الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 342، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى حديثا منسوبا إلى عبد الله بن حوالة، ويبين صحته وسياقه. يروي يزيد بن هارون الحديث عن كهمس بن الحسن حول رحلة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
يتحدث النبي عليه الصلاة والسلام مع ابن حوالة حول كتابة اسمه في صحيفة وعن فتن آخر الزمان، ويبين ضرورة الالتزام بالحق والصبر عليها. يشير إلى أن الفتن ستتراكم حتى تصبح الأولى بسيطة مقارنة بما يليها.
يتناول المقطع الفتن العظيمة قبل الساعة وتأثيرها على الدين والدنيا، ويشير إلى مقتل عثمان رضي الله عنه كفتنة عظيمة. يؤكد على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بهذه الفتن وأمر بمجافاتها.
يشير المقطع إلى الفتن بأنواعها السياسية والاجتماعية والدينية التي تنبأ بها النبي عليه الصلاة والسلام وتؤثر على الناس في دينهم ودنياهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: مسند زائدة أو مزيد بن حوالة رضي الله عنه، ومزيدة أو زائدة، الظاهر أنه حصل خطأ من بعض الرواة، وإنما هو عبد الله بن حوالة، قد ذكره الشيخ في مسند عبد الله بن حوالة. الظاهر أن الخطأ كان من يزيد بن هارون، فهو الذي سماه زائدة أو مزيدة. وإلا فقد رواه جماعة، عبد الله بن شقيق كما سيأتي، فسموه عبد الله بن حوالة. قال الإمام محمد رحمه الله تعالى: حدثنا يزيد، وهو ابن هارون أبو خالد الواسطي الحافظ الكبير، كانت في واسط حلقتان، حلقة يزيد وحلقة عاصم بن علي الواسطي، وكانت في جامعي واسط، وكان يحضرها كثير، وكان أيضاً -يعني محمد- يعتبر من طلابه الذين لازموه، وكان يحترم أحمد كثيراً، حتى أنه لا يمزح إذا كان أحمد موجوداً، فذات مرة مزح، فتحمحم أحمد، فقال: من هذا أبو عبد الله؟ فكأنه استحى، وهذا يدل على احترام العلماء بعضهم بعضاً. قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا كهمس بن الحسن، وهو القيسي التميمي الحنفي، وهو ثقة، تكلم فيه، لكن الكلام الذي فيه لا يخرجه عن الثقة، قال: حدثنا عبد الله بن الشقيق، وهو أيضاً التميمي، قال: حدثني رجل من عنزة، يقال له زائدة أو مزيد بن حوالة. وكما قلنا أن أبا أسامة وعبد الله بن نمير وغيرهما رووه عن كهمس، فقالوا: عبد الله بن حوالة. وكذلك أيضاً رواه غير عبد الله بن شقيق، قال: أنه عاصم الأحول، فذكر عبد الله بن حوالة. وكذلك أيضاً في حديث جبير بن نفير، عن مرة بن كعب البهزي، أنه لما قاموا كانوا في معسكر معاوية بعد موت عثمان رضي الله عنه، فقام الناس يتكلمون، فقام مرة بن كعب البهزي، وذكر مثل هذا الحديث الذي سيذكره ابن حوالة، ثم قام ابن حوالة من عند المنبر، فقال: وأنت كنت حاضراً هذا المجلس، وكنت أنا حاضراً، ولولا أني أحسب أن في المجلس من سمع معي لتكلمت. فدل على أن هذا الصحابي هو عبد الله بن حوالة، لأنه لم يأت زائد أو مزيد إلا في هذه الرواية، رواية يزيد بن هارون. قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر من أسفاره، فنزل الناس منزلاً، نزلوا عن المسافر إذا نزل منزلاً، فإن كان في النهار يقال: نزل، وإن كان في الليل يقال: عرس. فقال: فنزل الناس منزلاً، أنا في النهار، ونزل النبي عليه الصلاة والسلام في ظل دوحة، والدوحة هي الشجرة الكبيرة، يقال أنها شجرة الصنوبر، ويقال غيرها، لكن هي شجرة كبيرة. قال: فرآني -أي النبي عليه الصلاة والسلام- رأى ابن حوالة، قال: فرآني وأنا مقبل من حاجة لي، وليس غيره، وغير كاتبه، أنا عند النبي عليه الصلاة والسلام كاتباً يكتب. فقال عليه الصلاة والسلام: أن أكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: على ما يا رسول الله؟ أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لابن حوالة: أن أكتبك في هذه الورقة، في هذه الصحيفة؟ فقال: أو ابن حوالة على ما يا رسول الله؟ قال: فلحا عني، وأقبل على الكاتب. قال: ثم دنوت، دون ذلك، أنا أكثر من هذا، دنوت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقربت. قال: فقال: نكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: على ما يا رسول الله؟ قال: فلحا عني، وأقبل على الكاتب. قال: ثم جئت، فقمت عليهم، فإذا في صدر الكتاب: أبو بكر وعمر، وأيضاً ذكر أبو بكر هنا في هذه الرواية، أكثر روايات فيها ذكر عمر. قال: فظننت أنهما لن يكتبا إلا في خير، معنى لما رأى أبو بكر وعمر، فاطمعنا أن هذا في خير، ما سيكتب النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء الصحابة إلا في خير. فقال: نكتبك يا ابن حوالة؟ فقلت: نعم يا نبي الله. فقال ابن حوالة: كيف تصنع في فتنة تثور في أقطار الأرض، كأنها صياصي بكر؟ قال: قلت: أصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليك بالشام. ثم قال: كيف تصنع في فتنة كأن الأولى فيها نفجة أرنب؟ في رواية: في رواية بأسامة: كأنها نفاجة أرنب، وأيضا في حديث مرة: كانتفاخة أرنب، معنى: شيء بسيط، الأرنب نفجته وانتفاخته شيء لا يذكر. قال: كأن الأولى فيها نفجة أرنب. قال: فلا أدري كيف قال في الآخرة؟ ولأن أكون علمت كيف قال في الآخرة أحب إلي من كذا وكذا. وهنا لم يذكر في هذا الحديث آخر الحديث، كما في رواية عبد الله بن حوالة، لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام له كيف تصنع في فتنة تثور في أقطار الأرض، كأنها سياص البقر، كثرتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال عبد الله بن حوالة: ما أدري ما خار الله لي ورسوله؟ فقال: «اتبع هذا، فإنه وقومه على الحق»، أو قال: «فإنه على الحق». قال: فكان رجلاً متلثماً، فمر، فقال: فجئته حتى قلت: هذا؟ فأخذت بمجامع ثيابه، فقلت: هذا؟ قال: نعم. قال: فإذا هو عثمان بن عفان، فإذا هو عثمان بن عفان. وهذا الشاهد الذي ذكره مرة بن كعب، ويقال أيضاً كعب بن مرة، في مجلس معاوية رضي الله عنهما، لما مات عثمان. فهذا الحديث فيه أن هناك فتن عظيمة تكون، يرقق بعضها بعضاً، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيح المسلم: «يرقق بعضها بعضاً»، أي: يجعل بعضها بعضاً رقيقاً. حتى قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا جاءت الفتنة، قال المؤمن: هذه مهلكتي، هذه؟ فتنقشع، ثم تأتي الأخرى، فيقول: هذه، هذه؟». ومن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأت منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت الناس ما يحب أن يؤتى إليه. فلهذا فتن يرقق بعضها بعضاً، أي: يجعل بعضها بعضاً رقيقاً. فلهذا قال في هذه الثانية: كيف تصنع في فتنة كأن الأولى فيها نفجة أرنب؟ معنى: لا شيء، وهذا يدل شدتها وعظمتها، معنى وعظمت هذه الفتنة تكون فتنة أعظم من الأولى، حتى تجعل الأولى كانتفاخة الأرنب أو انتفاجته، فمعنى نفخ الأرنب، ونفخ الأرنب لا يؤثر بشيء، شيء يسير، فتكون الفتنة كذلك. فهذا أيضاً فيه بيان أن الفتن تكون عظيمة، كلما قربت الساعة، كلما كانت أعظم، كلما كانت أعظم هذه الفتن، وهذه الفتن تشمل فتن الدين والدنيا، وغالب هذه الفتنة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في أولها فتنة القتل، لما قتل عثمان رضي الله عنه، وهو صابر محتسب، وهو صائم رضي الله عنه، قتله أولئك الخوارج الذين جاءوا من مصر. فلهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها فتنة، ثم ذكر أن هناك فتنة أعظم منها، ولعلها ما حصل في عهد علي رضي الله عنه من الفتن ومن القتال. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الفتن العظيمة التي تحصل، وكثرة الهرج، قيل: ما الهرج يا رسول الله؟ قال: «القتل، القتل». فلهذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لابن حوالة أنه يلزم غرز عثمان، فإنه على الحق، وكذلك من اتبعه على الحق، ومن كان معه على الحق. وأما من اعتد عليه فهو على الباطل، من اعتد على عثمان وأعانهم على ذلك فهو على باطل. وهذا فيه معنى حديث من الأحاديث الكثيرة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في تأييد عثمان رضي الله عنه، وهو علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. وقد جاء عند أحمد في حديث ثوبان وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا عثمان، إن أرادك المنافقون أن تخلع قميصك، قميصاً قمصك الله، فلا تخلعه». إن أرادك المنافقون أن تخلع قميصاً قمصك الله إياه فلا تخلعه. ولا شك أن هذا القميص هو الخلافة التي جعلها الله عز وجل لعثمان بمشورة الناس وباختيار الصحابة رضي الله عنهم، والناس كذلك اختاروا عثمان بهذه المهمة العظيمة، فقام بها أتم قيام، وحصل أشياء انتقدها بعضهم، أي بعض الصحابة، وبعضهم أيدوه فيها. وكلام النبي عليه الصلاة والسلام يبين أنه على الحق، وأن الإنسان تحصل منه الأخطاء مهما كان، لكن لا تعالج بمثل هذه المعالجات. ولهذا لما دخل أسامة بن زيد رضي الله عنه على عثمان، فلما خرج، قالوا له: ماذا قلت لهم؟ قال لهم: ألا ترون إلا أن أقول لكم أنا؟ هم يريدون كل واحد يدخل على الأمير يقول لهم ماذا فعل وماذا قال، حتى تتهيج النفوس. فلهذا جاء في حديث هشام بن عامر، وجاء كذلك من حديث غيره، وإن كان في أسانيدها ضعف، لكن بعض العلم يرى أنها حسنة بالشواهد: أنه قال هشام: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من كان ناصحاً لذي السلطان، فلا يبده علانية، فلا يبده علانية، وليأتيه سراً، على ينصحه سراً، ولا يجاهر بنصيحته ويهيج الناس بها». فإن هذا ليس من منهج سلف الأمة، وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث حديثة في صحيح مسلم: أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إنه سيكون أئمة يهتدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر، وسيقوم فيهم أناس جثمانهم جثمان إنس، أو قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس»، أي: أن هؤلاء الذين ينازعون هؤلاء الأئمة ويخرجون عليه. فلهذا فهذه الفتن التي تحصل، سواء كان الفتن السياسية أو الاجتماعية أو الفتن التي في دين الله جل وعلا، من هذه الفتن التي أخبر بها نبينا عليه الصلاة والسلام.