد السرقة إذا سرق السارق وحكم عليه بقطع يده، لا يقام هذا الحد في المسجد؛ لأن هذا سبب لتلويث المسجد، وكذلك أيضًا قد يكون سببًا في حصول اللغط والأصوات ورفع الأصوات، ونحو ذلك مما ينافي المقصود من المساجد. وكذلك أيضًا حد الزنا، وحد شرب الخمر، فهذه الحدود تقام خارج المساجد، تقام خارج المساجد. والنبي عليه الصلاة والسلام لم يقم الحدود في المسجد، لم يقم هذه الحدود في المسجد، وإنما أمر بإقامتها خارج المسجد، لما جاء ماعز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشهد عنده بالزنا، قال نبي صلى الله عليه وسلم: «خذوه فارجموه»، خذوه فارجموه، يعني خارج المسجد. وأما التعزير، تعزير العاصي الذي وقع في ذنب ليس فيه حد، فحكم عليه بأن يعزر، يضرب مثلا عشرة أسواط، هل يجوز أن يقام في المسجد؟ إذا لم يكن في ذلك يعني مفسدة أو أذية على من في المسجد، فلا بأس أن يعزر في المسجد. وإذا كان في ذلك يعني مفسدة وإزعاج لمن في المسجد أو نحو ذلك، فيقام عليه حد التعزير في خارج المسجد. وهكذا أيضًا القصاص لا يقتص من القاتل داخل المسجد، وإنما يقتص منه خارج المسجد. قال رحمه الله: عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق، فضرب أو ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب، متفق عليه. السعد هو سعد بن معاذ الأوسي، سيد الأوس، رضي الله تعالى عنه، أصيب يوم الخندق، يعني في غزوة الأحزاب، لما تحزب الأحزاب من قبائل العرب المشركين على النبي عليه الصلاة والسلام، حاصروا المدينة، فأصيب سعد في أكحله، وهو عرق في الذراع يفصد، أصيب في أكحله، فلم يرقأ دمه حتى مات، لم يرقأ دمه حتى مات. ولهذا جاء في الحديث بعد قولها: فليعوده من قريب، قالت: فلم يرقأ، قال: فلم يرقأ، وإلا والدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، انظروا ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات فيها، كما هو عند البخاري. فهذا الحديث فيه جواز نصب الخيمة في المسجد من أجل أن يبقى فيها المريض، إذا لم يكن في ذلك تضييق على أهل المسجد، وكان هذا المريض يعني ممن له شأن ومنزلة، أو يكون يعني ليس له سكن، أو كذلك أيضًا يكون في ذلك مصلحة من مصالح، فلا بأس أن يفعل ذلك في المسجد. قال: ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد، نصب له خيمة حتى يجلس فيها، ويكون يعني قريبًا من يعوده، وتفقده، فهذا يدل على جواز مثل ذلك، هذا إذا أمن يعني من تلويث المسجد، إذا أمن من تلويث المسجد، وعدم يعني اتساخه، ونحو ذلك، فلا بأس بذلك. قال رحمه الله: عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، الحديث متفق عليه. تقول عائشة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، جاء في رواية في مسلم: بالحراب، وفي رواية في البخاري: بالدروق، والحراب، الدروق، يعني الترس، والحراب: العصى تكون حادة، الترس تستعمل في الرماية. قالت: يلعبون في المسجد بالحراب والدروق. والحبشة: قوم من سكان بلاد الحبشة، معروف اليوم في إثيوبيا، بلاد إثيوبيا، بلاد الحبشة. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، لعبوا بالحراب والدروق فرحًا بمقدم النبي عليه الصلاة والسلام، فطلبت عائشة أن ترى أو تنظر إليهم، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام حتى تنظر إليهم. فهذا الحديث فيه جواز اللعب في المسجد بالحراب والدروق، ونحوها من أسلحة القتال، إذا كان في ذلك يعني مصلحة، كتأليف قلوب من يرجى تأليفهم، أو كذلك إذا كان مثلا في أيام عيد وفرح، أو كان مثلا عند حصول انتصار للمسلمين على الأعداء والكفار، فيفرح المسلمون بذلك، فلا بأس أن يفعل مثل ذلك في المسجد، أن يفعل مثل ذلك في المسجد. فالنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على لعبهم بالحراب والدروق داخل المسجد. وهل هذا ينافي يعني ما أمر الله عز وجل به في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ إلى آخر الآية؟ فبعض العلماء قال: إن هذا يعني هذا الإقرار من النبي صلى الله عليه وسلم لهم منسوخ بهذه الآية، أنه منسوخ بهذه الآية، وأن هذا كان قبل نزول هذه الآية. والصحيح أنه لا نسخ، وأنه لا ينافي الآية؛ فاللعب بالحراب والدروق ونحوها من يعني أسلحة القتال، هو مما فيه إظهار يعني الشجاعة والإقدام والحث على الجهاد في سبيل الله جل وعلا، وهذا مما ترغب فيه الشريعة، مما ترغب فيه الشريعة. فمثل ذلك لا بأس به في المسجد، على أنه لا يتخذ عادة كل يوم يلعبون، لا، لا يكون فيه، أحيانًا في المناسبات يعني كما سمعنا في يوم عيد، عند حدوث انتصار للمسلمين على الكفار، أو نحو ذلك من المناسبات، ولا يتخذ ذلك ديدنًا، لا يتخذ ديدنًا. وأيضًا لا يكون فيه أذية على من في المسجد ممن يريد الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا فيه جواز نظر المرأة إلى عموم الرجال، نظر المرأة إلى عموم الرجال، كما تنظر يعني إلى الرجال في ذهابهم إلى المسجد، في الأسواق، من غير أن تحدد النظر إلى رجل معين. أما النظر إلى رجل يعني معين بشهوة، فإن ذلك محرم، لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي وتمعن فيه النظر، يعني هذا ذريعة إلى أن تنظر إليه بشهوة. وقد نقل بعضهم الإجماع على تحريم ذلك، الإمام النووي رحمه الله. أما نظر إلى عموم الرجال كما تنظر إليهم في الطريق، في ذهابها مثلا إلى السوق، في ذهابها إلى المسجد، أو نحو ذلك، فهذا ليس به بأس. وذلك هذا الحديث أن عائشة نظرت إليهم وهم يلعبون، نظرة لعموم الرجال وهم يلعبون، وقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. وهكذا أيضًا فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حسن العشرة مع أزواجه، وحسن أخلاقه عليه الصلاة والسلام. عائشة طلبت ذلك، وعائشة كانت صغيرة في السن، يعني النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت تسع سنين، بنت تسع سنين، وماتت وهي بنت ثمانية عشر سنة. فلما حبت أن تنظر إليهم، حملها النبي صلى الله عليه وسلم، تجاه بعض الروايات، قالت: وضعت يعني رأسي أو ذقني على عاتقه، ووضعت خدي على خده، وضعت خدي على خد النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلها تنظر إليهم، وأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم يعني رغبتها في ذلك، ولم يعنفها عليه الصلاة والسلام. وهذا كما سمعنا فيه كمال خلقه عليه الصلاة والسلام، حسن معاشرته مع أزواجه، رضي الله تعالى عنهن. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.