الدرس في القرآن تدبر وعظات 6، ذم الإعراض عن القرآن الكريم ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتناول المحور آيات قرآنية وأقوال علماء تبين ذم الله تعالى لمن يعرض عن القرآن ولا يفقه معانيه، سواء كانوا من المنافقين أو الكفار الذين أمروا بعدم الاستماع له. ويوضح أن الله جعل على قلوبهم حجاباً وأكنة ووقراً جزاء لإعراضهم عن كتاب الله.
يؤكد المحور أن الحجاب والأكنة والوقر المانعة لفهم القرآن هي جزاء للمعرضين عنه، وينقل أقوال العلماء بأن ترك التدبر والعمل به يعد هجراناً يستحق الذم والعقوبة. ويشبه من يحفظ القرآن ولا يعمل به بالحمار يحمل أسفاراً ليبين خطورة العلم بلا عمل.
يستعرض المحور نماذج من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على قمة تدبره لكلام الله، حيث كان يبكي ويتأثر بآيات الرحمة والإنذار كما في بكائه على أمته عند تلاوة دعاء إبراهيم وعيسى. ويذكر بكائه عند قراءة سورة التكاثر وقيامه الطويل لآية التفكر في خلق السماوات والأرض شكراً لربه.
يتناول المحور تعريفاً بكتاب أنزله الله مباركاً لتدبر آياته وتذكر أولي الألباب، وهو من تأليف الشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر. ويركز الكتاب على تدبر القرآن وعظاته كمنهج للعلم والعمل.
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات الشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، في هذه الحلقة سنتكلم بمشيئة الله تعالى عن ذم الإعراض عن القرآن الكريم. أيها الأحبة في الله، لقد ذم الله تعالى من لم يفهم مراده بالكلية، أو فهمه فهما ضعيفا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. فأخبر تعالى عن حال أولئك الذين إذا قُرئ عليهم القرآن لا يفقهون هذا القرآن، وأخبر تعالى عن حال المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم؛ لأنهم يسمعون الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لا يفقهون ولا يفهمون. فإذا ذهبوا، أي خرجوا من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا لأهل العلم من الصحابة: ماذا قال آنفا؟ كما قال سبحانه وتعالى في سورة محمد: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾. قال الإمام القرطبي رحمه الله: «عاب المنافقين بالإعراض عن التدبر في القرآن والتفكر فيه وفي معانيه». انتهى كلامه. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه «فضائل القرآن» على هذه الآية الكريمة: «باب الخوف على من لم يفهم القرآن أن يكون من المنافقين». انظر يا عبد الله هذا التويب العظيم: الخوف على من لم يفهم القرآن أن يكون من المنافقين، عياذا بالله. فهم أي المنافقون حال سماعهم للقرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصغون إليه، أي لا يعون ويفهمون. وأما الكفار فقد قال الله عز وجل فيهم كما في سورة فصلت: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. فعتبهم الله، طبع الله تعالى على قلوبهم جزاء وفاقا، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾. قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «أغطية لألا يفقه القرآن، أي جعل الله على قلوبهم أغطية لألا يفقه القرآن، وذلك جزاء وفاقا». وقال ابن القيم رحمه الله: «والمعنى: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره والإيمان به، ويبينه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. وهذه الثلاثة، أي الحجاب والأكنة والوقر، كما ذكرت في الآيات، هي الثلاثة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ الآية. أخبر سبحانه أن ذلك بجعله، فأخبر سبحانه أن ذلك بجعله. فالحجاب يمنع رؤية الحق، والأكنة تمنع من فهمه، والوقر يمنع من سماعه». انتهى كلام ابن القيم من شفاء العليل. فانظر يا رعاك الله إلى هذه الآية الكريمة، كيف جعل الله عز وجل هذه الثلاثة الأشياء: الحجاب والأكنة والوقر، عليهم لأنهم لم يصغوا ولم يفهموا ولم يفقهوا كتاب الله عز وجل، وذلك جزاء وفاق. وقال سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال سفيان بن عيينة رحمه الله: «أنزعوا عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي». رواه ابن أبي حاتم في تفسيره. وقال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان: «وقد ذم جل وعلا المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾. ومعلوم أن كل من لم يشتغل بتدبر القرآن، أي تصفحه وتفهمه وإدراك معانيه والعمل بها، فإنه معرض عنها غير متدبر لها، فيستحق الإنكار والتوبيخ المذكور في الآيات، إن كان الله أعطاه فهما يقدر به على التدبر. وهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به أمر لا بد منه للمسلمين». انتهى كلامه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله». انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ولهذا، عباد الله، كان ترك التدبر نوعا من هجران القرآن، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. قال ابن كثير رحمه الله: «وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه». انتهى كلام ابن كثير رحمه الله. وقد ذم الله اليهود في حالهم مع التوراة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: «فدخل في عموم هذا من يحفظ القرآن من أهل ملتنا ثم لا يفهمه ولا يعمل بما فيه». انتهى كلامه من الحوادث والبدع. عباد الله، إن في الإعراض عن القرآن اتباعا للهوى وإعراضا عن الهدى، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الآية. وفي الإعراض عن القرآن عنوان للشقاء، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. أيها المستمعون الكرام، إن نبينا صلى الله عليه وسلم كان في الذروة العليا من التدبر لكلام الله تعالى، وإليك بعض النماذج الدالة على ذلك: الحديث الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، وقال عيسى عليه السلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فرفع يديه عليه الصلاة والسلام وقال: «اللهم أمتي، أمتي»، وبكى. فقال الله عز وجل: «يا جبريل، اذهب إلى محمد، وربك أعلم». فسأله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم. فقال الله عز وجل: «يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك». رواه مسلم. الحديث الثاني: في صحيح مسلم عن مطرف بن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه عن أبيه رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. قال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» رواه مسلم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كانت ليلة من الليالي، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي». قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي. قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجرة. قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته. قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض. فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، لما تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزلت علي الليلة آية: ﴿وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾». رواه ابن حبان، وصححه العلامة الألباني. فانظروا يا رعاكم الله كيف كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتدبر كلام الله تعالى. وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله. كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات