شرح الباعث الحثيث 42

الدرس في شرح الباعث الحثيث 42، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الجرح والتعديل: شروط قبول الراوي واستمرارية العلم

يتناول هذا المحور النوع الثالث والعشرين من علوم الحديث المتعلق بمعرفة من تقبل روايته ومن ترد، مبيناً قواعد الجرح والتعديل التي تشمل جميع نقلة الدين وتستمر ما دامت الحاجة قائمة. ويؤكد أن الراوي المقبول يجب أن يكون ثقة ضابطاً حافظاً وكاتباً، مسلماً عاقلاً بالغاً، مع ضرورة الورع والعلم الدقيق لتجنب الظلم.

شروط الراوي: العدالة والسلامة من الفسق وخوارم المروءة

يستعرض المحور شروط قبول الراوي من حيث الإسلام والعقل والبلوغ، مع جواز تحمل الصبي للحديث، ويشترط السلامة من الكبائر والإصرار على الصغائر ومن خوارم المروءة التي تختلف باختلاف الأعراف. كما يشدد على ضرورة اليقظة وعدم الغفلة في الرواية لضمان دقة النقل.

اليقظة وعدم الغفلة في راوي الحديث

يشرح هذا المحور شرط اليقظة وعدم الغفلة في راوي الحديث، مستشهداً بأحوال علماء كالمزي وابن جعفر الغندر الذين كانوا متيقظين في الرواية رغم غفلتهم في أمور الدنيا. ويؤكد أن اختلاط الأحاديث أو الغفلة في الرواية ترد رواية الراوي، بينما الغفلة في الدنيا لا تضر.

