الدرس في شرح الباعث الحثيث 46، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يوضح المقطع أن مجرد عمل العالم أو فتواه دون ذكر الحديث لا يعد تصحيحاً له عند ابن الصلاح، بينما يرى ابن كثير أن ذكر الحديث في الفتيا يعد تقوية له. وينقل قول ابن الحاجب بأن حكم الحاكم العادل بشهادة راوٍ يعد تعديلاً له.
يتناول المقطع توسع المتأخرين في شرط العدالة للشهود منعاً لتعطل الأحكام، ويبين أن إعراض العالم عن حديث لا يقدح في صحته إذا وجد معارض أرجح. كما يفصل أقسام الرواة المجهولين إلى مجهول العين ومجهول الحال مع أمثلة لكل منهما.
يفرق المقطع بين العدالة الظاهرة والباطنة للرواة، مؤكداً أن مجرد اللقاء في الحج لا يثبت العدالة الباطنة. ويستعرض رأي بعض الشافعيين في قبول رواية المستور من كبار التابعين لقربهم من النبوة، مع ذكر خلاف سليم بن أيوب وابن الصلاح وإشارة ابن كثير لتفصيل البحث.
يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ثم يشكر الحضور على حسن الاستماع.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في كتاب شرح اختصار علوم الحديث للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، المتوفى سنة ٧٧٤ للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. ولازلنا في باب من تقبل روايته وممن تُرد، وهو باب من الأبواب المهمة. قال رحمه الله تعالى وغفر له: «قال: إذا قال: قال، فيريد...» إذا قال ابن كثير: «قال»، فيريد ابن الصلاح، كما قدمه يريد ابن الصلاح. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك فتوى العالم أو عمله على وفق حديث لا يستلزم تصحيحه له». وهذه المسألة من المسائل المهمة: هل فتوى العالم أو عمل العالم، أو هل عمل العالم على وفق حديث في مسألة ما، يدل على أنه احتج بهذا الحديث وصححه؟ يقول الإمام ابن الصلاح - يا أبا عمر رحمه الله -: «وكذلك فتوى العالم أو عمله على وفق حديث، على وفق حديث لا يستلزم تصحيحه له». قال ابن كثير: «قلت: وفي هذا نظر، إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث، أو تعرض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه». هكذا فصل ابن كثير رحمه الله تعالى. فالمسألة لها صور: هذه المسألة لها صور. أما مجرد الفتيا على وفق حديث، فلا تدل على أنه اعتمد على ذلك الحديث بعينه؛ فإنه قد يكون اعتمد على لفظ عام في القرآن، أو على قاعدة من قواعد أهل العلم، أو على قياس، أو على غير ذلك من أنواع الأدلة والاستدلال. ففتيا العالم لا تدل على تصحيحه لحديث ما. بقي إذا ذكر الحديث في سياقه: هذا محتمل بأن يكون ذكره احتجاجًا، أو ذكره اعتضادًا. فقد يكون احتج بالحديث، وقد يكون استشهد به في فتيا. والحاصل أن ذكر الحديث بعينه تقوية للحديث، إما بجعله في مراتب الشواهد، أو بجعله في مراتب الاحتجاج. إذا استشهد بالحديث وعمل بالحديث ثم ذكر الحديث، فيحتمل أنه جعله شاهدًا في باب الشواهد والمتابعات، ويحتمل أنه أراد الاحتجاج. وفي كل حال فهذه قرينة نافعة للحديث: إذا أفتى العالم بفتيا ثم استدل بحديث، فهذا فيه تقوية لذلك الحديث. لكن ابن الصلاح إنما ذكر مسألة أخرى: وهي إذا عمل بمقتضاه ولم يذكره، أو أفتى بمقتضاه ولم يذكره، فهذا لا شك ليس بتصحيح للحديث. فالصورة التي يتكلم فيها ابن الصلاح هي: عمل العالم بمقتضى حديث دون ذكره، أو فتواه بمقتضى حديث دون ذكره. فهل هذا يعتبر تصحيحًا للحديث؟ الجواب: لا، ليس بتصحيح. والصورة التي ذكرها ابن كثير: إذا ما أفتى بمسألة ثم ذكر الحديث في هذه الفتيا، فذكره للحديث في هذه الفتيا نوع تقوية للحديث، إما بجعله في مراتب الشواهد، أو بجعله في مراتب الاحتجاج، إما بجعله في مراتب الشواهد، أو بجعله في مراتب الاحتجاج. قال المؤلف رحمه الله تعالى وغفر له: قال ابن الحاجب: «وحكم الحاكم المشترط العدالة تعديل باتفاق». ابن الحاجب من علماء الأصول، وله كتاب في الأصول مشهور، وله كتاب أيضًا في النحو وهو المختصر المشهور. قال ابن الحاجب: «وحكم الحاكم المشترط العدالة تعديل باتفاق»، أي: للراوي تعديل للراوي إذا عمل بشهادة هذا الراوي. هذا في باب الشهادة. صورة المسألة: حصلت قضية ما، فقال الحاكم القاضي: «يا فلان، هل عندك شهود؟» فأتى بشاهدي، فحكم القاضي على مقتضى كلام الشاهدين. يقول ابن الحاجب: «وحكم الحاكم المشترط العدالة تعديل باتفاق». لكنه من المعلوم - تقدمت الإشارة إلى أنه - صرنا في زمان توسع فيه في شرط العدالة؛ ليست العدالة قديمًا كعدالة في الأزمان ما بعد السلف. فقد صار أمر العدالة قديمًا على شروط فيها شدة، لكن أمر العدالة الآن لو طُبق لتعطلت الأحكام. ولهذا قُبل كل من ظاهره ترك الكبائر، وإن كان حالقًا لحيته أو نحو ذلك؛ لأننا إذا اشترطنا شروطًا في العدالة أقوى من هذا لتعطلت المحاكم. فغالب الناس متساهلون في دينهم، غالب الناس متساهلون في دينهم. وعلى هذا، حكم الحاكم في المتأخرين على وفق شهادة شاهد ليس تعديلًا له. قال رحمه الله تعالى: «وأما إعراض العالم عن الحديث المعين بعد العلم به فليس قادحًا في الحديث باتفاق». يعني: يناقش مسألة، فيذكر له حديث ما، فلا يحتج بذلك الحديث في مسألة. إعراض العالم عن الحديث قد يكون له أسباب غير الصحة والضعف؛ فربما يرى أنه منسوخ، أو يرى أن دلالته غير ظاهرة، أو له معارض أقوى وأرجح، فأعرض عن هذا لما هو أقوى ولما هو أرجح. قال رحمه الله تعالى: «وأما إعراض العالم عن الحديث المعين بعد العلم به فليس قادحًا في الحديث باتفاق؛ لأنه قد يعدل عنه لمعارض أرجح عنده مع اعتقاده صحة هذا». معلوم، هذا معلوم. قال: «مسألة: مجهول العدالة ظاهرا وباطنا لا تقبل روايته عند الجمهور. ومن جُهِلت عدالته باطنا ولكنه عدل في الظاهر وهو المستور، فقد قال بقبوله بعض الشافعيين، ورجح ذلك سليم بن أيوب الفقيه، ووافقه ابن الصلاح، وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات، والله أعلم». الراوون إن كنا لا نعلم... الراوي على درجات ثلاث، أو على درجتين: فمن لم نعلم عدالته الظاهرة والباطنة فهذا مجهول العين. ومن علمنا عدالته الظاهرة ولم نعلم عدالته الباطنة فهذا مجهول الحال، وربما سماه بعض العلماء مستورًا. إذن الرواة المجهولون على قسمين: إما مجهول عين، وهو من لم تعلم عدالته ظاهرا ولا باطنا. ما صورة المسألة؟ ذكر راوٍ ولم نعلم: هل كان يصلي أم لم يكن يصلي؟ هل كان يصوم أم لم يكن يصوم؟ هل كان كذا أم لم يكن كذا؟ لا ندري عينه، لا ندري أمر عينه، فضلا عن أن ندري حاله، فهذا مجهول العين. وراوٍ آخر: قيل كان يعظ الناس في المسجد، هذا يدل على عدالته الظاهرة، كونه واعظًا كان يعظ الناس في المسجد. راوٍ آخر: قالوا «حدثنا إمام مسجد كذا»، يعني يصلي بالناس، هذا معناه أنه... فالظاهر عدل، لكن هل هو ضابط؟ هل هو عدل في الباقي؟ الله أعلم. هذا الصنف الثاني: إذا حدث قلنا هذا مجهول الحال، أي حاله مجهول، لكن عينه معروفة. أما الأول فعينه غير معروفة، ربما لا تكون موجودة، وقد تكون موجودة. فالأول مجهول العين، والثاني مجهول الحال. الثاني: إمام يصلي، حدثك بحديث، لا تدري ما حاله من أجل أن تقبل حديثه. وأما عينه وعدالته الظاهرة فهو إمام المسجد، عدل في الظاهر. «حدثني فلان في عرفة وكنا حجاجًا»: هذه عدالة ظاهرة أم باطن؟ هذه عدالة ظاهرة أم باطن؟ «حدثني فلان في عرفة ونحن حجاج»: عدالة ظاهرة، لا ندري حاله في باطنه، الله أعلم. لا ندري حفظه، لا ندري ضبطه، قد يكون من المتساهلين، قد يكون كذابًا. هل هذا احتمال وارد؟ إنسان يحج، معروف أنه كذاب يكذب؟ ممكن. قد يكون سارق؟ ما هو ببعيد. فالشاهد أن العدالة: ظاهرة أو باطن. يقول رحمه الله: «أما المستور فيقول: قال بقبوله بعض الشافعيين». أما في زمان التابعين: من علمت عدالته الظاهرة وكان في طبقة التابعين الكبار، فالأغلب... فالأولى تمشية حديث. جاءنا رجل وقال: «حدثني فلان بن فلان، وكان من المصلين المجاهدين»، عن أبي... وهو يروي عن أبي هريرة. هذا الرجل أين طبقته؟ قالوا: في طبقة كبار التابعين، يروي عن الصحابة، وهو من المجاهدين. هذه الطبقة أهل ديانة، هذه الطبقة أهل صدر، يقل فيهم الكذب. هذه الطبقة وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها بعد الصحابة خير الناس. هذه طبقة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فمثل هذا إذا لم يحدث بشيء منكر: يمشي، يمشي على التحقيق. لماذا؟ لأن الظن الغالب في مثلهم الصدق: مجاهد في سبيل الله، في زمن يقل فيه الكذب. أنتم تعلمون أن العرب قديمًا كانت تستعظم الكذب، العرب قديمًا كانوا يستعظمون الكذب، ويعدون الكذب في الجاهلية من مسقطات الرجولة. هكذا كان، حتى إن أبا سفيان لما سأله هرقل: جعله، جعل أصحابه خلفه، وجعل أبا سفيان أمامه، ثم سأله. قال أبو سفيان: «فلولا أن يأثروا علي كذبًا منهم... الذين يؤثّرون... الروم، هرقل، أصحابه، ولا الجماعة الذين جاءوا يتاجرون معهم، الذين خلفوه». يعني هؤلاء كلهم على دين الشرك، لكن كانوا يستعظمون الكذب. يعني يرجع البلاد يقولون: «الله، أبا سفيان يكذب، أبا سفيان يكذب». هذه عيبة كبيرة كبيرة في حق أبي سفيان، يعني كيف يكذب؟ «ولولا أن يأثروا علي كذبًا لكذبت». إذن كانوا هذا في الجاهلية، وهم خصوم النبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا صدق قبل إسلام وما كذب. شاهد هذا في زمان لا دين فيه، فكيف بزمان التابعين؟ تظنونهم... يعني يوجد فيهم كذب في زمن التابعين؟ هذا زمن قريب من النبوة، شاهدوا المعالم، عاشوا مع الصحابة، الإيمان قوي، الإيمان ظاهر في زمن التابعين. وكان الحديث ليس منكرًا، وكان الراوي عنه عدلًا: يمشي. أما على هذا الإطلاق فقد قال بقبوله بعض الشافعيين. قلنا: هذا لا مانع منه على التحقيق، كما يقول ابن حجر والذهبي وغيرهم، إذا كان في طبقة التابعين وكبار التابعين. أما من دونهم: لا. قال: «وردّ ذلك سليم بن أيوب الفقيه»، أحد كبار العلماء الشافعية، سليم بن أيوب، ووافقه ابن الصلاح الإمام المعروف. يقول ابن كثير: «وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات، والله أعلم». كتاب المقدمات لا ندري عنه، الله أعلم، ولعله من المخطوطات التي يسر الله عز وجل ظهورها في زمن آتٍ إن شاء الله تعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يرحم علماءنا، ويجزيهم عنا خير الجزاء، ويوفقنا لهداه، ويصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا لكم.