الدرس في باب النجاسات 5، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
استعرض المقطع أقوال العلماء في طهارة المني، حيث ذهب الشافعي وأحمد وداود إلى طهارته واستحباب غسله، بينما رأى مالك والثوري والأوزاعي نجاسته. رجح المحققون كابن تيمية وابن القيم طهارته قياساً على المخاط والبصاق مع تفصيل صفته وحكم الصلاة فيما أصابه.
بين المقطع أن المني طاهر بالأدلة الشرعية، بينما المذي نجس بإجماع منقول وجمهور العلماء ويجب غسله إذا أصاب الثوب، مع جواز الاكتفاء بالنضح عند الإمام أحمد. أما الودي فهو ماء ثخين يخرج بعد البول وحكمه النجاسة عند الجمهور ويغسل كالمذي.
تناول المقطع حكم رطوبة فرج المرأة وهي ماء متردد بين المذي والعرق، واختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: النجاسة، والطهارة، والتفصيل. الأصل في الأشياء الطهارة حتى يثبت دليل النجاسة، واستدل بطهارتها بحديث عائشة في صحيح مسلم، ورجح النووي طهارتها، كما أن رطوبة فرج الحيوان طاهرة بالاتفاق.
اختتم المتحدث شرحه للمسائل المتعلقة بقول الناظم: «وكل ما ظهر من السبيلين سوى أصل البشر»، وختم المجلس بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. قال رحمه الله تعالى وغفر له: «والدم والقيء وكل ما ظهر من السبيلين سوى أصل البشر». تقدم الكلام على الدم والقيء، تقدم الكلام مفصلًا على الدم وعلى القيء، وأن الراجح في القيء أنه طاهر. تقدم الكلام على هذا، وكل ما ظهر من السبيلين سوى أصل البشر، فكل ما خرج من السبيلين يعني القبل والدبر فهو نجس. كل ما خرج من السبيلين يعني القبل والدبر فهذا نجس، سواء كان مذيا أو وديا أو دما أو ريحا أو غير ذلك. وكل ما ظهر من السبيلين أي الفرج القبل والدبر سوى أصل البشر، يعني المني الذي هو أصل الإنسان، المني الذي هو أصل الإنسان. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى﴾، فهذا أصل الإنسان. ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى﴾، هذا أصل الإنسان. ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى﴾، والمني طاهر في مذهب، في مذهب، هذا هو المذهب في مذهب الإمام أبي عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى، وكذلك هو مذهب أحمد بن حنبل وداود الظاهري. لكنه مستقدر، لكنه مستقدر كالبصاقي والمخاطي ونحو ذلك، مستقدر كهذه الأموم. وذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أن المني نجس، وبهذا قال الثوري والأوزاعي وطائفة من أهل العلم، أن المني نجس لأنه خارج من القبل. تقدم الكلام على دليل الطهارة، وأن المني يدل على طهارته حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح الإمام مسلم رحمه الله: «لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فركا فيصلي فيه». هذا يدل على طهارته لأنه لم يشترط غسله وتغسيل الثوب، لم يشترط تغسيل الثوب، فدل على أنه طاهر. «كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا ثم يصليه». والمني أشبه ما يكون بالفضلات الطيبة الشريفة، المني أشبه ما يكون بالفضلات الشريفة كاللبن ونحوه، وغلط من قال إنه يشبه الفضلات الخبيثة كالبول والغائط ونحو ذلك. في رواية للإمام مسلم رحمه الله: «فيها الغسل، فيها الغسل، المني فأغسله». وهذا يحمل على الاستحباب عند أهل العلم، ولا تعارض بين الروايات، فالمستحب والأفضل غسله، فإن لم يتيسر إلا فركه جاز، فإن لم يتيسر إلا نضحه جاز، فإن لم يفعل شيئا جاز لأنه طاهر في أصله. يقول الإمام أبو عبد الله الشافعي في الأم في المجلد الأول الصفحة الثانية والثلاثين: «المني غير نجس، والغسل منه، والغسل يجب به، أي بسببه لأنه جنابة، فيغتسل غسل الجنابة، والغسل يجب به، وإنما الوضوء والغسل تعبدا، أي أمور تعبدية، فحيثما أمرنا بالغسل نغتسل، وحيثما أمرنا بالوضوء نتوضأ». وقال أيضا رحمه الله تعالى في المجلد الأول في الصفحة الثانية والسبعين: «والمني ليس بنجس، فإن قيل: فلِمَ يفرك أو يمسح؟ قيل: كما يفرك المخاط أو البصاق أو الطن، أو الطن يعني الذي يكون، أو الطين هذا الصواب، الطين الذي يكون في الثوب يفرك، وكذلك الشيء من الطعام يلتصق بالثوب». يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «تنظيفا لا تنجيسا». هذا كله من باب النظافة ليس من باب النجاسة، فإن صلى فيه قبل أن يفرك أو يمسح فلا بأس. انتهى كلام الإمام الشافعي. وهناك قول ثالث في المسألة: أن المني نجس وتطهيره مجزئ بالفرق إذا كان يابسا، وهذا قول أبي حنيفة وإسحاق ورواية عن الإمام أحمد، يعني يجزئ الفرق، إذن هو طاهر، إذن هو نجس ولكنه خفف في أمر التطهير منه. الراجح أن المني طاهر مستقدر كالمخاطي، وهذا الذي انتصر له المحققون من أهل العلم كابن تيمية وابن القيم، له رسالة تقدم ذكرها، له جزء في ضمن الفوائد، مناظرة في ذكر أدلة القائلين بتنجيس المني والقائلين بطهارته، يراجع ذلك المبحث فقد استوفى أدلة الباب. بقي أن يقال: ما هو المني؟ المني هو ماء الرجل والمرأة، المني هو ماء الرجل والمرأة، وهو ماء غليظ في الرجل دافق، ماء غليظ دافق يخرج عند اشتداد الشهوة، ماء غليظ دافق أي يخرج متدفقا شيئا فشيئا، هذا هو المني عند الفقهاء، يخرج عند اشتداد الشهوة، هذا هو المني. قلنا: والراجح أنه طاهر لأنه أصل الإنسان، ولا يكون أصل الإنسان نجسا، فإذا كان الإنسان طاهرا فأصله طاهر أيضا، ولأنه فضلة شريفة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسله، لم يأمر بغسله، لم يأمر بغسله صلى الله عليه وسلم. في الباب أيضا ينبغي الكلام على المذي، أو المذي في كلام الإمام أبي عبد الله الشافعي، أو في كلام الناظم في مذهب الشافعية: «وكل ما ظهر من السبيلين سوى أصل البشر»، أي نجس، كل ما خرج فالأصل النجاسة سوى المني، فما حكم المذي؟ المذي: أولا هو ماء رقيق يخرج عند الملاعبة، ملاعبة الرجل لامرأة، يميل ويضرب إلى البياض، هذا هو المذي، هذا هو المذي عند أهل العلم، والغالب أن يكون على رأس الذكر، الغالب في المذي والمذي أن يكون على رأس الذكر على طرف الذكر، هذا هو المذي. أما الودي فهو ماء ثخين أبيض كدر يخرج عقب البول، أي بعد أن يبول يسيل ذلك الماء الذي فيه لزوجة وثخن وفيه كدرة، وهو مائل إلى البياض، وهو مائل إلى البياض. وقال بعض جماعة من الفقهاء: إن خروج الودي عقب البول هذا غالب، لكن قد يخرج لأسباب أخر، كإنسان حمل شيئا ثقيلا قد يخرج منه الودي، وقد يخرج بلا سبب معروف يخرج هكذا. الحاصل أن صفته: هو ماء ثخين أبيض كدر يخرج عقب البول، والمذي ماء رقيق يخرج عند الملاعبة ويضرب إلى البياض، يكون على طرف الذكر. بالنسبة للمذي فيه حديث مشهور، هو حديث علي قال: «كنت رجلا مذاء، أي كثير المذي، كنت رجلا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمكان ابنته مني، أي فاطمة رضي الله عنها، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: له يغسل ذكره ويتوضأ». هذا حديث معروف متفق عليه بين البخاري ومسلم. فقوله صلى الله عليه وسلم في المذي: «يغسل ذكره ويتوضأ»، دليل على نجاسته، وهذا نقل فيه الإجماع بين أهل العلم أن المذي نجس، نقل في ذلك الإجماع بين أهل العلم، نقله ابن عبد البر وغير واحد، ونقله أيضا النووي رحمه الله تعالى جميعا في المجموع وغيره. لكن الصحيح أن في المسألة خلافا، ففي رواية عن الإمام أحمد القول بطهارة، ذكرها المرداوي في الإنصاف، في رواية أشار الإمام أحمد رحمه الله إلى طهارة للمذي، رواية ذكرها المرداوي في الإنصاف المجلد الثاني صفحة التاسعة والعشرين والثلاثمائة، ذكرها المرداوي في هذا الموضع، ما قبله ما بعده، أشار إليه. والرواية المشهورة عن الإمام أحمد أن المذي نجس. إذا عرفنا هذا فكيف يطهر المذي وكيف يتطهر منه؟ جمهور أهل العلم على وجوب الغسل، غسل المذي إن وقع في ثوب أو غير ذلك يجب غسل المذي، والإمام أحمد يقول: أرجو أن يجزئه النضح، النضح يعني الرش، كبول الصغير، ورش رش، هذا هو النضح، يعني نوع تبليل بلل، هذا هو النضح. احتج الإمام أحمد برواية في صحيح مسلم في حديث علي: «توضأ وانضح فرجك». الجمهور يقولون: هذه الرواية محمولة على الرواية الأخرى: «توضأ، يغسل ذكره ويتوضأ»، فلا تعارض بينهم. هو الإمام أحمد يقول: النضح أسهل، النضح أسهل، هكذا يقول الإمام رحمه الله. والمعمول به في المسألة قول جماهير أهل العلم بوجوب الغسل لقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية المشهورة المتفق عليها: «يغسل ذكره ويتوضأ»، فهذا في سياق الإخبار ولكنه أمر، أي ليغسل ذكره ويتوضأ، هذا يفيد الأمر والوجوب. والودي ما حكمه؟ الإمام أحمد بناء على هذه الرواية بالنضح، ما لأ أو استنبط من كلامه القول بطهارة المذي، وتقدم أن الإجماع منقول على نجاسة المذي، فإذا وقع في الثوب الواجب الغسل، الواجب الغسل، الغسل يكون فيه ماء لو عصر، لكن النضح قد لا يخرج شيء، هذا من الفوارق بين الغسل والنضح، النضح إذا نضحت الشيء رششت عليه شيئا من الماء، فلو عصر قد لا يخرج شيئا، قد لا يخرج منه شيئا، لكن الغسل يخرج منه نوع صب، وفيه فرق، وفيه كذا، وفيه خارج بعد الغسل من هذا الموضع. المذي انتهينا منه وأنه نجس عند عامة، عامة، عامة أهل العلم، والودي كذلك، نقل فيه الإجماع، نقله ابن عبد البر في الاستذكار وغيره من أهل العلم، والنووي كذلك، وقيل إنه طاهر، لكن الإجماع على أنه نجس، فحكمه الغسل، كذلك حكمه الغسل. كذلك من المسائل التابعة لمثل هذا البيت أيضا: رطوبة، رطوبة فرج المرأة، وينبغي أولا أن نعلم ما هي هذه الرطوبة التي يذكرها أهل العلم. هذه الرطوبة التي يجري الكلام فيها هي ماء متردد بين المذي والعرق، وهذه اختلف العلماء في نجاستها. تقدمت أيضا المسألة، ولكن نحن الآن نعيدها فقط لتقدمت المسألة. هذه مما اختلف فيها العلماء في نجاسة رطوبة فرج المرأة على أقوال مشهورة ثلاثة: القول الأول: أنها نجسة. القول الثاني: أنها طاهرة، القول الأول أن رطوبة فرج المرأة طاهرة، وهذا قول أبي حنيفة، وبه قال الحنفية، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، ويتخرج على هذا كما تقدمت الإشارة أن الولد إذا خرج مبللا أو فيه رطوبة من فرج المرأة عند الولادة، فإن الأصل في تلك الرطوبة أنها طاهرة، هذا فرع يتفرع عن هذه المسألة عند من يقول بالطهارة. ومحل المسألة ما لم يخرج ومعه دم، مع الرطوبة دم أو مذي أو مني الرجل أو المرأة، هذه أربعة أحوال، فإذا خرج ماء كالعرق اشتبه فالأصل طهارة ما لم يكن فيه دم، فإذا كان فيه دم فالبحث آخر وهو النجاسة، أو مذي كذلك البحث آخره النجاسة، أو فيه مني الرجل أي بعد الجماع، أو مني المرأة، هذه أربعة أحوال ليست من موضع البحث والمنازعة. كلامنا في الرطوبة المجردة: نجسة، وهذا مذهب المالكية، وهو قول صاحبي أبي حنيفة، يترتب على هذا أمور، إذا قلنا إن رطوبة فرج المرأة نجسة يترتب على هذا القول أمور، منها نجاسة ذكر الواطئ، أو المرأة إذا أدخلت أصبعها أو أدخلت خرقة في فرجها، فكل ذلك يتنجس بناء على هذا القول، كذلك الطفل إذا خرج يجب غسله، وهذه مشقة. القول الثالث: فيه التفصيل في المسألة، وهو في مذهب الشافعي، فيه التفصيل في المسألة: إن كانت الرطوبة في المحل الذي يجب غسله في الغسل والاستنجاء، أي في ظاهر الفرج، إن كانت الرطوبة في ظاهر الفرج في فرج المرأة فعند الشافعية هذا طاهر، أقرب ما يكون إلى العرق، إن كان في ظاهر فرج المرأة فهذا كالعرق فهو طاهر. وإن كانت الرطوبة خارجة من داخل الفرج من باطنه، إن كانت الرطوبة خارجة من داخل الفرج من باطن الفرج والمرأة ما وراء موضع الجماع من الذكر، فهذا فهذه رطوبة نجسة، خارجة من باطن الفرج، هذا قول جمهور العلماء، خلافا للحنابلة والحنفية الذين يرون أن الرطوبة طاهرة. بقي، بقي موضع ثالث: إذا كانت الرطوبة ليست من عمق الفرج، وإنما بعد، أو إنما يعني في داخله دون أن تصل إلى ما بعد موضع المجامعة، فهذا فيه خلاف، والأصح عند الشافعية الطهارة، والأصح عند الشافعية الطهارة. وتقدم أن هذه المسألة برمتها ينبغي أن ترجع إلى أصل أصيل، يقال في نظائر هذا الباب، وهو أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يثبت دليل النجاسة، الأصل في الأشياء الطهارة حتى يثبت دليل النجاسة. وتقدم حديث عائشة في صحيح مسلم: «كنت أحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسا بظفرى». يقول النووي في شرح مسلم، يقول الإمام أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم المجلد الثالث الصفحة الثامنة والتسعين بعد المئة: «وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على طهارة رطوبة فرج المرأة، وفيها خلاف مشهور عندنا وعند غيرنا، والأظهر والأظهر طهارتها». هذا هو الأظهر كما يرجحه الإمام النووي رحمه الله، وكما أفاض بالقول في المسألة في المجموع. وأيضا رطوبة فرج الحيوان كذلك، سخلة، رخلة، مسكها يرضعها، يقول كذا، وإذا به حس بلل من خلفها ليس ببول، رطوبة الأصل الطهارة كما تقدم، وهذا ما جزم به الشافعي، بل نقل بعض أهل العلم كابن عابدين من الحنفية الإجماع على ذلك، يقولون هي بمنزلة رطوبة الفم ورطوبة الأنف، وكذلك منزلة العرق الخارج من البدن. فهذه مسائل تتعلق بقول الناظم رحمه الله تعالى: «وكل ما ظهر من السبيلين سوى أصل البشر». هذا، وصل الله وسلم على نبينا محمد على آله وصحبه وسلم.