الدرس في كتاب الصلاة 33، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل الحديث النبوي الذي يذكر التباهي بالمساجد كعلامة من علامات الساعة الصغرى، ويبين أن هذا الفعل ينافي الغرض من بناء المساجد.
يتناول هذا الفصل الغاية من بناء المساجد وهي العبادة وطاعة الله، ويوضح أن المبالغة في زخرفة المساجد ليست مطلوبة، مستشهدًا بتاريخ مسجد النبي.
يحذر هذا الفصل من المبالغة في زخرفة المساجد وتشييدها وإهدار الأموال في غير حاجة، معتبرًا ذلك أمرًا مذمومًا قد يكون نتيجة غلو أو مباهاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب المساجد: وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد». أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة. والحديث صحيح، قد أخرجوه من طريق محمد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس. فهذا الحديث فيه ذكر علامة من علامات الساعة الصغرى، وهو التباهي في المساجد. لا تقوم الساعة، أي يوم القيامة، فالمراد بالساعة هنا هو يوم القيامة، وإن كانت الساعة تطلق على الوقت اليسير من الزمن، فهناك المراد بها هنا يوم القيامة، يسألونك عن الساعة قل إن علمها عند الله، أي يوم القيامة. لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس، يتباهى يعني يتفاخر، يتفاخر الناس بالمساجد، سواء كان هذا التفاخر بالقول أو بالفعل، بالقول بأن يقول: إن مسجدي أفضل وأحسن من مسجدك، وبالفعل ببنائها ورفعها وتشييدها بالآخر، ذلك مما فيه معاني الفخر والخيلاء والرياء وقصد الدنيا، فهذا هو المذموم، فإن هذا من علامات قرب القيامة. لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد، هذا فيه ذم للتباهي بالمساجد والتفاخر فيها، فهذا ينافي المقصود من بناء المساجد للعبادة والطاعة والتقرب إلى الله جل وعلا بفعل الطاعات، وليس المقصود منها التفاخر بها وتزاهي بها وتزين بها، فإن هذا من الجهل، هذا من الجهل، وقيامة لا تقوم إلا إذا كثر الجهل وقل العلم. فمن مظاهر هذا الجهل التباهي بالمساجد، وهذا حاصل بواقع الحال، كما أخبر عليه الصلاة والسلام، قد حصل ذلك من تباهي الناس بالمساجد، وكم قد بنى الملوك والخلفاء من مساجد يتباهون بها، ولازالت موجودة في هذه العصور، هذه الأزمان، في كثير من البلاد، في بلاد الشام ومصر وبلاد المغرب والأندلس وغيرها، بل حتى في بلاد الإسلام في هذه العصور، توجد مساجد بنيت وزخرفت، فكان المقصود من ذلك هو التباهي بها، وهذا يعني أمر مذموم. لأن المقصود من عمارة المساجد كما هو المقصود عمارتها بطاعة الله جل وعلا وعبادته وطاعته، ولهذا قال أنس رضي الله عنه: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا»، وإن كان هذا الأثر فيه شيء من الضعف، لكن معناه صحيح. يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا، تجد يعني قليل من يصلي فيها، ومن يعمرها بطاعة الله وذكر الله وتعليم العلم أو حضور مجالس العلم، فتجد القليل من يقوم بذلك. قال رحمه الله: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد». أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان. وهذا الحديث حديث صحيح، وقد صححه شيخ الباني رحمه الله. وفيه كذلك أن ابن عباس بعد أن ذكر هذا الحديث قال: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى». لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى، وقد ذكر أثر ابن عباس هذا الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه معلقا بصيغة الجزم في كتاب الصلاة. فهذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما أمر بتشييد المساجد، تشييدها يعني رفعها أو كذلك وضع الشييد فيها يعني الجص. فتشييد المساجد بالمبالغة في ذلك في بنائها وفي رفعها وفي تحميرها أو تصفيرها وتلوينها وتشييدها أو زخرفتها، كل هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام. ما أمرت بتشييد المساجد يعني لم أمر بذلك، وليس هذا من دين الله جل وعلا، بل هذا من فعل اليهود والنصارى كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى»، يعني كما فعلوا في مساجدهم ومعابدهم وكنائسهم. فهذا فيه كذلك ذم لتشييد المساجد والمبالغة في ذلك، وهو بين الكراهة والتحريم قد يصل حد التحريم لما في ذلك من مشابهة اليهود والنصارى، ومشابهة الكفار أمر محرم. وذهب بعض العلماء لأن فعل ذلك بدعة، كإمام الشوكاني رحمه الله، نعم، لأن من فعل ذلك بقصد التعبد والتقرب إلى الله جل وعلا، فإن هذا بدعة، لأن هذا شيء ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام ولا حث عليه ولا رغب فيه، فيكون من البدع والمحدثات. والمقصود أو المطلوب في بناء المساجد هو ما يكن الناس من البرد والحر والمطر، ويعني يعينهم على عبادة الله جل وعلا وطاعته، وما كذلك يدفعهم إلى الجلوس في بيوت الله جل وعلا الصلاة والعبادة وقراءة القرآن وغير ذلك من الطاعات والقربات. أما المبالغة في البناء والتشييد والزخارف ونحو ذلك فهذا ليس بأمر حسن، ولهذا يعني كان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام في غاية من التواضع، فكان مبنيا من جريد النخل وعموده خشب يعني النخل. يقول الصحابي عمر رضي الله تعالى عنه كما ذكر الإمام البخاري في صحيحه قال: «كان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعموده خشب النخل»، هذا كان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، يعني عاد بنائه باللبن وسقفه بالجريد وعموده بالخشب. قال: «ثم غيره عثمان رضي الله عنه فزاد فيه زيادة كبيرة وبنا جدرانه بالأحجار المنقوشة والجص وجعل عموده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج». قال الإمام البيهقي رحمه الله: وهذا يدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينها، فقد كان عمر مع كثرة الفتوحات في أيامه وكثرة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم قال عند عمارته: «أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس»، هكذا يقول رضي الله تعالى عنه. وعثمان رضي الله عنه مع كثرة يعني المال في زمنه أراد يعني بناء المسجد بالحجر وليس فيه يعني تلك الزخارف، ومع ذلك أنكر عليه من أنكر من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأحب أن يبقيه كما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فاحتج رضي الله عنه بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من بنى لله بيتا بنى الله له بيتا في الجنة»، فأراد أن ينال هذا الأجر بالقيام بهذا العمل. فالمقصود أن تشييد المساجد وزخرفتها والمبالغة في ذلك هذا أمر مذموم، أو كذلك وضع الأموال الكثيرة في أشياء لا حاجة لها، كان المناير ربما توضع أموال ضخمة من أجل منارة مسجد، ربما تكفي لبناء مسجد كامل، فتوضع في هذا المسجد وتنفق فيها الأموال الكثيرة، لا شك أن هذا أمر يعني فيه غلو في هذا الباب، وكذلك مباهاة وغير ذلك من المعاني المذمومة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.