باب النجاسات 4

الدرس في باب النجاسات 4، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حكم نجاسة ميتة الآدمي وأنواع الدماء

يبين المقطع أن ميتة الآدمي طاهرة سواء كان مؤمناً أو كافراً مستدلاً بقوله تعالى ﴿لقد كرمنا بني آدم﴾ وحديث «إن المؤمن لا ينجس». ثم يفصل في أنواع الدماء الثلاثة: دم الحيض نجس بالإجماع، ودم الإنسان الخارج من الجروح، ودم الحيوان المأكول اللحم، وهما نجسان عند الأئمة الأربعة، مع ذكر قول بعض المتأخرين بطهارة الدماء إلا دم الحيض.

أدلة نجاسة الدم والقيح والإجماع والخلاف

يستعرض المقطع أدلة الجمهور على نجاسة الدم مستندين إلى الآية والقياس والإجماع، ويناقش شبهة القياس على دم الحيض وردها، ويستدل بحديث سلى الجزور على طهارة دم ما يؤكل لحمه. ينقل إجماع العلماء على نجاسة الدم المسفوح وتفريق الإمام أحمد بين الدم والقيح، ويرجح عدم ثبوت نجاسة القيح والصديد لاختلاف صفتهما عن الدم.

أحكام طهارة دماء السمك والجراد والكبد والطحال وحكم القيء

يناقش المقطع الخلاف الفقهي حول طهارة دماء السمك والجراد والكبد والطحال، حيث يرى الشافعية قولين والراجح الطهارة لحديث «أحلت لنا ميتتان ودمان»، بينما يراها المالكية والحنابلة نجسة. كما يبحث حكم القيء فالمذهب الشافعي المعتمد ينجسه، ويرى الرملي طهارته إذا لم يهضم، والحنفية يفرقون بين ملء الفم ودونه، والراجح طهارته للأصل وعدم الدليل الصريح.

فوائد القيء وآدابه وضوابطه عند ابن القيم

يذكر ابن القيم فوائد القيء في تنقية المعدة وعلاج أمراض مزمنة، وينصح الصحيح باستعماله مرتين في الشهر مع ضوابط، ويحذر من الإكثار منه أو تعمده بعد الشبع. يبين آداب ما بعد القيء كعصب العينين وقمط البطن وغسل الوجه بماء بارد وشرب شراب التفاح وماء الورد، ويقرر طهارته شرعاً مع استقذاره.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذه المنظومة النافعة وهي صفوة الزبد فيما عليه المعتمد للعلامة أحمد بن الحسين ابن رسلان رحمه الله تعالى وغفر له المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة ببيت المقدس. ولازلنا في باب النجاسات. يقول الناظم رحمه الله: «وميتة مع العظام والشعر والصوف لا مأكولة ولا بشر». تقدم الكلام على هذا، وفي آخره الكلام على «ولا بشر» أي ولا ميتة بشر، فإنها لا تكون نجسة. ميتة البشر ليست بنجسة. يقول الله جل جلاله: ﴿لقد كرمنا بني آدم﴾. وفي حديث أبي هريرة: «إن المؤمن لا ينجس». في أثر ابن عباس في صحيح البخاري ترجم به ابن عباس، ساقه البخاري ضمن ترجمة في صحيحه، وقال ابن عباس: «إن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا». فإن قال قائل: فقول الله عز وجل: ﴿إنما المشركون نجس﴾؟ المراد بالنجاسة ليست نجاسة الأبدان، وإن كان بعض المشركين قد لا يتحرز عن النجاسات كما يحصل في هذا الزمان فيما نسمع من الأخبار، تقل فيهم النظافة والاحتراز عن بعض النجاسات فيما نسمع. لكن المراد بقوله سبحانه: ﴿إنما المشركون نجس﴾ نجاسة الاعتقاد. ولهذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربط بعض المشركين في المسجد، كان يربطهم في سارية المسجد، وفي هذا الباب أحاديث، فدل على أنه ليس بنجس البدن، إذ لو كان نجس البدن ما جاز أن يبقى في بيت الله عز وجل. فميتة البشر كافراً أو مسلماً لا دليل على نجاستها، بل في الدليل ما يدل على طهارة تلك الميتة، طهارة تلك الميتة أي الجثة. «وميتة مع العظام والشعر والصوف لا مأكولة ولا بشر والدم والقيء وكل ما ظهر من السبيلين سوى أصل البشر» هذه مسائل عدة. المسألة الأولى: الدم. والدماء أنواع. الدماء أنواع يمكن أن يقال إن الدماء ثلاثة أنواع: النوع الأول: دم حيض. النوع الأول دم الحيض وهذا نجس باتفاق العلماء. النوع الأول دم الحيض وهذا نجس باتفاق أهل العلم. هذا النوع الأول سيأتي معنا إن شاء الله تعالى باب في الحيض بإذن الله عز وجل، كلام على ذلك الدم بتفصيل. النوع الأول دم الحيض وهذا نجس باتفاق أهل العلم. في حديث أسماء أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟» أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع أن يصيب الثوب دم من دماء الحيض. قال صلى الله عليه وسلم: «تحته ثم تقرصه بالماء وتنضحه وتصلي فيه» أي الثوب. هكذا رواه الإمام مسلم في صحيحه. تحته هذا أولاً ثم تقرصه بالماء وتنضحه ثم تصلي فيه. فدل هذا على أن هذا الدم دم نجس، دل هذا على أن هذا الدم دم نجس، ولا تجوز الصلاة في ثوب فيه هذا الدم حتى يغسل، حتى يغسل. يقول الإمام الشافعي رحمه الله في الأم في المجلد الأول الصفحة السابعة وستين: «وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس». ثم قال أبو عبد الله الشافعي رحمه الله: «وكذا كل دم غيره». كل دم من الدماء عند الشافعي رحمه الله نجس. انتهى كلامه. هذا النوع الأول من الدماء وهذا لا يختلف المسلمون في نجاسته وهو دم الحيض. النوع الثاني: دماء الإنسان. النوع الثاني دم الإنسان يعني الذي يخرج في الجروح ونحوها. دم الإنسان الذي يخرج في الجروح ونحوها. فالأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد على أنه نجس، على أنه نجس. دم الإنسان نجس. قالوا دليلنا قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا﴾ أو دما مسفوحا، والدم المسفوح والدم السائل كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قالوا ودليل آخر: إجماع أهل العلم على نجاسة الدماء التي تخرج من الإنسان. هذا الدليل الثاني. والدليل الثالث: قياسه على دم الحيض. فهذه ثلاثة أدلة استدل بها أهل العلم من الفقهاء على نجاسة الدم إذا خرج من الإنسان. النوع الثالث: دم ما يؤكل لحمه. النوع الثالث دم ما يؤكل لحمه وهو نجس أيضا عند الأئمة الأربعة. دم ما يؤكل لحمه. إذن سواء كان دم حيض أو دم إنسان أو دم حيوان مأكول فكل هذه الدماء نجسة عند أهل العلم عند الفقهاء في المذاهب. إذا فهمنا هذا فإنه قد ذهب جماعة من المتأخرين ومن المعاصرين الإمام الألباني والإمام بن عثيمين رحمهم الله تعالى جميعا إلى أن الدماء طاهرة إلا دم الحيض. اختار هؤلاء الفقهاء المتأخرون أن الأصل في الدماء الطهارة إلا دم الحيض، فقالوا بنجاسة... استدل هؤلاء المتأخرون بأدلة أوردوها لهذا الباب، استدلوا بها على أن دم الإنسان ودم مأكول الحيوان طاهران. استدلوا بأدلة في هذا الباب منها أن الأصل البراءة، الأصل الطهارة، أن الأصل الطهارة وإنما ينقل عنها إلى النجاسة بالدليل المعين. قالوا: الأصل الطهارة ولا يخرج عنها إلا بدليل، ولا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل دم غير دم الحيض، لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصيغة الأمر بغسل دم من الدماء غير دم الحيض. فهذا جاء فيه الأمر مع أن مع عموم البلوى بأمر الدماء لا سيما في الجراحات وغيره. قالوا: فلو كان نجسا لما تأخر البيان عن وقت الحاجة. أيضا ذكروا عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: «ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم». ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم كما قال الحسن. هذا علقه البخاري في صحيحه وهو عند ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح. ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم أي وهي تسيل دما. هذا ثابت عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. واستدلوا بوقوع عدة في صلاة بعض الصحابة ودماؤهم تسيل. فهذا صحابي من الأنصار كما في البخاري معلق. صحابي من الأنصار أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرسهم فقام يصلي في الليل فرمي عليه ثلاثة أسهم فأتم صلاته كاملة وقد رميت عليه ثلاثة أسهم ودماؤه تسيل ولم يقطع صلاته ولم يخرج منها. والعادة أن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أنه اطلع على هذه الواقعة ومع هذا لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها أن الواجب قطع الصلاة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. هكذا ذكروا في كلامهم رحمهم الله. ومثله أيضا مقتل أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرضاه، فقد كان يصلي بالناس الفجر فطعنه العلج المجوسي فأتم رضي الله عنهم بهم صلاة الفجر وجرعه وجرحه يثعب دما أن يسيل دم. فهذا يدل على أن الدم كان يجري في ثوبه وردائه رضي الله عنه وأرضاه، ومع هذا لم يقطع صلاة. ولو كان الدم كالبول والغائط لوجب عليه ترك الصلاة، فإن من بال في الصلاة وجب عليه الخروج منها ولا يعتد بصلاة من يبول في أثناء الصلاة أو يتغوط في أثناء الصلاة. كذلك لما أصيب سعد بن معاذ رضي الله عنه ضرب له خباء في المسجد وهو جريح صلى الله عليه رضي الله عنه، فانفجر عرقه فجعل الدم يسيل من خبائه إلى خباء آخر، فقالوا: «أيها يا أهل الخباء إنا نجد شيئا يأتينا من جهتكم». ومع هذا لم ينقل يعني تعظيم الأمر كصب الماء أو الأمر بصب الماء بخلاف بول الأعرابي. أيضا نازعوا في القياس. قلنا: أدلة الجمهور ثلاثة أدلة. أهل العلم من المذاهب الأربعة ثلاثة ذكرناها في دم الإنسان: الآية والقياس والإجماع. قالوا: وقياسكم على دم الحيض قياس مع الفارق. فهذا يخرج من مخرج وهذا يخرج من مخرج وليس المخرجان سواء. وهذا دم له صفته ثخنا، دم ثخين رائحته منتنة غليظ يميل إلى السواد. وهذا دم عبيط أحمر خفيف ليس له رائحة منتنة. فكيف قستم هذا على هذا مع اختلاف المخرج واختلاف الصفة؟ أيضا قالوا: وأما ما يؤكل لحمه فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين لما قال الشقي الكافر أبو جهل: «من يأتي بسلى جزور بني فلان فإذا سجد محمد فليضعها على عنقه». فانبعث شقي من أشقيائهم ففعل، فأتم النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ساجدا حتى جاءت فاطمة وأبعدت تلك الدماء وتلك الأشلاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا حاصل ما ذكره هؤلاء العلماء. هذا حاصل ما ذكره هؤلاء العلماء. والناظر في هذه الأدلة يراها مقنعة. الناظر في هذه الأدلة يراها مقنعة. غير أن المسألة كما تقدم فيها إجماع أهل العلم. مسألة فيها الإجماع نقله غير واحد كابن حزم في مراتب الإجماع نقل إجماع أهل العلم قال: «اتفق العلماء وأجمعوا على نجاسة الدم». كذلك ابن عبد البر أيضا نقل الإجماع قال: «وكذا كل دم كدم الحي أي حكمه كحكم دم الحي إلا أن قليل الدم متجاوز عنه». سمعت الكلام في آخر باب النجاسة في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى: «إلا أن قليل الدم متجاوز عنه لشرط الله عز وجل في نجاسة الدم أن يكون مسفوحا فحينئذ فهو رجس والرجس النجاسة وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس». انتهى كلامه. نقل الاتفاق غير واحد من أهل العلم. وهذا النووي في المجموع يقول: «والدلائل على نجاسة الدم نجاسة الدم متظاهرة». هكذا قال أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى في المجموع الجزء الثاني الصفحة السادسة والسبعين بعد الخمسمائة: «قال والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي الإمام الماوردي عن بعض المتكلمين أنه طاهر ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف». انتهى كلامه. النووي رحمه الله تعالى توفي سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة ويقول: «لا أعلم أحدا من المسلمين قال بطهارة». توفي سنة ست وسبعين وستمائة للهجرة أي في القرن السابع ويقول: «لا أعلم أحدا من المسلمين قال بالطهارة إلا بعض المتكلمين» أي أهل الكلام. وأقدم شيء في الباب ما نقله ابن القيم رحمه الله سيأتي في فرع ذكره. نقل ابن القيم رحمه الله تعالى عن الإمام أحمد أنه قال وقد سئل عن القيح قال: «القيح سهل أما الدم فلم يختلف الناس فيه» أي في نجاسة هذا. قاله الإمام أحمد. فالحقيقة الإنسان حينما يقف على مثل هذا يهاب هذه المسألة، يهابها، فإنه لا يعلم قائل قال بهذا القول قبل هؤلاء العلماء المتأخرين. وخلاف إجماع المسلمين ليس بالهيّن ولا باليسير. ليس بالهيّن. فلو قال بهذا أحد من المتقدمين من زمن الصحابة والتابعين أو أتباع التابعين أو زمن الأئمة المهديين أو أزمان من بعدهم لكان الأمر كما قيل. لكن توارد الأئمة على الإجماع قولاً واحداً بل أنهم لا يعلمون قائلا بالطهارة يجعل طالب العلم في مثل هذه المسائل يبقى على مثل هذا الإجماع ولا يخالف. هذا الأحوط والأسلم في حق طالب العلم. وإن كان هناك إشكال في المسألة، المسألة فيها شيء من الإشكال مع تعارض هذه الدلائل التي أثارها هؤلاء الفقهاء. وكما تقدم لا ينبغي أن يقول قائل بقول حتى يسبق إليه قدم. قال الإمام أحمد الميموني: «إياك أن تتكلم بمسألة حتى تجد لك سلفاً» أي قائلا بها. فيبعد أن الأمة تتتابع في زمن الصحابة في زمن التابعين في زمن أتباع التابعين في زمن الأئمة على نجاسة الدم ولا يعلم لهم مخالف. يبعد هذا. ولهذا فنحن نبقى على الإجماع ونقول الدم نجس سواء كان دم ما يؤكل أو لا يؤكل أو دم إنسان أو دم الحيض. هذا موضوع اتفاق لم ينازل فيه أحد. هذا مذهب الشافعي كما تقدم ومذهب سائر الأئمة ونقل فيه الإجماع. أما إذا ثبت في المسألة الخلاف فلا شك أن الراجح قول هؤلاء العلماء المتأخرين لقوة ما أثاروه. الذي أثاروه قوي والله أعلم. والإنسان يعمل بما يقربه إلى الله في مثل هذه المسائل. قال: «والدم والقيء وكل ما ظهر» أي يكون نجس من السبيلين سواء أصل البشر. تتبع هذه المسألة مسألة القيح الذي يسميه الناس عندنا القيح والعرب تقول القيح بفتح القاف وربما يسموه المدة. تجدون في بعض كتب الفقهاء ما حكم المدة كسر الميم وتشديد الدال وفتحها. والمدة القيح. كذلك أيضا الصديد مثلا الذي يسيل نوعا ما في بعض الجروح هل يجب غسل الثوب منها أم لا؟ مذهب الشافعية أنها نجسة إلحاقا لها بالدم. قالوا: القيح أصله دم نتنا فصار قيحا فحكمه حكم أصله. هكذا قالوا. لكن الراجح في المسألة أن لا دليل على نجاسة القيح، لا دليل على نجاسة القيح ونحوه. ولهذا لما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن هذا قالت: عن الدم والقيح عندك سواء؟ قال: «لا، الدم لم يختلف فيه فيه والقيح قد اختلف الناس فيه». فلا دليل على نجاسة القيح ونحوه. ولهذا يقول ابن تيمية فيما نقل عنه ابن القيم: «لم يقم دليل على نجاسة». هكذا يقول ابن تيمية. والمسألة كما تقدم موضع خلاف قديم بين أهل العلم. فمن يحتج بالنجاسة يحتاج إلى دليل على ذلك. وصفة القيح غير صفة الدم. صفة القيح غير صفة الدم. وليس كون أصله دما يدل على نجاسته. فهذا اللبن عندكم طاهر مع أنه يخرج من الدم. أفكان لما كان أصله من بين فرث ودم لبنا خالصا دليل على نجاسة الدم؟ فهذه حجة فيها ضعف كما هو ظاهر. بقي أيضا الكلام على دم السمك ودم الجراد ودم الكبد ودم الطحال. فيها وجهان في المذهب. دم السمك ودم الجراد ودم الكبد ودم الطحال فيها وجهان في المذهب أي في مذهب السادة الشافعية رحمهم الله. الإمام النووي يجزم بنجاستها، بنجاسة دماء السمك ونجاسة دم الجراد ونجاسة دم الكبد والطحال. والوجه الثاني أنها طاهر. وهذا الذي جزم به شمس الدين الرملي من محققي مذهب الشافعية وهو الذي يعتمد أهل مصر على تحقيقاته في المنهج يرى أنها جميعا طاهرة. وهذا هو الراجح عندنا في الباب. حديث ابن عمر رضي الله عنه وأسناده حسن خرجه أحمد وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحلت لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالحوت والجراد. وأما الدمان فالكبد والطحال». والقول بطهارته قول أبي حنيفة. القول بطهارة دم السمك ودم الجراد ودم الكبد ودم الطحال قول أبي حنيفة. والقول بنجاستها قول مالك وأحمد وبه قال داود الظاهري. القول بنجاسة هذه الدماء قول مالك وأحمد وداود الظاهري. تقدم أن الدليل يدل على طهارتها ولا دليل على القول بنجاسة لا سيما مع الخلاف. مع الخلاف في المسألة. قال رحمه الله: «والدم والقيء وكل ما ظهر من السبيلين سوى أصل البشر». أيضا من المسائل التي أثارها الشافعية تبعا لمسألة الدم: ما حكم دم القمل والبراغيث والقراد والبق ونحوها؟ يعني إذا قتلها الإنسان فلامس الثوب ونحو ذلك فخرج منها دم. هذه أولا مما لنفس له سائل. أما عندنا في المذهب فإنها نجسة لأنها دماء والأصل في الدماء النجاسة. فالمذهب عندنا نجسة كغيرها من الدماء. قال محقق المذهب: «ويعفى عنها في الثوب لعموم البلوى والحاجة». حيال الإنسان يحق ربما خرج منها قطرة دم في ثوبه. قالوا: يعفى عنها. وبهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى من قبل. والقول بطهارة هذه الدماء هو قول أبي حنيفة وهو الأصح من الروايات عند الإمام أحمد رحمه الله. وهذا هو الراجح لأن القول بالنجاسة يحتاج إلى دليل معين صريح كما تقدم في أصول ذكرت في هذا الباب. تقدم ذكر أصول ذكرت في هذا الباب وأننا لا نحكم بالنجاسة على شيء إلا إذا كان لنا فيه نص ودليل واضح لأن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يثبت دليل النجاسة. قال رحمه الله: «والدم والقيء وكل ما ظهر». والقيء في مذهب الشافعية نجس سواء خرج القيء متغيرا أو خرج كما هو من غير تغير. هذا المذهب أن القيء نجس الذي نحن نسميه القذاف. القيء نجس. يقول الناظم رحمه الله: «والدم والقيء». هذا هو المذهب. يقولون لأن القيء استحال في البطن والجوف إلى النتن وصار فاسدا. دخل طعاما صافيا أو شرابا صافيا فوصل إلى البطن فاختلط في الجوف ولما أخرجه الإنسان صار نتن الريح نتن الطعم أو فيه حموضة شديدة وتغير كثير أو قليل. قالوا: حتى لو لم يتغير مجرد خروجه من الجوف يعتبر نجاسة. هكذا المعتمد كما يقول النووي في مذهب الشافعية. حتى لو خرج غير متغير. وبعض متأخر الشافعية كالرملي ينازع في هذا. يقول: لو أكل مثلا حبا فقاءه أخرجه أو استقاءه لا فرق. يقول الرملي: لو أنه دفن فنبت بعد الدفن دل على أنه لم يهضم فلا أرى أنه نجس. هكذا يقول الرملي شمس الدين محمد بن أحمد من متأخري محققي الشافعية. الدليل على هذا حديث عمار بن ياسر مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا معنى مرفوعا: «إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيم». إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والدم والقيم. هذا الحديث استدل به الشافعية. لكن هذا الحديث كما قال البيهقي: حديث باطل لا أصل له. هذا الحديث حديث باطل لا أصل له. ذكر البيهقي له بعض العلل منها أن في سنده ثابت بن حمد وهو متهم بالوضع. كذلك النووي رحمه الله قال: هذا الحديث باطل. ومع هذا انتصر الإمام النووي للقول بالنجاسة مع أن الحديث عنده باطل. حديث أخرجه أبو يعلى والطبراني والبيهقي في الكبرى وغيره. والمسألة فيها أيضا قول أقوال أخر. منها أن المالكية وكذلك طائفة من الشافعية قالوا: إن كان متغيرا عن حاله لما كان طعاما فهذا نجس. وأما إن خرج غير متغيرا عن حال الطعام وإنما تغير بنوع من الصفراء التي تفرزها المعدة أو اختلط به شيء من البلغم قالوا: فهذا طاهر. قلنا: وهذا ما قال به الرملي من أئمة المتأخرين من فقهاء الشافعية. وأما الحنفية فذهبوا إلى شيء أغرب فقالوا: إن كان القيء ملء الفم فنجس. وأما إذا كان دون ملء الفم فطاهر. وابن القيم تعجب من هذا. حنابلة على طهارة قيء ما يؤكل لحمه ونجاسة غيره. هذا مذهب الحنابلة المتأخرون انتصروا إلى الطهارة كالشيخ الألباني رحمه الله والإمام الشوكاني والعلامة بن عثيمين رحمه الله على أنه طاهر. وهذا هو الأصل. والمسألة فيها نزاع. هذا هو الأصل. لا سيما مع حديث أبي الدرداء في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما مسنده صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ. أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ. هذا يدل على طهارته. قاء فتوضأ. والفعل لا يلزم منه الأمر. فعل المجرد أنه توضأ صلى الله عليه وسلم لا يدل على الوجوب وإنما يدل على أن الوضوء مشروع بعد القيء. فإذا قيل أن الوضوء مستحب بعد القيء كان هذا الدليل واضحا في المسألة. لكن أن يقال بالنجاسة فهذا لا دليل عليه. والأصل أن تبنى المسألة على الأدلة. ومن الأشياء الطريفة أن ابن القيم له مناقشات في إعلام الموقعين المجلد الأول الصفحة الثامنة بعد المئتين له مناقشات، مناقشات أحيانا فيها نوع دعابة. يقول رحمه الله: «وقستم القيء على البول وقلتم كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف ولم تقيسوا الجشأة الخبيثة على الفسوة ولم تقولوا كلاهما ريح خارجة من الجوف». هذا يعني الكلام مضحك قليلا. يعني قولكم أنه خرج من الجوف متغيرا. طيب قال: لماذا لا تقولون أن الجشاء الذي نسميه القشعة ناقض للوضوء قياسا على الفسوة بجامع أنهما جميعا خرجا من الجوف وهو البطن وأنهما جميعا فيهما رائحة كريهة؟ فلما كانت الفسوة ناقضة من نواقض الوضوء والجشاء ليس بناقض وكله خرج من الجوف. فتعلق بقضية هذا خرج من البطن متغيرا. هذا يعني يفتح بابا لا دليل عليه. ولهذا الراجح أن القيء لا يعلم دليل على نجاسته. والمسألة فيها خلاف كما تقدمت. ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بغسل أو نحوه. لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه. لكنه مستقذر. لكنه مستقذر. القيء مستقذر. هذا باب آخر وليس الاستقذار معناه النجاسة إلا أن يثبت دليل على النجاسة. قدمنا أن النجاسة مستقذر شرعي وليس كل مستقذر شرعي... ليس كل مستقذر نجس. فهذا المخاط طاهر. المخاط طاهر وهو مستقذر. وهذا البصاق طاهر وهو مستقذر. فليس كل مستقذر نجس. إذا كنا في باب القيء فقد ذكر ابن القيم رحمه الله فائدة لطيفة في القيء وأن القيء له فائدة جميلة وله فوائد. حتى قال ابن القيم في زاد المعاد الصفحة الرابعة مئة وعشرين: «والقيء ينقي المعدة ويقويها ويحد البصر ويزيل ثقل الرأس وينفع في قروح الكلى والمثانة والأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرعشة وينفع من اليرقان». قال: «وينبغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين». يقول ابن القيم: «وينبغي أن يستعمله الصحيح أي الإنسان المستوي القوة ليس المريض في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور يعني مرة تكون أول الشهر وبعدين بعد خمس أيام سوي طراش مرتين يطرش أول الشهر مثلا وبعد خمس أيام من غير توالي ومن غير أيام معدودة». يقول ابن القيم: «وينبغي أن يستعمله الصحيح في الشهر مرتين متواليتين من غير حفظ دور ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول وينقل فضلات إلى آخر». قال: «والإكثار منه يضر المعدة، يضر المعدة». قال: «والإكثار منه يعني الاستقاء وإخراج القيء يضر المعدة ويضر الأسنان والبصر والسمع ويجب أن يجتنبه من به ورم في الحلق أو ضعف في الصدر أو أنه دقيق الرقبة». ثم بين رحمه الله أن من الأخطاء الجالبة للآفات ما يفعله كثيرون من أنهم يأكلون ويشربون حتى إذا شبعوا استقاء أي أدخل إصبعه لأجل أن يخرج. وهذا خطأ. ابن القيم يحذر من هذا. هذا لا تفعله إلا عند الحاجة. النادر الآن بعض الناس ربما يصيبه تعف في بطنه بسبب مأكولات معينة ويشعر بذخ فيفعل ذلك. لكن أن يأكل ويأكل من أجل أن يصح بدنه فيدخل إصبعه من أجل أن يخرج هذا له مخاطر. يقول ابن القيم: «يقول ابن القيم أيضا وينبغي عند القيء عصب العينين تربط على عيونك أفضل». هكذا يقول ابن القيم طبيب رحمه الله. «وينبغي عند القيء عصب العينين ويقمط البطن يعني يربطه ويغسل الوجه بماء بارد بعد القيء». هذا من الأمور طيبة. يقول ابن القيم: «بعدما يستفرغ ويستقي يغسل وجهه بماء بارد». قال: «ويشرب عقبه شراب التفاح وماء الورد ففيه نفع كثير». قال: «وينبغي أن يكون في الصيف أكثر منه في الشتاء». إلى آخر كلام ابن القيم. هذه فائدة حول القيء وأنه لا ينبغي لكثرة منه إلا لمن كان صحيحا إلا مرتين أو نحوها وأن هذا من أسباب الصحة والعافية. لا زلنا في الكلام على القيء وأن الراجح طهارته لعدم الدليل الواضح المصرح بنجاسته. ومع هذا فإنه مستقذر كسائر المستقذرات كالمخاطي والبصاق والنخاعة والنخامة ونحوها. والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.