الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 340

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 340

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 340، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعوة النبي في الأسواق

شرح حديث ربيعة بن عباد الديلي عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في الأسواق، حيث كان يتبعه أبو لهب ويحذر الناس منه. كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل الأسواق لدعوة الناس إلى دين الله.

التوحيد ودعوة الناس في مكة

النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الناس إلى توحيد الله جل وعلا في الأسواق ومجامع الناس، وقد أسلم بعض من دعاهم مثل عمر بن عبسة والطفيل بن عمرو الدوسي. كان يستغل المواسم لدعوة الناس إلى التوحيد.

تحذير النبي من الشرك

النبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من الشرك واتخاذ القبور مساجد، وكان يلقى مشقة وأذى في سبيل الدعوة لكنه صبر ولم يعجز. كان يدعو إلى توحيد الله جل وعلا والتعلق به.

ختام الحديث والفوائد المستفادة

المقطع يشير إلى اكتفاء المتحدث بالحديث عن فوائد الحديث السابق ويشكر الله على ذلك. يُظهر المقطع نهاية الحديث ورضا المتحدث بما تمت مناقشته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: مسند ربيعة بن عباد الديلي رضي الله عنه. وربيعة من بني الديل من ثقيف من الحجاز. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري -قيل له الزبيري نسبة إلى الزبير بن العوام، وهو من أحفاده، وهو عم مصعب أو عم الزبير بن بكار صاحب السيرة- مصعب بن عبد الله الزبيري، وأيضًا كان عالمًا أيضًا، مصعب كان عالمًا بالأنساب والتاريخ. قال: حدثني عبد العزيز بن محمد بن أبي عبيد، والذي اشتهر بعبد العزيز الدراوردي، وهو عبد العزيز بن محمد المدني، هو أصله خراساني، ولما كان في المدينة أو جاء إلى المدينة وسكن فيها، فكان إذا أراد أن يدخل بيتًا قال: الدراند أو كلمة فارسية، فسمي دراوردي. قال: عن ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي هلال القارظي -وثقه الأكثرون، وضعفه النسائي، لكن الأكثرون على توثيقه- لهذا قال الحافظ: إنه صدوق، وعن حديثه يقبل. قال: عن ربيعة بن عباد الديلي -وسيأتي أنه قد توبع في هذا الحديث- قال: عن ربيعة بن عباد الديلي أنه قال: رأيت أبا لهب بعقاب، وهو يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: يا أيها الناس، إن هذا قد سفه آباءكم، أو يقول: أي أبا لهب، يا أيها الناس، إن هذا قد غوى، فلا يغوينكم عن آلهة آبائكم. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يفر منه، وهو على أثره، ونحن نتبعه، ونحن غلمان، كأني أنظر إليه أحول ذا غديرتين، أبيض الناس وأجملهم. هذا أبا لهب، واسمه عبد العزى، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كافر، وكان عدوًا من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحول ذا غديرتين -الغديرة: هي العقدة التي يعقد بها الشعر أو تعقد في الشعر- ولهذا كان يسمى الأحول، كان به حول. قال: وأحدثنا محمد بن بشار بندار، قال: أخبرنا عبد الوهاب -هو ابن عبد المجيد الثقفي- قال: حدثنا محمد بن عمر بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن محمد بن المنكدر -ومحمد بن المنكدر أيضًا مدني، من علماء المدينة- عن ربيعة بن عبد الله قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بذي المجاز يدعو الناس، وخلفه رجل أحول يقول: لا يصدنكم هذا عن دين آلهتكم. قلت: من هذا؟ قال: هذا عمه أبو لهب. في رواية سعيد بن أبي هلال أنه بعقاب، وفي رواية محمد بن المنكدر أنه في ذي المجاز، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في هذه الأسواق -كانت هذه: مجنة، وعقاب، وذي المجاز- كانت أسواقًا، من معنى يأتي بها الناس ويجتمعون في المواسم، خاصة مواسم الحج، فكانت هذه الأسواق الثلاثة خاصة مشهورة عند العرب، فكان يأتي الناس بها من كل مكان، يأتون بالبضائع، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. فيأتي إليه من كل مكان: من الشام، من اليمن، يأتون لأجل الموسم، فيجتمع الناس في تلك الأسواق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل هذه الفرصة فيدعو الناس إلى دين الله جل