كلمة شكر وختام المجلس

يعبر المتحدث في هذا المحور عن شكره للحضور على حضورهم ومشاركتهم، دون أن يتضمن أي محتوى علمي إضافي. ويختتم المجلس بهذه الكلمة الودية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عماد الدين بن كثير، إسماعيل بن عمر، أبو الفداء، رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، في كتابه النافع الجليل شرح اختصار علوم الحديث المسمى بالباعث الحثيث، النوع الثالث والعشرون: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل روايته، وبيان الجرح والتعديل. وهذا الباب من الأبواب المهمة، وهو متعلق بالرواة، رواة الأحاديث، من حيث قبول أخبارهم أو من حيث رد أخبارهم. من الذي تقبل روايته؟ ما شروط قبول روايته؟ ومن الذي ترد روايته؟ ولماذا ترد روايته؟ ما هي الأسباب التي توجب رد الرواية؟ ما درجاتها؟ ما أحكامها؟ وبيان الجرح والتعديل: من هو الجارح؟ ومن هو المعدل؟ ومن هو الذي جرحه معتبر؟ ومن الذي تعديله لا يعتبر؟ قال رحمه الله تعالى: النوع الثالث والعشرون: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبله، وبيان الجرح والتعديل. الجرح والتعديل، أي: في رواة الحديث. سيأتي الكلام على قواعده، وأن العلماء نقلوا الإجماع على أنه عام، ليس خاصًّا في رواة الأحاديث، وإنما في نقلة الدين، في نقلة الدين، كما نقل الإجماع جماعة من أهل العلم. ولهذا يخطئ من يطلق العبارة فيقول: الجرح والتعديل خاص بالرواة. هذا كلام فيه قصور كبير، فإن العلماء المتقدمين نصوا على أن الجرح والتعديل من أسبابه البدعة والشبهة والهوى، وأن الجرح قد يقبل وقد يرد، وأن التعديل قد يقبل وقد يرد. قال العراقي في ألفيته: «واعلم بعلم الجرح والتعديل، فإنه المرقاة للتفصيل بين الصحيح والسقيم، واحذر من خطر». فالجرح، أي: خطر الجرح، خطر عظيم يحتاج إلى أصول. لكن العناية بالجرح والتعديل لا بد منها، لا بد منها. «واعلم بعلم الجرح والتعديل، فإنه المرقاة للتفصيل»؛ هو السلم الذي يفصل فيه بين صحيح الأخبار ورديها، وبين من يؤخذ عنه ومن لا يؤخذ، وهو مستمر إلى يوم الدين. بعض الناس يقول: هو خاص بزمن معين، زمن الرواية. هذا أيضًا قصور، مخالف لما عليه المحققون من أهل العلم، بل هو عام شامل، وهو مستمر بحسب الحاجة. فإذا وجدت الحاجة وجد هذا العلم، ما بقي في الأرض حاجة يحتاج إليه. ومع هذا فالجرح والتعديل خطر، ولهذا يقول ابن دحية: «أعراض العلماء حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان: المحدثون والحكام». أعراض العلماء، أو أعراض الناس، حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها، أي على هوتها، طائفتان من الناس: المحدثون والحكام. فلا بد أن يكون الجرح بحق، وأن يكون من ورع، عارف، عالم بأسباب الجرح والتعديل، كما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: ونقل الإجماع جماعة كابن رجب وابن حجر وغيرهم من أهل العلم. قال المصنف: كنت جمعت رسالة في هذا قديماً، كان بعض الناس يقول: إنه يعني لا يتوسع في الجرح والتعديل بعد زمن الرواية، فجمعت نصوص الأئمة في الباب على أن الجرح والتعديل مستمر ما بقيت إليه حاجة. ونقل الإجماع، نقل الإجماع جماعة من أهل العلم نقلوا الإجماع. فالذي يقول هذا الكلام قد يكون يقوله غفلة، أو يقوله لعدم تحقيقه للمسألة، أو يقوله -عياذًا بالله- وليس أهلاً أن يتكلم فيها لكونه ليس عالمًا بل صاحب هوى. قال رحمه الله: النوع الثالث والعشرون: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل، وبيان الجرح والتعديل. قال رحمه الله: المقبول، أي: الراوي المقبول الذي من صفته قبول أخباره وأحاديثه، وما يذكره، وما يرويه، وما يحدث به، وما يخبر به. المقبول: الثقة الضابط لما يرويه. الثقة الضابط لما يرويه. تقدم الكلام في مبحث الصحيح أن الضابط يشمل نوعين من الضبط: ضبط صدر، وهو حفظ المعلومة في الصدر ومراجعتها مرة بعد مرة، وضبط كتاب، وهذا أوثق، فإن الحفظ قد يخونه، قد يخونه الحفظ. الثقة الضابط لما يرويه، وهو المسلم العاقل البالغ. المسلم معروف: هو الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. العاقل: يخرج المجنون، فلا يؤخذ عن المجنون شيء. البالغ: أي الذي بلغ سن البلوغ. وهذا فيه خلاف باعتبار التحمل أو باعتبار الأداء. أما باعتبار التحمل، يعني حضور المجالس، فلا مانع أن يروي صبي حديثًا وهو دون البلوغ. هذا محمود بن لبيد يقول: «عقلت مجة مجها النبي صلى الله عليه وسلم في وجهي وأنا ابن خمس سنين»، وحدث بالحديث، قد كان كبيرًا. لكن تحمله متى؟ تحمله: حفظ الحديث، حفظ الواقعة، وسنه خمس سنوات. لا يقال: لا، لا نأخذ عنك إلا أحاديث ترويها بعد سن البلوغ. سيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على هذا. قال رحمه الله تعالى: وهو المسلم العاقل البالغ، سالماً من أسباب الفسق. أسباب الفسق معروفة وكثيرة: كركوب الكبائر، والإصرار على الصغائر، والمجاهرة بالذنوب، ونحوها. ومن الذنوب: السباب والشتم، ومن الذنوب أشياء كثيرة. فلا بد أن يكون سالماً من أسباب الفسق. والفسق لغة يشمل الكفر، ويشمل الكبائر، ويشمل الصغائر. والذي يراد هنا: الكبائر، والإصرار على الصغائر التي تجرح العدالة. المراد بالفسق هنا: الكبائر والصغائر التي يصر عليها فتسقط، أو فتسقط العدالة. سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة. خوارم المروءة: هي الأعمال التي إذا عملها الإنسان استخف به الناس. كأن يكون من عرف بعض البلدان مثلاً لبس العمائم، فيأتي شيخ وراوٍ فيخرج حاسر الرأس. هذا من خوارم المروءة، مع أنه يجوز حسر الرأس، لكن أهل هذا البلد يقبحون، يقبحون أن يكون المرء مكشوف الرأس مثلاً. هذا يعتبر من خوارم المروءة. بعض البلدان عندهم من خوارم المروءة الأكل في الأسواق، فيجب على طالب العلم، العالم، الراوي، والفقيه، والداعي أن يتجنب الأكل في الأسواق حتى لا يستخف به، ولا يغتاب، ولا أيضًا تسقط قيمته في الناس. هذا أيضًا من خوارم المروءة. بعض الناس عندهم من خوارم المروءة أشياء كثيرة بحسب الأعراف. خوارم المروءة تختلف من بلد إلى آخر، خوارم المروءة تختلف من بلد إلى آخر، وهي أمور في أعراف الناس مقبوحة من العالم أو من طالب العلم أو من غيرهم، مقبوحة. لماذا يذكر العلماء خوارم المروءة؟ يقول بعض أهل العلم كالخطيب البغدادي: لأن من اعتاد التهاون في مروءته قد يتهاون في روايته. من اعتاد التهاون في مروءته، رجل ما يستحي مثلاً، قد يكذب، ليس بعيداً أن يكذب، ليس بعيداً أن يفعل بعض الأمور، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». هذا ما عنده حياء، أو حياؤه قليل، فتراه يتجرأ، تراه يتجرأ. خوارم المروءة تختلف من بلد إلى آخر. لماذا يذكر العلماء خوارم المروءة؟ أما الفسق فلا نختلف فيه، الفسق يدل على ضعف العدالة، لكن خوارم المروءة تذكر خشية أن يتهاون فاعلها بالرواية، خشية أن يتهاون فاعلها بالرواية. وبعضهم قد يتشدد في الأمر: جاء شعبة أو غيره إلى بلد من البلدان إلى عالم، فوجده يجري في الطريق يريد أن يمسك بغلته أو حماره، يجري في الطريق، يجري خلف البغل أو الحمار. في عرف شعبة أن هذا من خوارم المروءة. قال: «هذا عالم، وأنت تجري خلف حمار تريد أن تمسك الحمار، والحمار شارد، وأنت وياه ومطراق، لا شوارع، يعني شوية». كذلك فرجع شعبة ولم يسمع منه، بطل فيه، رجع مباشرة إلى بلده. ليش؟ قال: «رأيته يجري خلف بردون». رآه يجري خلف بردون، يعني: ما يروق لك أنك تخبط هذا البردون، خلاص. رأى وصية حد، والله الله يعوض عليك. وهذا ربما يعني يكون فيه تشدد شوية، قد يكون محتاج، قد يكون أمانة عليه، قد يكون كذا، قد يخاف من أذاه للناس، يحتمل. فبعضهم قد يتشدد في هذا الأمر. الشاهد: شعبة رجع ولم يسمع منه. لماذا لم يسمع منه؟ قال: «رأيته يجري خلف بردون»، يعني: وهذا من خوارم المروءة، وأنا لا أحدث عن مثل هؤلاء. قال: وخوارم المروءة، سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وأن يكون مع ذلك متيقظاً غير مغفل. يعني: رجلاً يقظاً ما يغفل. فإذا قيل له: خلط عليك حديث في حديث، ينتبه، يقول: لا. وهذا الباب، سبحان الله، وجد بعض المحدثين أمرهم عجيب. يحكي ابن كثير صاحب الكتاب عن عمه، عمه؛ لأن ابن كثير تزوج ابنة المزي، أبو الحجاج، أبو الحجاج المزي، حافظ كبير من حفاظ الأمة، ومن تواضعه أيضاً، تتلمذ على ابن تيمية رحمه الله، وتأثر بابن تيمية، كان سلفياً رحمه الله. قال: «كنا نقرأ عليه فكان ينعس، ينعس، نائم. قال: فإذا أخطأنا انتبه وقال: أعدوا». سبحان الله، أول ما يسمع الخطأ يصحى من النوم، وإذا كان الأمر طيباً يعني يضطجع نائماً. سبحان الله، يقول ابن كثير: نتعجب منه، سبحان الله، أول ما يسمع الكلمة الخطأ يصحى، وإذا كانت القراءة طيبة ينام. هذا يقظ حتى في نومه، متيقظ حتى في نومه، منتبه. سبحان الله، هذا يوجد في بعض أهل العلم لشدة ضبطهم وتحريهم. قال المؤلف: أن يكون مع ذلك متيقظاً غير مغفل. المغفل هو الذي تختلط عليه الأمور، فيقال له: حدثكم بهذا الحديث ابن لهيعة، فيقول: أيها، أيها، نعم، نعم، وهو ما رأى ابن لهيعة، ما رآه. بعدين يباحثون، يقولون: يقول: أنا ما حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عبد الله بن عمر. طيب، الرجل سأل: قال لك ابن لهيعة؟ هذا نوع غفلة تدل على أن الرجل ربما يهم في الأحاديث. سيتوقفون في حديث، يقولون لك: هذا مغفل، هذا إنسان فيه غفلة، فيه غفلة. الغفلة في باب الرواية خطيرة، لكن الغفلة فيها بالدنيا ما في مشكلة منها، قد يكون العالم مغفلاً لكن في أمور الدنيا، في أمور الدنيا فيه غفلة. قيل في ترجمة محمد بن جعفر الملقب بغندر: «وكان فيه سلامة». ما معنى «وكان فيه سلامة»؟ وكان فيه سلامة رحمه الله، يعني: فيه غفلة، يعني: أمور الدنيا مغفل. تسمع أشياء منه وتتعجب، لكن لما يأتي الحديث، ما شاء الله، اللهم بارك. محمد بن جعفر الملقب بغندر، الغندر معناه: المشاغب، وليس بمشاغب. نقل أشياء من ذكر مما أذكر في ترجمته: قال: يعني عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكل أو شرب وهو صائم ناسيا فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». قال: «أخطأت في يوم ثلاث مرات، ثلاث مرات، ثلاث مرات كاملة، أنسى أنني صائم ثلاث مرات وآكل، وبعدين أقول: أوه، ما صائم، أتمم. وبعدين أرجع الظهر آكل، أقول: أوه، ما صائم، وأتمم. بعدين العصر، ما هو وجبة، بعدين: أوه، ما صائم، وأتمم». ثلاث مرات، هو يحكي لنفسه، يقول: هذا من غفلتي، هذا من زلات الغفلات، زلات الشردات، ثلاث مرات كررتها في يوم واحد. ولو من هذه الأشياء قصص، رحمه الله تعالى. لكن إذا جاء الحديث: لا، بل متيقظ، من رواة البخاري: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة. رجل يقظ، لكن في أمور الدنيا فيه غفلة، رحمه الله، فيه سلامة، وهو يحكي عن نفسه ويضحك، يحكي عن نفسه ويضحك. بعض الناس أيضاً يُقال عنهم أنهم فيهم غفلة. قال: «أردت أن أطبق سنة، والأخ من بعد القبضة»، قال: «فأخذت فوق القبضة». عنده غفلة شوية، فأخذ المقص، وشل من فوق، وفيقص من تحت، يطبق حديث ابن عمر. تقدم الكلام في المسألة، فصله من فوق. فسبحان الله، يعني ينقلون بعض الأشياء، لكن إذا جاء الحديث: منتبه، منتبه. يعني قال: وأن يكون مع ذلك متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدث من حفظه، حافظاً إن حدث من حفظه، فاهماً إن حدث على المعنى. لو روى بالمعنى يكون عنده فهم، فيقول بمعناه، ولا يأتي بمعنى بعيد. فإن اختل شرط مما ذكرنا ردت روايته. إذن هذه شروط لا بد منها في الراوي حتى يكون مقبولاً، هذه شروط لا بد منها في الراوي حتى يكون مقبولاً. ونقف عند هذا الموضع، ونقرأ غداً ما بعد هذا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً.