القرآن تدبر وعظات 12

الدرس في القرآن تدبر وعظات 12، نماذج من تدبر السلف والعلماء ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

نماذج من تدبر السلف لسورة الفاتحة وآية الكرسي

استعرض الشيخ في الحلقة الختامية نماذج من تدبر السلف الصالح، مبيناً كيف عالج ابن القيم آية "إياك نعبد وإياك نستعين" كدواء للرياء والكبر. كما نقل وصف ابن كثير لآية الكرسي بأنها عشر جمل مستقلة، وتأكيد ابن تيمية على تفردها بشمول المعاني.

فضل الآيات المختارة وشرح معانيها عند ابن تيمية وابن كثير

تناول المقطع فضل سور وآيات عظيمة كآية الكرسي وسورتي النصر والإخلاص، مبيناً مكانتها الرفيعة عند العلماء. ونقل أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير في تفسير معانيها الدقيقة ككون آية الكرسي أعظم آية وسورة النصر إعلاماً بقرب الأجل.

فضل سورة الإخلاص وسورة الناس وتفسير ابن عاشور للوسوسة

أوضح المقطع أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لاختصاصها بالتوحيد المحض ووصف الله بكمال الصفات. وبين ابن عاشور سبب تقديم الجن على الإنس في سورة الناس لكونهم أصل الوسواس، مختتماً بالإشارة إلى كتاب "إتحاف القاري" كمصدر موسع.

تعريف بكتاب تدبر القرآن وعظات للشيخ عبد الحافظ العامري

عرّف المقطع بكتاب قرآني يركز على تدبر آيات القرآن واستخراج العظات منها، وهو من تأليف الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر. يهدف الكتاب إلى تحقيق مقصد التنزيل المبارك في تدبر الآيات وتذكر أولي الألباب.

التفريغ النصي الكامل

كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات الشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها المستمعون والمستمعات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فها نحن نصل إلى ختام هذا البرنامج "القرآن تدبر وعظات"، حيث ذكرنا في أوله عظمة هذا القرآن، وذكرنا كذلك بركة هذا القرآن وشدة تأثيره على القلوب، وذكرنا كذلك في الحلقات السابقة وسائل تدبر القرآن العظيم. وفي هذه الحلقة الأخيرة من هذا البرنامج سنتكلم عن نماذج من تدبر السلف والعلماء لكتاب الله عز وجل، حيث نستعرض فيه بعض الصور والآيات الكريمات التي فيها الحكم، وفيها العظات، وفيها الخير الكثير من كلام أهل العلم. فالنموذج الأول: سورة الفاتحة التي هي أم القرآن، التي كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها». قال ابن القيم رحمه الله في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: قال: إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما تراميا به إلى التلف ولابد، وهما: الرياء والكبر، نعوذ بالله من ذلك. فدواء الرياء: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ودواء الكبر: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبر. لأن العبد إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فمعناه أنه لا يعبد أحدا إلا الله عز وجل، فيخرج الرياء من قلبه. وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علم أنه ضعيف يحتاج إلى من يعينه، فبهذا يدفع الكبرياء من نفسه. قال ابن القيم: فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم، وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، والضالين وهم أهل فساد العلم الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحق لسورة تشتمل على هذا الشفاء أن يستشفى بها من كل مرض. انتهى كلامه رحمه الله من "المدارج". هذه السورة العظيمة، سورة الفاتحة، علينا عباد الله أن نتدبرها إذا قرأناها. أما النموذج الثاني: آية الكرسي. قال ابن كثير في تفسيره: هذه الآية مجتملة على عشر جمل مستقلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، يعني هذه جملة، وهكذا ما بعدها جملة إلى نهاية الآية، فيها عشر جمل مستقلة. وقال شيخ الإسلام: ليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي. وقال أيضا: وكانت آية الكرسي أفضل آية في القرآن لأنها خبر عن الله تعالى، فما كان من الذكر من جنس هذه السورة وهذه الآية فهو أفضل الأنواع. ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبي، أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟» قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليهنك العلم أبا المنذر». فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن، وفي ذاك أنها أعلى شعب الإيمان، وهذا غاية الفضل. فإن الأمر كله مجتمع في القرآن والإيمان، فإذا كانت أعظم القرآن وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من "مجموع الفتاوى". هذا نموذج آخر وهي آية الكرسي، إذا قرأناها علينا أن نتدبرها. أما النموذج الثالث: فهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية. أشار العلامة ابن كثير إلى سر العلاقة بينها وبين قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. فقال فيه إشارة إلى أنه تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها. فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن ودلائله، ويولج إليها النور بعدما كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل. فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله من التفسير. أما النموذج الرابع: فهي سورة النصر. قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ الآيات من السورة. قال شيخ الإسلام: وقد كان عمر يسأل عن معاني الآيات الدقيقة، وقد سأل أصحابه عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فذكروا ظاهر لفظها. ولما فسرها ابن عباس رضي الله عنه بأنها إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بقرب وفاته، قال: «ما أعلم منها إلا ما تعلم». وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها؛ فإنه لما أمر بالاستغفار عند ظهور الدين، والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال، وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة، علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أخر، وفوق كل ذي علم عليم. انتهى كلام شيخ الإسلام من "مجموع الفتاوى". وقال أيضا: لأن المغفرة نهاية الخير، المغفرة نهاية الخير كما في السورة، فلما أكمل الله عز وجل دينه، فإن هذه السورة كان فيها إعلام بقرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم. أما النموذج الخامس: فهي سورة الإخلاص. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس في القرآن سورة هي في وصف الرحمن محضا إلا هذه السورة. ليس في القرآن سورة هي وصف الرحمن محضا إلا هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: وقد بينا أن أحسن الوجوه أن معاني القرآن ثلاثة أنواع: توحيد، وقصص، وأحكام. وهذه السورة صفة الرحمن فيها التوحيد وحده، إذن تعدل ثلث القرآن لأنها فيها التوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من "مجموع الفتاوى". وقال ابن القيم: فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال لله، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه أو مثيل له في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه. وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يبين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن. انتهى كلام ابن القيم من "زاد المعاد". إذن هذه سورة عظيمة، إذن قرأناها هي سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، نتدبرها تدبرا. أما النموذج السادس: فهي سورة الناس. قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. قال ابن عاشور: وقدم الجن على الناس لأن هنا لأنهم أصل الوسواس، لأنهم أصل الوسواس كما علمت، بخلاف تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، أي في هذه الآية الآية تقدم ذكر الإنس على الجن. وأما في سورة الناس فإنه قدم الجن على الناس، أي قدم الجن على ذكر الناس لأنهم أصل الوسواس. قال: لأن خبثاء الناس أشد مخالطة للأنبياء من الشياطين، لأن الله عصم أنبياه من تسلط الشياطين على نفوسهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. فإن الله أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه، فزكى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين، ولم يعصمهم من إلحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ولكنه ضمن لرسوله النجاة من كل ما يقطع إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد الله. انتهى كلام ابن عاشور من "التحرير". وبهذا أيها المستمعون والمستمعات، أيها الأحبة في الله، نأتي إلى ختام هذه الحلقة، ومرام ما ذكرناه من أوله إلى آخره في هذا البرنامج. فهناك كتاب قيم ذكر فيه هذا الذي ذكرناه وزيادة عليه، وهو "إتحاف القاري بوسائل التدبر لكلام الباري" للشيخ عبد الرحمن الدهامي، ففيه كل ما ذكرنا، وهذا ملخص منه، فجزى الله جامعه خيرا. وإلى هنا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وجزاكم الله خيرا على حسن استماعكم، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لمرضاته، وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. وإلى هنا، والحمد لله، والسلام عليكم ورحمة الله. كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات