الدرس في آداب السلام 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل آداب إلقاء السلام، مشيرًا إلى أهمية أن يكون بصوت مسموع دون إزعاج، مع جواز تكراره ثلاث مرات عند الضرورة. يشدد على ضرورة مراعاة ظروف المكان والحاضرين.
يشرح هذا الفصل الحالات التي يجوز فيها إعادة السلام، مثل إذا كان الجمع كبيرًا ولم يسمع الجميع السلام، أو عند تكرار اللقاء مع نفس الأشخاص، كما يستحب عند الدخول والخروج من مكان.
يتناول هذا الفصل استحباب تكرار السلام عند اللقاء بعد الافتراق، وأنه يكون في بداية اللقاء ونهايته، مستندًا إلى أحاديث نبوية تؤكد هذه الآداب، مثل حديث «إذا لقي أحدكم أخاه».
يختتم هذا الفصل بالتأكيد على استحباب السلام عند الانصراف من المجلس، ويشمل الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد، مشيرًا إلى الأحاديث الدالة على ذلك.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذا المبحث الأول من مباحث آداب السلام، وهو المتعلق بآداب إلقاء السلام. ومرت معنا مسائل عدة متعلقة بهذا الفصل في معرفة من هذا الذي يشرع في إلقاء السلام عليه، ومن ذا الذي لا يشرع أن يلقى السلام عليه. وعرجنا على بعض المسائل، وأيضًا مما يتعلق بهذا الأدب وبهذا المبحث في مبحث آداب إلقاء السلام أن نتعلم وأن نعرف ما يتعلق بصفة إلقاء السلام. إذ أن إلقاء السلام، إخواني في الله، ينبغي أن يكون بصفات جاء وردها وذكرها في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فمن ذلكم، قال العلماء: إن السلام ينبغي أن يكون جهرًا، جهرًا بمعنى مسموعًا، فلا ينبغي أن يكون السلام بالسر أو خفيًا. وانتبه العلماء على هذه المسألة، وقد جاءت الآثار المتعلقة بهذا الباب. فمن ذلكم ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد، أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «إذا سلمت فأسمع، فإنها تحية مباركة طيبة». إذا سلمت فأسمع، هذا الشاهد، أسمع، لابد أنك تسمع الآخرين، وأن تبلغهم سلامك. وهذا مما أمر به العلماء من الأحاديث الآمرة بإفشاء السلام، إذ أن إفشاء السلام يقتضي أن غيرك يسمع. بل إن العلماء جعلوا هذا الوصف شرطًا في الرد، فمن سمعنا سلم علينا رددنا عليه، ومن لم نسمع منه سلامًا فلا يجب علينا أن نرد عليه. ولهذا يقول إمام النووي رحمه الله تعالى: «قالوا أقل السلام الذي يصير به مسلمًا أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيًا بالسلام، فلا يجب الرد عليه». فهذا هو الضابط، أنك تسمع من تسلم عليه. أما إن كان صوتك دون التبليغ، فلا يعد هذا السلام. فهذا الوصف الأول من أوصاف السلام أن يكون جهرًا. لكن مع القول بالجهر، إخواني في الله، ينبغي أن يراعى قضية عدم التشويش وعدم الإزعاج، لأن من الناس من ربما يستغل هذا الوصف فيرفع صوته بأعلى شيء حتى يكون إزعاجًا لغيره ويحدث ضجيجًا. وهذا لا يجوز، وإلى هذا قال العلماء: إن الضابط أنك تسمع الذي تريد أن تسلم عليه. فتنادي وتصيح بأعلى صوتك، هذا لا يجوز. ومن ذلك، إخواني في الله، أنك تراعي المكان الذي أنت فيه. قد تكون مثلاً تدخل إلى المسجد ولا ترفع صوتك، سلم على الذي تريد أن تسلم عليه. أو كن في مكان عيادة، أو كن في مكان دراسة، أو كن في مكان فيه ناس نيام. وهذا قد يقع، تدخل على أهلك أو من كان يعيش في عزبة مع جماعة من زملائه، أو في سكن، أحيانًا تدخل في أوقات هناك ناس أيقاظ وآخرون نيام، فماذا تفعل؟ فسلم سلامًا بقدر. وهذا الذي ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه، وهو يتحدث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: «فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان». لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان. فانظر إلى هذه الأدب، صلوات ربي وسلام عليه، دخل إلى مكان فيه ناس نيام وآخرون أيقاظ، فما أراد أن يزعج النوم، وما أراد أن يترك السلام، فسلم سلامًا معتدلاً لا يوقظ نائمًا. وبالمقابل ماذا؟ لا يسمع اليقظان، فهذا هو الأدب النبوي، أنك تراعي الجهر لكن بقدر. كذلكم مما يذكر من صفة السلام أنه يعاد، أنك أو يقول يكرر. والمقصود بالتكرار أنك تسلم ثلاثة، تسلم ثلاثة. وهذا قد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى يفهم عنه». وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثًا. لكن ما معنى هذا الحديث، وعلى ماذا حمل العلماء؟ حمل العلماء هذا الحديث على محامل، منها: يحمل هذا إذا كان الجمع كثير، إذا كان الجمع كثير حشد، فهذا المتكلم يحتاج أن يكرر السلام لكثرة الحضور، هذا وجه. وأضاف جماعة من العلماء كالحافظ بن حجر أضاف محملاً آخر، قال: إذا سلم وظن أنه لم يسمع، قال: فيسن الإعادة فيعيد مرة ثانية وثالثة ولا يزيد. وهذا المحمل الآخر وهو إذا سلمت على قوم وجاء في ظنك أن السلام ما وصل إليهم لانشغالهم مثلاً، هذا قد يقع كثيرًا. تأتي إلى قوم يتحدثون، قلت السلام عليكم، فتجد أنهم التفتوا إليك لأنهم منشغلين بما هم فيه موضوع مهم، أمر طرأ ينشغلون في الحديث عنه، فلربما السلام الذي أنت ألقيته ما سمعوه. إذا ماذا يفعل؟ أعد، وعلى هذا يحمل الحديث، أعد مرة ثانية السلام عليكم، فربما لا زالوا لا زالوا على حالتهم أنهم متكالبين على الموضوع الذي قد اجتمعوا من أجله، فحينها أعد المرة الثالثة والأخيرة ولا تزد على ذلك. قل السلام عليكم، إن سمعوك فذاك، وإلا فما عليك أنك تعيد. هذا الذي حمل الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى على أن يحمل هذا الحديث على هذا المعنى، فيحمل هذا الحديث على محملين: إما تكرار السلام يكون إذا كان الجمع كثير، أو في حق من سلمت وجاء في ظنك أن السلام ما بلغه، فلك أن تعيد المرة الثانية والثالثة ولا تزد. كذلك مما يذكر من مسائل وصفة إلقاء السلام أن السلام يعاد، أعد السلام مرة أخرى. وهذا يكون، إخواني في الله، عند المفاصلة بينك وبين من كنت معه. وتأمل إلى هذا التبويب الذي بوّب عليه النووي رحمه الله تعالى في رياض الصالحين، هذا الكتاب الشهير، إذ قال رحمه الله تعالى: «باب استحباب إعادة السلام على من تكرر لقاؤه على قرب بأن دخل ثم خرج في الحال، أو حال بينهما شجرة ونحوها». قال: «استحباب إعادة السلام على من تكرر لقاؤه على قرب بأن دخل أو خرج أو حال بينهما شيء». فهذا يدل على معنى هذا التبويب، وهذا من آداب السلام، أنه لا بأس أنك تكرر السلام على من لقيت، وهذا متى؟ إذا كان هناك نوع مفاصلة، نوع مفاصلة. استدل العلماء على هذا الأدب ببعض الأحاديث، منها ما جاء في الصحيحين في حديث المعروف باسم المسيء في صلاته. رجل دخل إلى المسجد فصل، فجاء إلى رسول الله فسلم عليه، أمره نبينا أن يعيد الصلاة، فأعاد الصلاة، ثم جاء وسلم، فأمره نبينا أن يعيد الصلاة لأن الصلاة كان فيها نقصان وحلل. فذهب الرجل وأعاد الصلاة، ثم جاء وسلم. الشاهد من هذا الحديث أن الرجل كلما أتى عند رسول الله أعاد السلام. معنى أين ذهب؟ ما ذهب بعيدًا في المسجد، هو في المسجد في نفس النطاق، في حدود المسجد، ما خرج بعيدًا، إن صرف لا بجواره، لربما كان في الصلاة بجانبه. فكان الرجل كلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعاد السلام، ونبينا أقره أقره على ذلك. فدل ذلك على أن الإنسان لربما إذا دخل وخرج مع من يماشيه فلا بأس، ويشرع أن يعيد السلام. مثاله: هذا كثير ما يقع، أنت مع ضيوف لك ضيوف قدموا عليك، ترحب بهم السلام عليكم، جلسوا فأنت تحتاج إلى أن تنصرف تذهب وتأتي بماذا؟ بما تأتي بشيء. فتدخل أعد السلام، السلام عليكم، ما في شيء، أعد السلام. خرجت تريد حاجة، رجعت كرر السلام، هذا هو معنى هذه الأحاديث، وهذا هو الأدب الذي يذكره العلماء في باب إلقاء السلام، أنه لا بأس بل يشرع أنك تكرر السلام على من لقيت ولو على مدخلك ومخرجك، دخلت وخرجت أعد السلام. ويستدل العلماء أيضًا بهذا الأدب بما ثبت في السنن عند أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه». والحديث يحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى. فهذا من هذا الموطن، وهو أن النبي أخبر أنك تسلم على صاحبك إذا لقيته، هذا لا إشكال فيه. لكن أخبر نبينا أنه إن حال بينك وبينه شيء أنت وإياه تمشيان سويا، ثم افترقتما، هنا جدار افترقتما، ثم لقيتما في الطرف أعد السلام، أعد السلام، فهذا يشرع. قال عليه الصلاة والسلام: «فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه». أعد السلام. وهذا المانع قال علماء: أن يكون كبير جدار أو صحراء عظيمة بحيث تحجب الرؤية، تحجب الرؤية فترة ثم تعودان أعد السلام. أم إذا كان جدار ناقص مثلاً نازل ففرق بينكم وأنت بجانبه، لا تعد السلام في هذه الحالة. فهذا قيد، قال علماء: أن تكون شجرة كبيرة تمنع الرؤية تحجب كحجب إنسان، ثم تلتقي أن تؤيا أعد السلام. وهذا من محاسن الدين، إذ أن لو ليست لهذه الأدلة لكان تكرار السلام بدعة. لكن وجود هذه الأدلة دل على أن هذا يشرع، وهذا فضل من الله عز وجل، لأنك ماذا؟ تزداد أجرًا وعبادة، السلام عليكم عشر حسنات، السلام عليكم عشر حسنات. ففعل هذا على أي مفاصلة، مثاله: ذهبت أنت وصاحبك في سيارة، في دراجة، فانتظرت أنت في دراجتك ثم ذهب وتناول شيئًا من الدكان من المحل ثم رجع يسلم عليك. السلام عليكم، تفضل وامشي، وانتويا انفصلتما، دخل مكان ورجع السلام عليكم وامشي وهكذا. هذا من محاسن الدين. وقد مر معنا في دروس الأول ما يتعلق بفضيلة السلام، فالعبد كلما زاد في السلام فإنه يرتفع بذلك درجات وحسنات لأنه من محاسن الإسلام. كذلك من صفة إلقاء السلام، إخواني في الله، ما يكون أن السلام له الأولوية في كل شيء، فما هناك أمر من موضوع أو مسألة أو أي حديث يسبق السلام. فأول ما تلتقي بأخيك أول أمر تبتد به هذا اللقاء السلام. وهذا مما جرى به العرف، بل دلت عليه أدلة الشرع. فقد ذكر شيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع من حديث ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام: «السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه». الشاهد: السلام قبل السؤال. بعض الناس أول ما يواجهك يأتيك بالموضوع، ما له؟ فيه موضوع. لا انتظر قبل، سلم، ولا زال الناس ولله الحمد يعيبون من يقحم معهم الموضوع من أول واحد، سلم، واحد قل السلام، عارض، ثم ادخل فيما شئت. فقال نبينا: «السلام قبل السؤال»، قبل أن تسأل، قبل أن تستفسر، قبل أن تدخل في موضوع أو تشرع في مضمون شيء، فابدأ يا عبد الله بالسلام، فهذا من آداب إلقاء السلام. وأخيرًا، كذلك مما يذكر في هذا المقام مما يتعلق بصفة إلقاء السلام، كما أن السلام يا عبد الله هو أول ما ينبغي أن تبتدئ به اللقاء، فاجعله كذلك هو الختام، اجعله هو الختام. فتبتدئ الملاقاة والمجالسة بالسلام، واجعل الختام ختام اللقاء بالسلام، فيكون الانصراف والمغادرة والمفارقة والابتعاد مختومة بالسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة». رواه أبو داود والترمذي. وفي رواية: «فليست الأولى بأحق من الثانية». فدل ذلك على أنك مثلاً اجتمعت مع أخيك تبدأ بالسلام وأنت مجتمع تحدثتم، أنت بدأ لك أن تقوم، فلا تتسلل وتقرأ وتنصرف هكذا. لا، السلام عليكم تنصرف، اختم جلوسك مع القوم بالسلام. وهذا الأدب الذي ينبغي أن يكون، والذي دلت عليه الأدلة الشرعية. فهذا، إخواني في الله، ما يذكر من مسائل سريعة متعلقة بصفة إلقاء السلام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.