الدرس في باب السواك 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض المقطع مواضع استحباب السواك عند الشافعية والمذاهب الأخرى كحال الوضوء ودخول المنزل وقراءة القرآن ويوم الجمعة وعند الاحتضار، مستدلاً بالأحاديث النبوية وآثار الصحابة، مع ذكر خلاف ابن حزم في وجوبه يوم الجمعة، وتوضيح أن الأصل في السواك الاستحباب المؤكد في هذه المواضع وغيرها.
يستحب السواك عند الاحتضار اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، لكن القول بأنه يعين على نزع الروح لا دليل عليه من الشرع، واختلف العلماء في اليد المستحبة: فجمهورهم على اليمين قياساً على التيمن في الطهور، والحنابلة وابن تيمية يرون اليسار لأن السواك عندهم إزالة أذى لا تطيباً.
يبيّن المقطع أن السواك عبادة مشروعة لذاتها وليست مجرد إزالة أذى، مستدلاً بأحاديث الأمر به وكونه مطهراً للفم مرضاة للرب، ويناقش خلاف العلماء في استحبابه باليمين أو اليسار، ويرد قول القرطبي بكراهة السواك في المساجد بأدلة فعل الصحابة وأحاديث الأمر به عند كل صلاة، ويختم بمسألة جواز السواك بغير الأراك.
يختتم المتحدث الجلسة المتعلقة بسنة السواك، مشيراً إلى سؤال حول اعتبار طرف الثوب سواكاً، ويؤجل الإجابة إلى الجلسة القادمة، مختتماً بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في هذه المنظومة السائرة، وهي منظومة ألفية صفوة الزبد، صفوة الزبد فيما عليه المعتمد، للعلامة أحمد بن الحسين بن رسلان، المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. ونحن في أول باب السواك، قال رحمه الله تعالى: باب السواك، أو باب السواك، وجهان جائزان: باب السواك مبتدأ وخبر، وباب السواك خبر لمبتدأ محذوف. يسن لا بعد زوال، للصائم، وأكدوه لانتباه النائم، ولتغير فم، وللصلاة. تقدم الكلام على «للصلاة» في هذا الموضع الثالث، ويضاف أيضا عند الوضوء كما تقدم. اختلف الشافعية: هل السواك سنة للوضوء أم سنة عند الوضوء؟ والذي يدل عليه الحديث أن السواك سنة عند الوضوء مستقلة، ونظيرها أمر الصلاة. ويستحب السواك كذلك في موضع أيضا غير هذه المواضع، وهو عند دخول البيت. استحب أيضا في موضع رابع أو خامس، إن صح التعبير، إذا عددنا الوضوء موضعا في موضع خامس، وهو عند دخول البيت والمنزل، استحب السواك لحديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك، كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك». فهذا يدل على استحباب السواك عند دخول المنزل. ويستحب السواك كذلك عند قراءة القرآن، استحب السواك أيضا عند قراءة القرآن، ليكون المرء طيب الفم طيب الرائحة عند تلاوة كلام الله عز وجل، فيتزين بذلك. في بعض الأحاديث الثابتة الصحيحة: «يضع الملك فاه على فيه يسمع القراءة، فلا زال يقرب حتى يضع فاه على فيه»، الحديث في الصحيح. هذه المواضع لا تختلف المذاهب الفقهية، سواء كانوا حنفية أو مالكية أو شافعية أو حنابلة، على استحباب وتأكد السواك فيها، وغيرها كذلك استحب. فالسواك مستحب في كل أوقات اليوم استحبابا أكيدا، وإنما جاءت هذه المواضع لفعل رسول الله أو قوله صلى الله عليه وسلم فيها بالسواك، لفعل رسول الله السواك فيها أو أمره بالسواك فيها. ومن المواضع أيضا التي ثبت فيها استحباب السواك: يوم الجمعة. يوم الجمعة، ففي حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غسل يوم الجمعة على كل محتلم، غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وأن يمس... غسل يوم الجمعة على كل محتلم، ويستاك، ويمس من الطيب». في رواية: «ويمس من الطيب ما قدر»، في رواية: «ويمس من طيب، من الطيب، ولو من طيب امرأة، ولو من طيب امرأة». حديث أبي سعيد رضي الله عنه نص في المسألة: «غسل الجمعة، غسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، أو وسواكم، وعن يمس من الطيب ما قدر». والحديث رواه البخاري ومسلم، واللفظ للإمام مسلم. الحديث رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم. هذا أيضا من مواضع الأمر بالسواك: «غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواكم، ويمس من طيب، من الطيب ما قدر». في مذهب الحنفية في هذا الموضع نكتة لطيفة جديرة بالعناية، في مذهب الحنفية في هذا الموضع نكتة لطيفة هي جديرة بالعناية، وهي أنهم قالوا: استحبوا السواك في كل ما يكون فيه اجتماع بالناس، استحبوا السواك في كل ما يكون فيه اجتماع مع الناس، يعني بمثل ما يجتمعون يوم الجمعة، فيوم الجمعة يغتسل، يتطيب، يستاك، قالوا: فيستاك في كل اجتماع، في كل اجتماع بالناس يستاك، في كل اجتماع بالناس يستاك. ومن الغرائب هاهنا ما ذهب له الإمام أبو محمد بن حزم، فقد استدل بحديث أبي سعيد على أن السواك يوم الجمعة فرض واجب. من الغرائب ما ذهب له ابن حزم رحمه الله، فاستدل بحديث أبي سعيد: «صل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر»، على وجوب الاستياك يوم الجمعة. وسائر أهل العلم على أن السواك مستحب يوم الجمعة وفي غير الجمعة. وغسل يوم الجمعة كما سيأتي الراجح أنه مستحب، إلا إذا دعا أمر إلى وجوبه، ككون الإنسان لم يغتسل من نحو أسبوع فتكون له رائحة كريهة، فيقال له: يجب أن تغتسل. وهذا فهم حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، كما في سنن أبي داود، لما ذكر حديث وجوب الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، ذكر رحمه الله قال: «كان الناس يلبسون جلود الغنم، ولا يغتسلون أسبوعا، فيأتون وقد أصابهم العرى، فيؤذي بعضهم بعضا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسلوا يوم الجمعة». في بعض الألفاظ: «يغتسلوا في بعض الأحاديث في الأسبوع يومي»، يعني لأجل أن لا يؤذوا بعضهم بعضا، لا سيما إذا لبسوا مثل الجلود التي تتغير فيها رائحة الأبدان. شاهد قول ابن حزم غريب في الباب، هذا قول غريب في الباب. أيضا من المواضع التي اتفق الفقهاء الأربعة على استحباب السواك فيها: في مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، قالوا: يستحب السواك عند احتضار الميت، عند احتضار الميت، قالوا: يستحب السواك عند احتضار الميت. ويستدلون بحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «دخل على عبد الرحمن بن أبي بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره، أي نظر إليه نظرا كأنه يطلبه، فأبدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره». قال: «فأخذت السواك»، قالت عائشة: «فقضمته وطيبته». وهذا يستدل به الفقهاء على جواز أن يستاك الإنسان بسواك غيره، ويقيد في الحاجة وفي الأهل ونحوهم. استدل به الفقهاء من الشافعية وغيرهم على هذا. «فقضمته وطيبته»، أي قطعته. يقول بعض الأطباء اليوم: إن استخدام السواك دون قطع أوله لفترة يقل فيه النفع والانتفاع، لا سيما إذا لم ينشف، فالأولى للإنسان إذا مر عليه يوم أو أكثر قليلا أن يقطع السواك، ثم هكذا يقول الأطباء المعاصرون في دراسة موجودة، ثم يقطع ثم يستاك بجديد، وهكذا حتى يقطع السواك أكثر أو ما يستطيعه منه. «فقضمته وطيبته، ثم أعطيته النبي صلى الله عليه وسلم فاستن به استنانا»، قالت عائشة: «ما رأيته، ما رأيته استن استنانا قط أحسن منه». فاستن النبي صلى الله عليه وسلم استنانا جميلا بالسواك، وهو في مرض موته، في سكرات الموت، وهو يستاك ويستاك. قالت عائشة: «قالت عائشة: ما رأيته، رسول الله استن استنانا أحسن منه، ثم رفع يده فقال ثلاثا: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، ثم قضى، قضى، أي مات صلى الله عليه وسلم». قالت عائشة: «فكان مات بين حاقنتي وذاقنتي، أي في صدري، بين الحاقنة والذاقنة، أي في الصدر». استدل الأئمة الأربعة على استحباب السواك عند احتضار الميت، عند احتضار الميت، بتشديد الياء، عند احتضار الميت. وزادوا فقالوا: والسواك مما يعين الميت على نزع الروح وقبضها. فها هنا مسألتان: المسألة الأولى: استحباب السواك عند الاحتضار، هذه مسألة. المسألة الثانية: أن السواك يعين على سهولة نزع الروح وخروجها، فهما مسألتان. أما المسألة الأولى فلا كلام، لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استاك بسواك عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم جميعا. وأما المسألة الثانية فلا دليل عليها من السنة أو من الكتاب، على أن السواك يعين على نزع الروح بسهولة، وإنما هذا استنباط، قال له بعض الفقهاء فمشى في الناس. وهذه المسائل من مسائل علم الغيب، لا يخاض فيها إلا بدليل، هذه المسائل لا يخاض فيها إلا بدليل، فمن لم يأت بالدليل لم نقبل قوله، لا نقبل قوله. ولهذا لا أعلم ولا وقفت على دليل لمثل هذا القول، ولا وقف غيري أيضا مما نظر في هذا الأمر، على دليل يدل على استحباب السواك عند نزع الروح، وأن هذا مما يعين على، مما يعين على نزع الروح بسهولة. هذا يحتاج إلى دليل، والله أعلم بذلك. بهذا الدليل لا نعلم الدليل إلى اليوم، ومن وقف على دليل فليفد وليقل بهذا القول، فهذا من علم الغيب. هذه أهم المواضع التي جاء في السنة الدليل على تأكد السواك فيها، مع أن السواك مؤكد في سائر اليوم. قال الناظم رحمه الله تعالى: «ولتغير فم، وللصلاة، وسنة باليمنى». هذه مسألة جديدة، وهي: هل يستحب السواك باليد اليمنى أم يستحب السواك باليد اليسرى؟ هل يستحب السواك باليد اليمنى أم يستحب السواك باليد اليسرى؟ هذه المسألة فيها قولان مشهوران عند أهل العلم. القول الأول: ما ذكره الناظم رحمه الله في هذه المنظومة: «وسن باليمنى»، أي يسن الاستياك باليد اليمنى، فيأخذ المسواك أو السواك بيمينه ثم يستاك، يستاك بيده اليمنى. «وسن»، أي هذا من السنن ومن المستحبات. وهذا هو المشهور عند كثير من الشافعية، وهو المشهور أيضا عند الحنفية والمالكية، وقال به بعض الحنابلة، قال به بعض الحنابلة، قال به بعض الحنابلة وغيرهم. إذن هذا القول هو المشهور عند الشافعية: «وسن باليمنى»، أي السواك، وهو أيضا مشهور في مذهب الحنفية، ومشهور في مذهب المالكية، وهو به قال بعض الحنابلة. فهذا قول الجمهور من أهل العلم. هذا القول الأول في المسألة، ودليلهم عموم حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله». دليلهم عموم حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله». في تنعله: أي في بدئه بلبس النعال، فيحب أن يقدم لبسا للنعل اليمنى. وترجله: أي امتشاط شعره، فيبدأ بشقه الأيمن ثم غيره. وطهوره: أي في وضوئه وفي غسله وفي نحو ذلك من الطهارات، يحب أن يتيامن. وفي شأنه كله: يحب ما استطاع أن يستقدم، أن يقدم يده اليمنى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالوا: والسواك من الطهور. قالوا: والسواك تطيب وطهور، ولهذا في حديث عائشة رضي الله عنها الآخر المعلق، الحديث المعلق في صحيح البخاري: «السواك مطهرة للفم»، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم مطهرة، فهو داخل في عموم «وطهوره» في الحديث الآخر، فهو مطهرة وهو طهور. على هذا القول استحب أن يؤخذ السواك باليمين، فيستاك المسلم والمسلمة بيمينه. القول الآخر: هو المشهور عند الحنابلة، القول الآخر هو المشهور عند الحنابلة، وبه قال طائفة من الحنفية، وقاله بعض الشافعية، وهو زين الدين العراقي، أن المستحب الاستياك باليد اليسرى، أن المستحب في الاستياك استعمال اليد اليسرى. وانتصر لهذا القول جدا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر له، في فتوى مطولة في مجموع الفتاوى المجلد الحادي والعشرين، وقال في كلامه: «الأفضل الاستياك باليسرى، نص عليه الإمام أحمد في رواية ابن منصور الكوسجي، ذكره عنه في مسائله، وما علمنا... يقول ابن تيمية: هذه عبارة مشكلة، وما علمنا أحدا من الأئمة خالف في ذلك». يعني أن السواك إنما يؤخذ باليسار لا باليمين، وأن الاستياك يكون باليد اليسار لا باليمين. يقول ابن تيمية: «وما علمنا أحدا من الأئمة خالف في ذلك»، هذه كلمة قوية من مثل ابن تيمية الذي وصفه الذهبي والبرزالي وغيرهم بأنه من أعلم الناس بمذاهب الأئمة. ويقول ابن تيمية أيضا: «السواك من باب إماطة الأذى، فهو كالاستثارة والمخاط وإزالة الأذى، إزالة الأذى إنما تكون باليد اليسرى، فهو كالاستجمار عنده، وصرح بها لأنه إزالة للأذى». وقال أيضا في ضمن أدلته، وهذا من أقوى الأدلة عنده رحمه الله تعالى: قال أيضا في ضمن دلائل كلامه التي استدل بها: «الأفعال التي يفعلها الإنسان إما أن تفعل باليدين كلاهما، أو تفعل... فالمشتركة، المشتركة التي تفعل باليمين وباليسار، إن كانت من باب التكريم قدمت اليمنى، وإن كانت من باب إزالة الأذى كالاستجمار ومس الذكر والاستثارة والامتخاط، قدمت اليسرى». إذا تأملنا هذا المذهب والمذهب الذي قبله، وجدنا أن أصل الخلاف: هل السواك إزالة للأذى، إماطة للأذى، أم السواك تطيب وتطهير؟ هذا موضع منازع. فالأوائل، القول الأول، يقولون: السواك تطيب للمحل وطهارة وطهارة له. وابن تيمية وغيره يقولون: لا، بل السواك إزالة للأذى، إماطة للأذى، إزالة للأذى. فالذي يرى الثاني يقول: يفعل باليسار، يفعل باليسار. قالوا: وهكذا حديث عائشة: «وفي شأنه كله»، أي فيما كان من أمر التكريم. يناقش هذا القول، القول الثاني، يمكن أن يناقش بأمور، منها أن يقال: لو كان الاستياك من باب إماطة الأذى والقاذورات، لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم أمام أصحابه مرارا ودائما. لو كان السواك كما يذكر ابن تيمية من باب الأذى والقاذورات وإزالة القاذورات، لم يفعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين أصحابه وفي حضور الناس مرارا ودائما. ففرق بين البابين: بين باب إزالة القاذورات والأذى، وبين باب تطييب الفم وتطهيره بالسواك. فرق بين هذا الباب وهذا الباب، فهما بابان مختلفان لمن تأمل. في حديث أبي موسى رضي الله عنه بالصحيحين قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك بسواك الرطب، والسواك في فيه، وهو يقول: أع، أع، والسواك في فيه». فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم متحرجا من أخذ السواك واستياكه صلى الله عليه وسلم في أسنانه، بل ولا حتى في فيه، حتى إنه يصدر منه ذلك الصوت: «أع، أع»، كأنه يتهوع، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فدل على أن هذا الباب أقرب إلى باب الطهارة والتطهير منه إلى باب الأذى والاستجمار، وهذا ظاهر لمن تأمل. ثم يقال أيضا: ليس كل استياك يراد به دفع الأذى، فأحيانا يستاك الإنسان في اليوم مرارا، فلو كان في المرة الأولى كان لإزالة الأذى، فما بال سائر اليوم؟ في دخوله صلى الله عليه وسلم المنزل، في قيامه للصلاة، في وضوئه، في سائر أحواله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهل كل استياك يراد به إزالة الأذى؟ وهذا يجرنا إلى مسألة أخرى: أن السواك عبادة، السواك عبادة جاء الأمر بها كما في يوم الجمعة، وأن يستاك، ويستاك، فدل على الأمر بالاستياك، حتى إن ابن حزم ذهب إلى... عندك أبا عبد... إلى أن الاستياك يوم الجمعة واجب مفرد، لأنه جاء به الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله غريب، والأدلة تدل على أنه مستحب، السواك مستحب حتى في يوم الجمعة. فالشاهد أن السواك عبادة مما يحبها الله ويرضاه. ما تعريف العبادة عندك؟ أحانا محفظ، عرف العبادة... نعم، حسن: «العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله عز وجل من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». وقال الأصوليون: «العبادة ما أمر به من غير اقتضاء عقلي ولا استناد عرفي». هكذا يقول الأصوليون: أمر بها. هل أمر بالسواك؟ الجواب: جاء الأمر به في حديث الجمعة، وفي غيرها من الأحاديث. طيب، هل يرضى الله ويحب السواك؟ عندك أحانا عبد الرحمن، ما الدليل؟ أحسن: حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب»، فهو يحبه جل جلاله ويرضى بالسواك. دل على أنه عبادة، فهو عبادة جاء الأمر به. قد يقول القائل: والحكمة منها؟ قلنا: الحكمة منها النظافة، لا نقول أنها عبادة غير معقولة المعنى، لا، هي عبادة معقولة المعنى. فالمتطيب بالمسواك بالسواك يصير فمه طيبا بعيدا عن الرائحة الكريهة، لا سيما إذا كان السواك نظيفا وكان السواك جديدا، فيكون طيبا رائحة، وهذا مما يحبه الله عز وجل، فيتعبد لله بفم طيب رائحة في صلاته، في قراءته للقرآن، في وضوئه، وغير ذلك، حتى في دعائه أيضا يستحب، أيضا عند الدروس، عند الخطب، عند المجامع، كل ذلك مما يدخل في عموم أحاديث الأمر بالسواك والحرص عليه فيها، الأمر بذلك. من الغرائب أيضا في هذا الباب ما قاله الإمام أحمد بن عمر القرطبي في المفهم شرح اختصار صحيح مسلم، توفى سنة ست وخمسين وستمائة. يقول القرطبي، وهذا كلام غريب، نقله غير واحد: يقول القرطبي: «وعليه أن يتجنب استعمال السواك في المساجد، أي على المسلم أن يتجنب استعمال السواك في المساجد والمحافل وحضرة الناس». هكذا يقول القرطبي رحمه الله: «ولم يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه تسوك في المسجد». طيب، حديث أبي هريرة رضي الله عنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة، مع كل صلاة». أين تصلى تلك الصلاة؟ المراد الفرائض، ويدخل فيها النوافل. فسبحان من لا يخفى عليه شيء، أو سبحان من لا يخطئ، يقول: «يعني وعليه وعليها أن يتجنب استعمال السواك في المساجد والمحافل وحضرة الناس، ولم يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه تسوك في المسجد، ولا في محفل الناس، لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد، ولا بمحاضر الناس، ولا يليق بذوي المرؤات». هكذا يقول: «ولا يليق بذوي المرؤات فعل ذلك في الملأ من الناس». انتهى كلام. وهذا تأثر بهذا القول، العراقي في طرح التثريب، فقال: «استحبوا الاستياك باليسار لأنه من باب إزالة الأذى». هو العراقي شافعي، وانتصر لهذا القول، وهذا قول مردود، رده أهل العلم. فليس على إطلاقه أن يقال إن السواك إزالة للقذر كإزالة القذر في الاستجمار ونحوه، لكن الأذى... لكن السواك تطهير وتطيب، وهذا أولى وأشبه بالسواك أنه تطهير وتطيب، مطهرة للفم. ولهذا، ولهذا رده شيخنا العلامة البارع الشيخ محمد بن علي بن آدم الأتيوبي عافاه الله وشفاه، في ذخيرة العقبى في شرح المجتبى، وقال: «وما قاله القرطبي مخالف للنصوص الدالة على جواز الاستياك في المسجد، كحديث: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، المتفق عليه، فإنه ظاهر في المسجد لأن الصلوات غالبا تكون فيه، وقد ثبت أن زيد بن خالد الجهني كان يشهد الصلوات في المساجد وسواكه على أذنه، موضع القلم، من الذي فعل ذلك؟ زيد بن خالد الجهني، صاحب حديث: مطرنا بنوء كذا». قال رحمه الله: «قال حفظه الله: كما في... زيد بن خالد الجهني كان يشهد الصلاة، الصلوات في المساجد، وسواكه على أذنه، موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى صلاة، إلى الصلاة، إلا استن، ثم رده موضعه». أخرجه أبو داود والترمذي وغير ذلك من النصوص الواضحة. قال الشيخ وفقه الله: «والحاصل أن السواك من باب التطيب والتطهير، فالمستحب أخذه باليمنى، باليمين، فتفطن، ولا تكن أسير التقليد، فإنه مستند البليد». انتهى كلامه. العلامة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز رأى ما رأى ابن تيمية رحمه الله، فقال: يستحب السواك باليسار. أما الشيخ المحقق الكبير الفقيه ابن عثيمين رحمه الله، فرأى أن الأمر واسع: أخذت السواك بيمينك أو أخذته بيسارك، الأمر واسع. عندك الراجح في المسألة باعتبار الأدلة ومناقشة الأدلة؟ ما ذكره المصنف وهو مذهب الشافعية في المشهور: «وسن باليمنى»، هذا الأظهر والأقرب. ولكن قول ابن تيمية رحمه الله: «إنه لا... ما علمنا أحدا من الأئمة»، يعني قال إنه باليمين وإنما يقولون في اليسار، فهذا مشكل، ينظر، ينظر. أما من حيث الأدلة فيكفي حديث عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله». بقيت مسألة واحدة يختم بها كتاب باب السواك: قال: «الأراك أم لا؟» هذه مسألة، هذه مسألة وهي: هل يستحب السواك بغير الأراك؟ وهل غير الأراك يكون محل الأراك في السواك يقوم موضعه أم لا؟ كما يفعل بعض الناس اليوم إذا قام إلى الصلاة يقول: السواك، ولو من طرف الثوب، هل هذا يعتبر من المواضع التي يكون بها جزاء في سنة السواك؟ لعل الوقت قد دخل، نقرأها غدا إن شاء الله وتعالى. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر