الدرس في شرح الباعث الحثيث 48، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض المقطع خلاف العلماء في قبول رواية من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تاب، حيث ذهب الأئمة أحمد وأبو بكر الحميدي إلى رد روايته مطلقاً، بينما رأى بعض المتأخرين قبول توبته إذا صحت. كما يبين حكم من أخطأ في الحديث ثم عُرف الصواب فأصر على خطئه، حيث شبهه أحمد وابن المبارك بالكاذب المتعمد وردوا روايته، مع تفصيل في عقوبة الكاذب على النبي بأنها ترجع لاجتهاد القاضي وفق المصلحة.
يناقش المقطع مسألة قبول رواية الثقة عن الثقة إذا أنكر الشيخ سماع الحديث بالكلية أو نسيه، مقرراً مذهب الشافعي وأحمد وابن كثير بقبول رواية التلميذ وعدم قدح إنكار الشيخ أو نسيانه في ثقته. ويستدل على ذلك بأمثلة من الرواة كسليمان بن موسى مع الزهري، وربيعة مع سهيل، وعمر بن دينار مع أبي معبد، مفرقاً بين الإنكار الجازم والجهل والنسيان.
يعلن المتحدث عن التوقف عند هذا الموضع من الدرس، مع الإشارة إلى احتمال وجود أسئلة أو استكمال في وقت لاحق إن شاء الله. ويختتم الجلسة بالدعاء والتسليم.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ المفسر الإمام أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه النافع الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث: قال: "مسألة: التائب من الكذب في حديث الناس تُقبل روايته، خلافاً لأبي بكر الصيرفي. فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمداً، فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدي شيخ البخاري - واسمه عبد الله بن الزبير، وهو أول شيخ افتتح به البخاري صحيحه في كتاب الوحي، فقال: حدثنا عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي - قال: فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الصيرفي، من أئمة الشافعية، أبو بكر الصيرفي من أئمة الشافعية. قال: فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمداً، هذه مسألة أخرى. مسألة الأولى: التائب من الكذب في حديث الناس، من عره بتعمد الكذب في حديث الناس ثم تاب من ذلك، فهل يقبل روايته للحديث؟ التائب من الكذب في حديث الناس، ثم هل تقبل روايته للحديث الذي عليه أهل الحديث؟ قبول روايته إذا صحت توبته، إذا صحت توبته قبلت روايته. قال: فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمداً، هذه مسألة أخرى: الذي يكذب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم يتوب. قال: فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمداً، فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدي شيخ البخاري أنه لا تقبل روايته أبداً. وقال أبو المظفر السمعاني: من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه. الكذب على رسول الله، الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم. من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. وبعض المتأخرين يقبل توبة الكاذب كذباً عمداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعض المتأخرين يقبل توبته إن صحت. ولكن الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد وغيرهم يردون حديثه إذا ثبت تعمده للكذب، وردهم لحديثه ليس رداً لتوبته، فهذا باب آخر. ردهم لحديثه ليس رداً لتوبته، ولكن من باب الأخذ بالحزم في هذا الباب، ومن باب أخذ الحزم في باب الرواية. من كذب متعمداً لا يقبلون روايته. هذا نوع من الزجر عن الكذب على رسول الله، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم، ليس كك... إن كذباً علي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس ككذب على أحد سواء. إن كذباً علي ليس ككذب على أحد سواء. قال رحمه الله تعالى: قلت، يقول ابن كثير: ومن العلماء من كفر متعمد الكذب في الحديث النبوي. هذا منقول عن أبي محمد الجويني، والد عبد الله بن يوسف الملقب بإمام الحرمين. وهذا القول كما قدمت مراراً قبله في باب الموضوع، يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يميل إليه في كلامه في الصارم المسلول على شاتم الرسول. إن كذباً علي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس ككذب على أحد سواء. فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم عظيم. فإذا كذب متعمداً، قال بعض العلماء يكفر، وأكثر أهل العلم على أنه لا يكفر، وإنما هذا ذنب وكبيرة من كبائر الذنوب. يقول ابن كثير: قلت، ومن العلماء من كفر متعمد الكذب في الحديث النبوي، ومنهم من يحتم قتله. وقد حررت ذلك في المقدمات. أما قتله فيرجع إلى اجتهاد القاضي، أن رأى أن مثله مفسد لا تنقطع مفسدته ومضرته على الإسلام إلا بقتله، فللقاضي أن يحكم بذلك. لكن الأصل أنه لا يقتل، فهذه حالة اجتهادية ينظر فيها في الحكم بحسب الحاجة والقرائن فيما يترجح للقاضي في هذه المسألة. وهذا لا يعارض كلام غيرهم من أهل العلم من لا يرى قتل الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحين تذكر هذه المسألة لا يعني أن يقوم بها أحد الناس، إنما هذا لولاة الأمور أو لمن كانوا أهل حسبة بإذن ولاة الأمور، وإلا حصلت الفوضى في الأمة وفي بلاد الإسلام، فكل يقتل الآخر ويدعي عليه أنه كاذب على رسول الله أو أنه كذا أو أنه كذا. وكم من الناس من يريد أن يكون مدعياً للدعوة وقاضياً فيها وجلاداً أيضاً، يجمع بين الثلاث: فهو المدعي، والأصل دراسة دعوة والنظر في فحواها بالحق والعدل، ثم يريد أن يكون قاضياً يحكم لدعواه بالصح، ثم يريد أن يكون جلاداً أيضاً. وهذا من اتباع الهوى ومن التعسف والظلم، نسأل الله العافية والسلام. يقول ابن كثير: وأما من غلط في حديث فبين له الصواب فلم يرجع إليه، هذه مسألة ثالثة: غلط في الحديث ثم بين له الصواب فلم يرجع إليه. فقال ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدي: لا تقبل روايته أيضاً، لا تقبل روايته أيضاً؛ لأنه يشبه من وجه متعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يعلم غلطه ثم يصر على نسبة غلطه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو يعلم غلطه ثم يأبى إلا أن يستمر على نسبة هذا الغلط إلى رسول الله، فهو من جنس من يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمداً. ولهذا يقول الإمام ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدي: لا تقبل روايته مطلقاً. يعني أن هذا قادح في عدالته، فالعدالة تقتضي الخوف من الله عز وجل، وإذا بان له الغلط ووجب رجوعه خوفاً من الباري سبحانه. قال: وتوسط بعضهم فقال: إن كان عدم رجوعه إلى الصواب عناداً فهذا يلتحق بمن كذب متعمداً، وإلا فلا. هذا الكلام اختاره ابن الصلاح أيضاً وغيره من المحدثين، وأظنه لا يخالف كلام الأولين، أظن هذا الكلام لا يخالف كلام الأولين. فكلام الأولين في المعاند خاص، وليس في المخطئ الذي يظن صواب نفسه ويتأول صحة قوله، ولم يظهر له صواب قول من خالفه، فلا خلاف بين القولين، والله أعلم. لا خلاف بين القولين. هذا التفصيل هو كالشرح لقول الأولين، والأولون حين ردوا رواية المصر على الخطأ بعد علمه لهم حالة هذه الحالة عندهم هي حالة العناد: أن يبين له الخطأ والصواب في الرواية فيعاند، فهذا من جنس من يكذب على رسول الله. وأما المتأول الذي يظن صواب نفسه فهذا متأول معذور، ولا ترد روايته، ولا يلحق هذا الرد بتأويل عدالته. قال: ومنها هنا: ينبغي التحرز من الكذب كلما أمكن، فلا يحدث إلا من أصل معتمد، ويرتقب الشواذ والمنكرات لأنها مضنة أن تكون كذباً. فقد قال القاضي أبو يوسف الإمام المعروف، من أئمة فقهاء الحنفية، وكانت عقيدته حسنة كما قال الأئمة رحمه الله: من تتبع غرائب الحديث كذب، أي في نسبة الأثر إلى رسول الله، وهو من غرائب الحديث التي هي منكرات وأخطاء، إنما تحفظ لينبه عليها لا لأجل أن تخلط بالأحاديث الصحيحة. من تتبع غرائب الحديث كذب. وفي الأثر: كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع. هذا رواه مسلم في المقدمة. هذا رواه مسلم، ومعناه صحيح في المقدمة. كفى بالمرء إثماً أو كذباً أن يحدث بكل ما سمع. هذا في مقدمة مسلم، ومقدمة مسلم ليست بحكم الصحيح فتحتاج إلى إثبات في الأحاديث. قال: مسألة: إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث فأنكر الشيخ سماعه لذلك الحديث بالكلية، لذلك بالكلية. هذه مسألة أخرى أيضاً: أن يكون الراوي يحدث عن الراوي وكلاهما ثقتان، الشيخ والتلميذ، فيقول الشيخ للتلميذ: ما حدثتك بهذا الحديث، من أين جئت به؟ فيقول التلميذ: بلى والله قد حدثتني بهذا. فيقول الشيخ: لا والله ما حدثتك به. فيختلف قول الشيخ وقول التلميذ، الشيخ ينكر والتلميذ يثبت. قال رحمه الله تعالى: مسألة: إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث فأنكر الشيخ سماعه لذلك بالكلية، فاختار ابن الصلاح أنه لا تقبل روايته عنه لجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة راوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعه، فإنه تقبل روايته عنه. وأما إذا نسيه فإن الجمهور يقبلونه. ووده بعض الحنفية كحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، أيما امرأة نكحت أو نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. قال ابن جريج: فلقيت الزهري. سليمان بن موسى ثقة ويروي عن الزهري وهو إمام ثقة، وعروة ثقة معروف، وعائشة الصحابية رضي الله عنها. أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، نكحت نفسها عندكم. ثم قال: إيش، وهو خطأ ومخالف للرواية. إذن كلمة "نفسها" تضعونها بين مربعين، كلمة "نفسها" تضعونها بين مربعين مدرجة: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرف، يعني حديث أيما امرأة. وكحديث ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين، ثم نسي سهيل لآفة حصلت له، سهيل حصل له آفة فصار فيه نسيان، رحمه الله، فكان يقول: حدثني ربيعة عني، سبحان الله. هذه المسألة يقول عنها العلماء: باب من حدث ونسي. والأصل أن الثقة لا يقدح فيه بمثل هذا، فإنه عندنا ثقة، ولا نقدح في الثقة إلا بقادح، ومثل هذا ليس بقادح. فقد أثبتنا له أنه ثقة، وهذا له نظائر أيضاً. منها حديث عمر بن دينار عن أبي معبد عن عبد الله بن عباس، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم... عن ابن عباس قال: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير، كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير. قال عمر بن دينار: فلقيت أبا معبد فذكرت له الحديث فأنكره جداً وقال: ما حدثتك بهذا. قال عمر: وقلت بلى قد حدثت. يقول الإمام الشافعي وغيره من العلماء عند هذا الحديث، الحديث في صحيح مسلم، يقول هؤلاء: وهذا في صورة الإنكار والجحود من أبي معبد، يقول لعمر بن دينار: ما حدثتك بهذا أبداً، وأصر على إنكار الحديث. يقول العلماء: لا يقدح هذا في عمر بن دينار ولا في روايته عن أبي معبد، بل كلاهما ثقتان مقبولان صادقان، فرواية عمر بن دينار مقبولة عن أبي معبد، وإنكار أبي معبد لا يقدح في عمر بن دينار. هكذا قال الشافعي وأحمد وغيرهم من أهل العلم. قال ابن كثير: قلت، وهذا أولى بالقبول من الأول. وقد جمع الخطيب كتاباً في من حدث بحديث ثم نسي. طيب، نقف عند هذا الموضع، فإذا كان لكم شيء... إلا وقفنا ها هنا إن شاء الله تعالى.