وعلا، وكان هذا المدبر عمه أبو لهب يتبعه وينفر منه. قال أحمد -أي أحمد بن حنبل-: حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبو سليمان الضبي، حدثنا داود بن عمر بن زهير المسيبي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه -وهو عبد الرحمن بن ذكوان، عن ربيعة بن عباد- قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوق ذي المجاز، يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، ويدخل في فجاجها -أي الأماكن الضيقة منها أو الشوارع- والناس متقصفون عليه -أي يأتونه وينظرون إليه- فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت، يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، إلا أن وراءه رجلًا أحولًا، وضيء الوجه، ذا غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب -والصابئ: هو الذي يغير دينه، يسمونه صابئ، والصابئ أصلا فرقة كانت في زمن نبي الله إبراهيم تعبد الكواكب، وأيضًا يسمى كل من غير دينه صابئ- ولهذا كان قريش كل من أسلم قالوا له: صابئ، فيقول هذا المدبر أبو لهب: إنه صابئ كاذب. قال: فقلت: من هذا؟ قال: محمد بن عبد الله، وهو يذكر النبوة. قلت: من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبو لهب. قلت: إنك كنت -يعني يقول أبو الزناد-: قلت: إنك كنت يومئذ صغيرًا. قال: لا والله، إني يومئذ لأعقل. وجاء في رواية: أنه كان شابًا. قال: وحدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان -يظهر أنه عبد الله بن أحمد- قال: حدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان، قال: حدثني سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، قال: حدثنا محمد بن المنكدر أنه سمع ربيعة بن عباد الديلي يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على الناس بمنى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة، يقول: يا أيها الناس إن الله عز وجل يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. قال: ورأى رجلًا يقول: هذا يأمركم أن تدعوا دين آبائكم. فسألت: من هذا الرجل؟ فقيل: هذا أبو لهب. إلى أن قال أحمد: حدثني محمد بن بكار، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، عن أبيه أبي الزناد، قال: رأيت رجلًا يقال له ربيعة بن عباد الديلي، فذكر نحو ما تقدم. والحديث بمجموع طرقه صحيح. فهذا الحديث فيه فوائد عظيمة، ومن أهم هذه الفوائد: أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد، وأنه عليه الصلاة والسلام ما كان يكل بل يجتهد عليه الصلاة والسلام في دعوة الناس إلى توحيد الله جل وعلا، حتى يخرج إلى الأسواق، حتى يخرج إلى مجامع الناس لكي يدعو إلى توحيد الله جل وعلا. وكما جاء في السيرة كذلك، وجاء في أسانيده صحيحة عند أحمد وغيره: أن الأنصار لما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم -الستة الأنصار كانوا في المدينة أو كانوا في سوق عقاب، وكان في الموسم، لأن الناس يأتون في الموسم- ويستغل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة فيدعو الناس إلى توحيد الله جل وعلا، حتى إذا ذهبوا إلى أماكنهم دعوا الناس. فلهذا رآه ربيعة بن عباد الديلي، وجلس معه جماعة من الناس، أسلموا منهم: عمر بن عبسة، ومنهم أيضًا الطفيل بن عمرو الدوسي، حتى ذهب إلى قريته وإلى مكانه إلى اليمن، ودعا قومه، فأتبعه جماعة منهم، وكذلك أيضًا ضمام بن ثعلبة من بني سعد بن بكر وغيرهم من هؤلاء الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة، ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا، ومنهم من دعا قومه وأسلم بعضهم، ومنهم من لم يتبعوا أحدًا. والمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغل هذه المواسم في الدعوة إلى الله جل وعلا، يدعو الناس إلى التوحيد. أيضًا من هذه المسائل: دعوة الأنبياء، وأن أول ما يدعون الناس إلى توحيد الله جل وعلا، ما يدعونهم إلى الحاكمية أو يدعونهم إلى الأخلاق أو يدعونهم إلى شيء من هذه الأمور التي يدعو إليها بعض الفرق، وإنما يدعون الناس إلى توحيد الله خاصة الكفار، وكذلك أهل الإسلام إذا ضيعوا هذا الأمر إذا ضيع هذا التوحيد في أهل الإسلام، كما حصل في هذه الأمة، فلابد أن يدعى الناس إلى هذا التوحيد العظيم، وكذلك أيضًا التذكير به. فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى توحيد الله جل وعلا، وجاءت الآيات التي تدعو إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، أي في مكة، وأيضًا في المدينة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بين الفينة والفينة -يعني بين فترة وفترة- إذا وجد فرصة دعا الناس إلى التوحيد، إذا وجد مكانًا مناسبًا للدعوة أو الحال وجد حالًا مناسبًا لأجل أن يدعو إلى التوحيد، أو وجد قصورًا فدعا. كم من حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه دعوة إلى توحيد الله جل وعلا والتعلق بالله، وخاصة من الأحاديث الطويلة: كحديث «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا»، حديث ابن عباس: «يا غلام احفظ الله احفظه»، وغيرها كثير من الأحاديث التي يذكر ربنا جل وعلا بالله سبحانه وتعالى، يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالله، وكذلك بتوحيده والتعلق به سبحانه وتعالى، وأيضًا إخراج غيره. ولهذا في حديث أبي ذر: «يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر رجل منكم ما نقص من ملكي شيئًا» إلى آخر الحديث. فهذه الأحاديث أيضًا تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى التوحيد أحيانًا، وليس أنه يترك -ما دام أنهم مسلمين- لا يذكرهم، يذكرهم بهذه الأمور: «أجعلتني لله ندًا؟ قل ما شاء الله وحده»، وأيضًا «إنكم تشركون وتنددون وتقولون ما شاء الله وشاء محمد، وتقولون: والكعبة، قولوا: ما شاء الله وحده، وقولوا: والكعبة». هذه أيضًا أحاديث، حديث الطفيل وغيرها من هذه الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الدعوة إلى التوحيد، بل إنه عليه الصلاة والسلام في آخر حياته كان يحذر من اتخاذ القبور مساجد، لأن هذا يهدم التوحيد «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت عائشة: يحذر ما صنعه اليهود والنصارى. ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا، كما ذكرنا قبل أنه قيل: خشي، وقرئت: خُشي، أي النبي صلى الله عليه وسلم -يعني إذا كان خشي- فالأمر منه عليه الصلاة والسلام بقبره في المسجد، لكن لم يثبت، أو قبره في بيته، لكنه لم يثبت كما قلنا. والظاهر الصحيح: خشي -أي الصحابة رضي الله عنهم- خشوا أنه لو أبرز قبر النبي صلى الله عليه وسلم لاتخذ عيدًا، وأيضًا لاتخذ معبدًا، كما اتخذت اليهود والنصارى قبور أنبيائهم مساجد -معبدًا- يعني مسجدًا، فالمسجد هو معبد، ومعنى الذي يعبد فيه الله عز وجل. فهذا أيضًا ما يدل أيضًا عليه هذا الحديث: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من اجتهاد عظيم في الدعوة إلى الله، والمشقة التي كان يلقاها عليه الصلاة والسلام والأذى، حتى إنه يؤذيه أقرب الناس إليه، وهو هذا المدبر عمه، فكان يمشي خلفه ويقول: لا تصدقوه فإنه كاذب، وأنه كذا. بل جاء في رواية طارق، عن عبد الله المحاربي: أنه كان يرميه بالحجارة، أنه رآه في عقاب، وهذا خلفه، هذا أبو لهب خلفه يكذبه ويرميه ويرمي عقبه بالحجارة، حتى أدمى عقبه الشريف عليه الصلاة والسلام. وأيضًا كذلك كان عليه الصلاة والسلام يلقى مشقة عظيمة، وصدق عليه الصلاة والسلام إذ قال: «لقد أذيت وما أذى أحد، لقد أذيت وما أذى أحد» -أي مثل ما أذى عليه الصلاة والسلام- فهذا أقرب الناس إليه وأهله، لكنه صبر عليه الصلاة والسلام، ودعا الناس، ولم يكسل ولم يعجز، بل كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من العجز والكسل، لأن العجز والكسل هو الذي يجعل الداعي فاترًا في دعوته، وفي أيضًا عبادته، في طاعته. فلهذا كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من العجز والكسل، فكان عليه الصلاة والسلام من أكثر الناس اجتهادًا، بل هو القدوة في الاجتهاد عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله جل وعلا. فلهذا المتبع لرسول الله كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فهؤلاء الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا ينبغي أن يجتهدوا اجتهادًا عظيمًا في دعوة الناس إلى الله، ويصبروا على الأذية، ويصبروا على الأذية، ولا يعجزوا ولا يكسلوا، ولا أيضًا يصيبهم الفتور الذي يخرجهم عن الدعوة إلى الله جل وعلا إلى غيرها. فأيضًا هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، إن شاء الله نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.