شرح أصول السنة للرازيين 3

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

إثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومحنة القول بخلقه

يقرر المقطع أن القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، مميزاً بين صوت القارئ المخلوق والكلام المقروء الذي هو كلام الباري. ويستعرض محنة القول بخلق القرآن وما لقيه أئمة السنة من امتحان وأذى حتى انقضت المحنة وثبتت عقيدة السلف.

الرد على قول إن القرآن عبارة وتمييز الصوت عن الكلام

يرد الشيخ على من يزعم أن القرآن مجرد عبارة أو حكاية عن كلام الله، مبيناً أن هذا القول يؤول إلى قول المعتزلة بخلق القرآن ومخالفاً لإجماع السلف. يؤكد أن المسموع من القارئ هو كلام الله حقيقة لا مجازاً، وأن الحبر كتابة الكاتب لكن المقروء كلام الباري.

الختام والصلاة على النبي

يختتم المتحدث درسه بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يأتي هذا الختام بعد الفراغ من تقرير عقيدة السلف في كلام الله والرد على المخالفين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد، فلازلنا في عقيدة الإمامين أبي حاتم وأبي زرعة التي نقلاها عن أهل العلم في جميع الأمصار، المعروفة بعلماء السنة والجماعة، علماء السلف الصالح في ذلك الزمان. هذه العقيدة مما أجمع عليه العلماء، وهي من العقائد التي من لقي الله بها نجا. والذان أفتيا فيها وأملياها عالمان مشهود لهما بالإمامة في العلم والسنة، رحمهم الله تعالى وغفر لهم. وكنا قرأنا أمس قولهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته؛ لأنه من صفة الله عز وجل، وصفات الله عز وجل كذاته سبحانه غير مخلوقة. فالله في ذاته وصفاته ليس مخلوقاً، بل هو خالق بارئ مصور حكيم عليم، سبحانه وتعالى. فالقرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته سبحانه، كلام الله صفة من صفاته سبحانه وتعالى. والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذي حذوه. واضطربت في هذا الباب المعتزلة، القائلون إن القرآن مخلوق، والمخلوق يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الموت والفناء وغير ذلك. وهذه بدعة امتحن بها الناس في زمن الإمام أحمد بعد المئتين للهجرة، امتحن بها الأئمة؛ لأن بعض ولاة الأمور انتحلوها، وأولهم المأمون عبد الله بن هارون الرشيد، رحمه الله وغفر له. ثم ألزم الناس به، فمات وقد أراد أن يفعل عظائم من الأمور، فأبعده الله سبحانه وتعالى. فجاء من بعده وامتحنوا الناس، وامتحن الأئمة: منهم من مات في قيده وهو يمتحن، ومنهم من ضربت عنقه، ومنهم من سجن وضرب وأوذي غاية الأذى، كالإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى وغفر له. حتى انقضت هذه المحنة، وفرج الله عن أهل السنة هذه الكربة، ولا زال خبرها مستوراً وذكرها مشهوراً. القرآن كلام الله، قال رحمه الله تعالى: والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته. فإذا قرئ فهو مقروء، والمقروء هو القرآن. والحبر والكاتب مخلوقان، كما أن القارئ وصوته مخلوقان، لكن المقروء هو القرآن. وإذا كتب فهو مكتوب، وإذا سمع فهو مسموع، والمسموع كلام الله، والمقروء كلام الله وهو القرآن، والمكتوب كلام الله عز وجل وهو القرآن. ولهذا قال أهل السنة: الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري. هكذا قال أهل السنة والجماعة: الصوت صوت القارئ، والكلام كلام من كلام الباري، جل جلاله. هذه قاعدة عند أهل السنة والجماعة: الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري سبحانه. قال رحمه الله تعالى: والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته. فإذا سمع فهو المسموع كلام الله عز وجل، وإذا كتب فهو المكتوب كلام الله سبحانه وتعالى، وإذا قرئ فهو المقروء. الصوت صوت من... الصوت صوت القارئ الذي يقرأ، هذا صوته، والكلام الذي يقرأه كلام الباري سبحانه. الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري سبحانه وتعالى. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. المسموع كلام من... المسموع كلام من كلام الله سبحانه وتعالى. هذا المسموع، والقارئ لهذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾، فأجره حتى يسمع منك... سمع من... من... من الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسموع كلام من... فأجره حتى يسمع إيش؟ تتمة الآية: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وهو لا يسمع من الله عز وجل مباشرة، وإنما يسمع من... من... من القارئ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم في الآية. لم يسمع من الله مباشرة، وإنما سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من القارئ بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. والرسول مبلغ عن الله عز وجل لكلام الله، الرسول مبلغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. فالرسول مبلغ، صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾. ويقول الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، أي بالقرآن، أي من سيبلغه القرآن بأصوات الناس، أو بكتابة الناس، أو بحفظ الناس. فالقرآن كلام الله عز وجل بجميع جهاته. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. هذا فيه رد على من يقول: حتى يسمع العبارة عن كلام الله. لا، الآية رد على هؤلاء الذين يقولون: القرآن عبارة عن كلام الله، القرآن حكاية عن كلام الله. وهذا القول مؤداه أن القرآن مخلوق، عياذاً بالله. هذا القول يؤول إلى قول المعتزلة، قاله بعض الكلابية والأشاعرة في طورهم الكُلابي، وهو يؤول إلى قول المعتزلة. فهذا القرآن عبارة عن كلام الله، عبارة من؟ هذا السؤال: عبارة مخلوق. فهذا القرآن ألفاظه مخلوقة، وهذا هو قول المعتزلة. هذا قول المعتزلة: يقولون أنطق الله الشجرة، أنطق الله به كذا من خلقه. لا، هذا غلط. الله جل جلاله يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. فالذي سمعه ليس عبارة ولا حكاية، بل الذي سمعه هو كلام الله حقيقة لا مجازاً. الذي سمعه هو كلام الله حقيقة لا مجازاً. وهذا جائز في المخلوق، فكيف بالخالق سبحانه وتعالى؟ ولله المثل الأعلى. قال رحمه الله: والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، والأدلة على ذلك كثيرة. هذه المسألة التي يدعيها هؤلاء من أن القرآن عبارة أو حكاية، مخالفة لأدلة القرآن الكريم، ومخالفة لأحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومخالفة لإجماع السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، المعلوم. فالقرآن كلام الله مكتوباً فهو المكتوب، مقروءاً فهو المقروء، مسموعاً فهو المسموع. والصوت صوت القارئ، والحبر والكتابة كتابة الكاتب، والصوت المسموع يسمعه بصوته، لكن المسموع والمكتوبة والمقروءة هو القرآن. ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. لم يقل: فإذا قرأت عبارة عن القرآن، أو قرأت حكاية عن القرآن، بل قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾. فهذا المقروء الذي صدر منك فعل القراءة كلام الله عز وجل، وهو القرآن، وهو القرآن. فإذا قرأت القرآن، ماذا قرأت؟ قرأت القرآن. فأنت قارئ، والمقروء كلام الله وهو القرآن. ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. فقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قرأ ما؟ المقروء كلام الله وهو القرآن. والقارئ مخلوق، والكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ، كما قال أهل السنة والجماعة. وليس عبارة أو حكاية. هذا القول فلسفة لفظية، معداها إلى القول بخلق القرآن، وأن القرآن الذي بين دفتي المصحف عبارة عن كلام أنشأه مخلوق، إما ملك، وإما مخلوق في شجر نطق به، وإما غير ذلك. فالألفاظ الموجودة، مثل: الحمد لله رب العالمين، ونحوها، هي عبارة عن كلام الله، ولفظ من؟ قالوا: لفظ مخلوق. هذا مؤداه إلى قول المعتزلة. هل المخلوق يقول لموسى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؟ هل المخلوق يقول لموسى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؟ لا يقول هذا مخلوق. فهذا من الضلال، عياذاً بالله، وخلاف طريقة السلف. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «زينوا القرآن بأصواتكم، زينوا القرآن بأصواتكم». فالأصوات أصواتكم، لكن القرآن ليس كلامكم، كلام من؟ كلام الله عز وجل. «زينوا القرآن بأصواتكم». والأدلة على ذلك كثيرة، ونقل فيها الإجماع بين أهل العلم، وهو المعتمد في الباب: أن القرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته، مكتوباً أو مسموعاً أو مقروءاً. نكتفي بهذا القدر، ونقرأ غداً إن شاء الله تعالى الكلام على القدر. وهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.