الدرس في القرآن تدبر وعظات 4، منزلة تدبر القرآن الكريم ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
التدبر فريضة واجبة دل عليها القرآن والسنة، والنصيحة لكتاب الله تقتضي حبه وفهم معانيه والعمل به. كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يقدّمون الفهم على الحفظ، وهدف الحفظ هو العمل بمقتضى القرآن.
أهل القرآن الحقيقيون هم من يفهمونه ويعملون به لا من يحفظون حروفه فقط، وقد كره العلماء القراءة بلا تدبر. حذر السلف من حال الخوارج الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ودعوا إلى محاسبة النفس على التقصير.
تلاوة القرآن دون تدبر تورث قسوة القلوب كما حذر أبو موسى الأشعري والحسن البصري. وصف الله المعرضين بضعف العقول، والإعراض عن الذكر يورث الطغيان ويكون حجة يوم القيامة.
اختتم المتحدث الحلقة بالدعاء للقاء قادم، مشيراً إلى كتاب "القرآن تدبر وعظات" للشيخ أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري. الكتاب مترجم بواسطة نانسي قنقر ويعد مرجعاً مباركاً للتدبر والاعتبار.
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، في هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى سنتكلم عن منزلة تدبر القرآن الكريم. فاعلم أخي المسلم أن تدبر القرآن الكريم فريضة من فرائض الدين، وذلك لأن الله عز وجل أوجب على عباده تدبر كتابه، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقَوْلَ﴾. فمنزلة التدبر منزلة عظيمة؛ لأنها أيضا من النصيحة لكتاب الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، رواه مسلم من حديث تميم بن أوس الداري. قال الحافظ بن رجب رحمه الله: «وأما النصيحة لكتاب الله فشدة حبه، وتعظيم قدره، إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، وشدة العناية لتدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه ويقوم به له بعد ما يفهمه». انتهى كلامه رحمه الله. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لا يتجاوزونها. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جُلَّ في أعيننا»، أي عظم وكبر في أعينهم. وأقام ابن عمر رضي الله عنهما على حفظ البقرة ثماني سنين، كما ذكره الإمام مالك رحمه الله، ذلك لأنهم يهتمون بفهم معانيه. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين». انتهى من مجموع الفتاوى. إذن يجب أن تكون همة حافظ القرآن فهم المعنى ومن ثم العمل. قال ابن القيم رحمه الله في الزاد: «ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامة السهم». انتهى كلامه. وقد كره أهل العلم قراءة القرآن العظيم بلا تدبر ولا تفهم. قال الإمام الزركشي رحمه الله: «تكره قراءة القرآن بلا تدبر»، وعليه حمل حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، والحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني رحمه الله. وقال ابن مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن في ليلة: «أهذا كهذ الشعر؟» متفق عليه. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الخوارج: «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولا حناجرهم»، ذمهم بإحكام ألفاظه وترك التفهم لمعانيه. فكم من الناس من هذا حاله والعياذ بالله، أنه لا يفهم المعنى ولا يتدبر كلام الله عز وجل. قال رحمه الله: «إن الله عز وجل ذمهم بإحكام ألفاظه وترك التفهم لمعانيه». انتهى كلام الزركشي رحمه الله. فلنحاسب أنفسنا يا عباد الله على ترك التدبر والتفهم لكتاب الله تعالى. وتأمل حال الصحابة مع التدبر، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال ابن مسعود: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين»، رواه الإمام مسلم. قال الحسن: «يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه». قال العلامة ابن عاشور: «والمقصود من الذين آمنوا إما بعض منهم ربما كانوا مقصرين عن جمهور المؤمنين يومئذ بمكة، فأراد الله إيقاظ قلوبهم بهذا الكلام المجمل على عادة القرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في التعريض، مثل قوله: "ما بال أقوام يفعلون كذا"، وقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. وليس ما قاله ابن مسعود مقتضيا أن مثله من أولئك الذين ذكرهم الله بهذه الآية، ولكنه يخشى منهم حذرا وحيطة. وإما أن يكون كلام ابن مسعود تحريضا للمؤمنين على مراقبة ذلك والحذر من التقصير». فانظر يا رعاك الله كيف حال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه مع كلام الله سبحانه وتعالى. وقد جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: «إنه بعث إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن»، فقال: «ثلاثمائة رجل كلهم قرأ القرآن، دخلوا على أبي موسى، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراءهم، فتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم»، رواه مسلم. فحذرهم رضي الله عنه من الإخلال والتقصير في حق القرآن، وذلك بترك الخشوع والتدبر. قال الحسن البصري رحمه الله: «أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملا». وقد عرض سبحانه وتعالى بالذين لم يتذكروا بالقرآن ولم يتدبروه بوصفهم بضعف عقولهم، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ الآية. قال العلامة بن عاشور في تفسيره: «وفيه تعريض بأن الذين لم يتذكروا بالقرآن ليسوا من أهل العقول، وأن التذكر من شأن المسلمين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فهم ممن تدبروا آياته فاستنبطوا من المعاني ما لم يعلموا، ومن قرأه فتذكر به ما كان علمه وتذكر به حقا كان عليه أن يرعاه، والكافرون أعرضوا عن التدبر فلا جرم فاتهم التذكر». انتهى كلامه رحمه الله. فانظر يا رعاك الله، أخي المسلم وأختي المسلمة، انظروا إلى حال التدبر، أن الله سبحانه وتعالى وصف أولئك الذين لم يتدبروا آياته بضعف عقولهم. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَمْلًا﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلِيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. قال العلامة السعدي رحمه الله: «وهذا أعظم العقوبات على العبد، أن يكون الذكر الذي أنزله الله على رسوله، الذي فيه حياة القلب والروح وسعادة الدنيا والآخرة وفلاح الدارين، الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده، توجب عليهم المبادرة إلى قبولها والاستسلام لله بها وشكرا لله عليها، أن تكون لمثل هذا زيادة غي إلى غيه وطغيان إلى طغيانه وكفر إلى كفره، والعياذ بالله، وذلك بسبب إعراضه عنها ورده لها ومعاندته إياها ومعارضته لها بالشبه الباطلة». انتهى كلامه. يعني بعض الناس أنهم ما يزيدهم هذا إلا طغيانا وكفرا؛ لأنه يعرض عنه ويقابله بالشبه والمعارضة، والعياذ بالله، لا يتدبره ولا يتفكر فيه ولا يتفهمه ولا يعمل به. فهذه منزلة التدبر، أي ما ذكر سابقا هي منزلة التدبر، فينبغي علينا عباد الله أن نتدبر كلام الله. وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله. كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر