شرح الباعث الحثيث 44

الدرس في شرح الباعث الحثيث 44، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

مناقشة حديث يحمل هذا العلم وآراء العلماء فيه

يناقش المقطع حديث "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" واختلاف علماء الحديث في تصحيحه وتضعيفه، حيث أثبته الإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم بينما ضعفه ابن الصلاح وابن كثير. يوضح ابن كثير أن الحديث لو صح فهو مختص بالعلماء الذين يذبون عن الدين لا مطلق حملة العلم.

مصادر الانحراف الثلاثة وضوابط عدالة حملة العلم

يذكر النص ثلاثة مصادر رئيسية للانحراف هي تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، مبيناً أن العدالة تشترط الإخلاص والتقوى لا مجرد حمل العلم. يختم المقطع بضابط ضبط الراوي بموافقة الثقات كشرط للقبول.

أصول التعديل والتجريح وسبر مرويات الرواة

يشرح المقطع كيف يعتمد الأئمة على سبر مرويات الراوي ومقارنتها برواية الثقات للحكم بعدالته أو ضعفه، مبيناً أن التعديل يُقبل مطلقاً بينما لا يُقبل الجرح إلا مفسراً. يستشهد المقطع بقصة النسائي مع أحمد بن صالح المصري لتوضيح المنهج.

رد كلام الجارح وتطبيق قاعدة التثبت في الجرح

يشير المقطع إلى أن كلام الجارح مثل النسائي في أحمد بن صالح قد يكون له مخرج، حيث يمكن أن يغطي الصدق على الجرح عند صدوره. يستدعي ذلك التثبت في قبول الجرح وردّه وعدم التعجل في إسقاط الرواة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا نزال في كتاب شرح اختصار علوم الحديث المسمى بالباعث الحفيث. بعض الناس قال: هذه التسمية من الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، ووجد في بعض الأصول الخطية أيضا تسميته بالباعث الحديث، فلا يبعد أن يكون الإمام ابن كثير سماه كذلك. لا يبعد، يقول الحافظ الإمام المفسر العماد أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى ورحم سائر علمائنا المسلمين. قال ابن الصلاح: أي في المقدمة، وتوسع ابن عبد البر، وهو يوسف بن عبد البر بن عمر النمري، إمام عالم حافظ كبير من كبار أئمة المالكية، متوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة. وفي نفس العام توفي الخطيب البغدادي، فقيل: في هذا العام مات حافظ المشرق وحافظ المغرب. قال: وتوسع ابن عبد البر فقال: «كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل، محمول أمره على العدالة حتى يتبين جرحه»، لقوله عليه الصلاة والسلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله». قال ابن الصلاح: وفيما قاله اتساع غير مرضي، والله أعلم. أولا: حديث «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» فيه خلاف طويل بين علماء الحديث في تصحيحه وتضعيفه، والإمام أحمد رحمه الله أثبت بعض وجوهه واحتج بها، والإمام أحمد بن حنبل أثبته في بعض المواضع واحتج به. وللحديث طرق كثيرة، منها المراسيل، ومنها المنقطعات، ومنها ما هو معضل، وغالبها لا يصح. فالإمام أحمد في بعض المواضع يرى ثبوت هذا الحديث: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». وإلى الاحتجاج بهذا الحديث وإثباته ذهب كثير من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، ورحم سائر علمائنا المسلمين. هذا أولا بالنسبة لحديث «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله». وبقي أن ما ذهب إليه ابن عبد البر، يقول ابن كثير: قلت: لو صح ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قويا، ولكن في صحته نظر قوي، والأغلب عدم صحته، والله أعلم. قدمنا أن هذا الحديث له طرق كثيرة، وغالبها لا يصح، وأن الإمام أحمد أثبته في بعض المواضع، وهو حافظ وإمام من جهابذة أئمة الحديث، وتابعه بعض أهل الشأن من المتأخرين كابن تيمية وغيره، فالحديث إثباته ليس بعيدا بل هو قريب، لا سيما وقد أثبته في بعض المواضع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وغفر له. فإذا قلنا بثبوته، فهل قول ابن كثير: «قلت: لو صح ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قويا» هذا أيضا فيه نظر. فلو صح الحديث فهو في صنف خاص من العلماء، لا في كل من حمل العلم. هذا الحديث لو صح فإنه فيه تعديل لصنف موصوف بثلاثة أوصاف، وليس في مطلق حملة العلم. هذه الثلاثة الأوصاف هي: «ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». فهذا الصنف من العلماء الذين يذبون عن الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. والأصل في الانحراف والضلال أن يكون من أحد هذه الثلاثة: المسألة إما تحريفا لضال يضله الله عز وجل فيه، ذاك لضال غالٍ تحريف الغالي، أو انتحالا لمبطل في دعوى غير صحيحة وانتحال المبطلين، أو في تأويل النصوص وحملها على معاني غير صحيحة تخالف ما عليه السلف والأئمة. كما يقول ابن القيم: أكثر كل جميع أنواع الانحراف تخرج من هذا الباب، أنواع الانحراف تخرج من هذا الباب. فهذا صنف خاص، لكثرة الطاعنين فيهم وكثرة القادحين فيهم، عد لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلو صح الحديث لكان فيه رد لمطلق مذهب ابن عبد البر، وليس تأييدا لمذهب ابن عبد البر، والله أعلم. فليس كل من حمل العلم صار عدلا، وليس كل من اعتنى بالعلم صار بمجرد اعتنائه بالعلم عدلا. فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أخوف ما يخافه على أمته منافق عليم اللسان، وهذا عنده علم باللسان. ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «عليم اللسان»، هذا له شبه وله التماس للعلم في أبواب، ولكنه زائغ مفتون. نعم، صاحب العلم غالبا إذا كان ممن يريد الله والدار الآخرة لا يريد الدنيا يوفى، لأنه في طريقه إلى الله عز وجل، إذ هو طالب علم إذا كان مخلصا لله، إذا كان ممن يتقي الله عز وجل في أقواله وأفعاله. فمثل هذا الصنف الذي هو ليس من أصحاب الأهواء والتعصبات والتحزبات يوفق إن شاء الله تعالى. ولهذا وفق الله عددا من الأئمة كانوا على ضلالة وكانوا مهتمين بالعلم فنجاهم الله من تلك الضلالات، كأبي الحسن الأشعري خرج من الاعتزال ثم من مذهب الكلابية ثم تشبث بعقيدة الإمام أحمد بن حنبل في الجملة، رحمه الله تعالى وغفر له. وهذا الإمام ابن الوزير رحمه الله تعالى في بيئة شيعية زيدية معتزلية، ثم يكون عالما سنيا سلفيا رحمه الله تعالى، في تلك الظلمات يهديه الله جل جلاله إلى السنة وإلى العلم، لأنه رجل يريد الله والدار الآخرة، وليس من أهل الأهواء الذين إذا قيل لهم الحق كذا فخالف هواهم ردوا الحق لأجل هواهم أو لأجل دنياهم. كذلك الإمام الصنعاني رحمه الله، وكذلك الإمام الشوكاني رحمه الله، وغيرهم من أئمة الإسلام الهداة الأعلى، عاشوا في بيئات مظلمة بالبدع والجهل والضلالات، ثم صاروا عدولاً وأئمة، خالفوا قومهم واتبعوا الحق والدليل، فنصر الله بهم السنة. «يحمل هذا العلم من كل خلف عدول». يقول ابن الصلاح: وتوسع ابن عبد البر فقال: «كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل». هذا إذا كان ليس صاحب هوى، وإذا كان ممن جمع خصالا فيرجى أن يوفق الله عز وجل. وليس كل معروف العناية عدلا، فكم من أهل البدع من يكون معتنيا ببعض الفنون، عنده من فنون القراءات، أو عنده من فنون علم الحديث، أو عنده كذا أو كذا، لكنه زائغ صاحب هوى ضال مضل، نسأل الله العافية والسلامة. قال رحمه الله تعالى: ويعرف ضبط الراوي بموافقة الثقات لفظا أو معنى، وعكسه. هذا من شأن الحفاظ الجامعين للطرق، فإنهم يقارنون مرويات الراوي مع مرويات الثقات. فإذا وجدوا الراوي قد أصاب في مروياته فرحوا بذلك، وجعلوا هذا دليلا على صدقه وعلى ضبطه وعلى عدالته. ذكرنا فيما سبق حديث عائشة لما حدثها عروة رضي الله عنه بما سمعه من عبد الله بن عمرو بن العاص لما كان بالحج: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم» - في رواية: «حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». أرسلت عائشة عروة في العام المقبل، وقالت له: اذهب واسمع من عبد الله بن عمرو حديث قبض العلم. فعاد إليه وسأله، ثم عاد وجده يطوف بالبيت في الطواف. فلما رجع المدينة حكى لعائشة، فقالت عائشة: «عاد الشاهد، ما أراه إلا صدق، فإنه لم يزد في الحديث ولم ينقص منه شيئا». الشاهد: عرفته بثباته في الرواية، وأنه لم يزد ولم ينقص في لفظه ولا معنى. فإذا نظر في الراوي وجد ضابطا، وجد محافظا على الرواية على الحديث، موافقا لروايات الثقات، دل هذا على أنه ثقة. فإذا وجد مخالفا لروايات الثقات دل هذا على ضعفه. وهذا يعرفه الأئمة بسبر المرويات، يسبرون مرويات الراوي. أحيانا قد يخطئ الثقة، فيقولون: فلان بن فلان حدث بمائة ألف حديث، وغلط في عشر، عشر لا شيء في جنب المائة ألف أو نحوها. قال رحمه الله تعالى: والتعديل مقبول، ذكر السبب أو لم يذكر، لأن تعداده يطول، فقبل إطلاقه، بخلاف الجرح. يعني أن أسباب التعديل كثيرة، فلو أن كل إمام قلنا له: لما عدلته؟ قال: لأنه كذا، ولأنه كذا، ولأنه كذا، ولأنه كذا، لصعبت الأمور. ولهذا لا يشترط في التعديل أن يذكر السبب، لماذا هو عدل؟ قال: لأنه كذا وكذا. لا يشترط في التعديل ذكر السبب، لا يشترط في التعديل أن يذكر السبب. قال رحمه الله تعالى: بخلاف الجرح، فالجرح - يقول رحمه الله -: بخلاف الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسراً، غالباً. غالباً سيأتي أنه يقبل الجرح إذا كان من عارف بالأسباب، وهذا جرى عليه الأئمة. وإن لم يفسر، فإن احتيج إلى التفسير قلنا: لا بد منه. قال رحمه الله تعالى: بخلاف الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسراً، لاختلاف الناس في الأسباب المفسقة. فقد يعتقد الجارح شيئا فيضعفه، ولا يكون كذلك في نفس الأمر أو عند غيره. لهذا اشترط بيان السبب في الجرح. وقد يكون أيضا يوجد شيء من التحامل أحيانا عند بعض الجارحين، فيسألون لزاماً: لما قلتم كذا وكذا في فلان؟ وما المعاذير والأخطاء التي أوجبت حكمكم المذكور عليه؟ فقد يوجد عند بعض الجارحين شيئا من التحامل، كما قال العراقي في النسائي في واقعة كلامه في أحمد بن صالح المصري. كان أحمد بن صالح، وكان النسائي لما جاء يطلب العلم لم تكن فيه لحية، فكان يؤخره ويجلسه بعيدا، فوقع في نفس النسائي، ربما سمع بحجاب، فسئل عنه بعد رحلته فجرحه، وأحمد بن صالح رجل ثقة. ولهذا يقول العراقي رحمه الله في ألفيته: «وربما رد كلام الجارح كالنسائي في أحمد بن صالح». ربما رد كلام الجارح كالنسائي في أحمد بن صالح، فربما كان لجرح مخرج، غطى عليه الصدق، حين يجر