باب السواك 20

الدرس في باب السواك 20، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أحكام خضاب الشيب بالسواد وبغيره من الألوان

يبيّن المقطع تحريم خضاب الشعر واللحية بالسواد للرجال والنساء لصراحة النهي النبوي، ويستعرض أقوال الفقهاء في تغيير الشيب بغير السواد كالحناء والزعفران. جمهور العلماء على استحبابه وسنيته، ومالك على الجواز دون السنية، وأحمد على استحباب مؤكد حتى شبه الوجوب لمخالفة أهل الكتاب.

حكم الخضاب بالحناء والكتم وأدلة المشروعية

يناقش المقطع جواز خضاب الشيب بالحناء والكتم مستدلاً بأقوال الصحابة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن السواد المحض هو المنهي عنه بينما الألوان المائلة للحمرة أو البني جائزة. كما يستعرض صفة خضاب النبي صلى الله عليه وسلم بالحناء وردع الكتم، ورأي العلماء في أفضلية الخلط بينهما.

أحكام الخضاب والحناء للرجال والنساء: صبغ الشيب وخضاب اليدين

يستعرض المقطع خلاف العلماء في خضاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرر استحباب تغيير الشيب وكونه كالواجب عند أحمد، ثم يفصل في تحريم خضاب الرجل ليديه ورجليه بالحناء لغير تداوي لتشبهه بالنساء. ويبين خلاف العلماء في خضاب السواد للنساء والراجح تحريمه إلا لحاجة.

خاتمة الدرس وذكر المترجمة

يختتم المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويذكر أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر. بذلك تنتهي محاور الدرس المتعلقة بأحكام الخضاب.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازمنا في آخر بيت في باب السواك، أي وما يتعلق به، وهو قول الناظم: «وحرموا خضاب شعر بسواد لرجل وامرأة لا للجهاد». وذكرنا أن الراجح في هذه المسألة بعد ثبوت الخلاف فيها، مختاره طائفة من الشافعية وعلى رأسهم الإمام النووي رحمه الله، أن الصحيح والصواب تحريم الخضاب بالسواد سواء كان لرجل أو لامرأة في شعر الرأس أو في اللحية ونحوه، لصراحة الأحاديث في النهي عن ذلك. في الباب أيضا عن عقبة بن عامر عند ابن أبي شيبة في المصنف، عن أبي عشانة المعافري قال: رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد. هذا ثابت عن عقبة بن عامر، يحمل على أنه لم يبلغه النهي، أو نحو هذا من الأعذار، أو أنه فعله مرة للجهاد ونحوه ثم ترك. يحتمل، يحتمل هذا كله، فلا يستدل بمثله لوجود الاحتمالات القوية أن عقبة... خار... رأيته يقول أبو عشانة المعافري: رأيته عقبة بن عامر يخضب بالسواد، ويقول: «نسود أعلاها وتأبى أصولها، ولا خير في فرع إذا فسد الأصل». هكذا ينشد شعرا. وهذا معلوم: «نسود أعلاها وتأبى أصولها»، أي: أصبغها بالسواد، وبعد أيام ينبت الشعر قليلا فيظهر هناك فارق بين أصل اللحية وبين بقية الشعر، وهذا أيضا مما يستقبح. يفصل مباشرة: «نسود أعلاها وتأبى أصولها»، أي: أصول اللحية تأبى عن أن تكون سوداء. الشعر الطالع الجديد في كل يوم، الشعر يطول في كل يوم، يطول الشعر، ما يمضي نحو أيام أو أسبوع إلا ومفصلة اللحية صار الفرع كله أسود وصار الأصل فيه البياض، مما يدل على أن أصلها بيضاء، وهذا مما يعني يستقبح. تجد إنسان لحيته سوداء وأصولها كلها بيضاء. «نسود أعلاها وتأبى أصولها، ولا خير في فرع إذا فسد الأصل». لزوم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو اللائق، لا لاحتجاج بأفعال محتملة لاحتمالات عدة. الحاصل من هذا الذي ثبت في اللحية أمران: النهي عن نتفها، والنهي عن خضابها بالسواد. هناك مسألة أخرى تابعة لهذه المسألة: إذا قلتم بتحريم خضاب السواد، فما حكم تغيير الشيب بلون آخر غير السواد؟ يعني: كلون الحناء، والحناء لونها أحمر، أو كلون الزعفران، والزعفران لونه أصفر، أو نحو ذلك مما ليس بسواد، مما لا يكون سواداً. اختلف الفقهاء في هذه المسألة، اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال: فمنهم من يقول إن تغيير الشيب بغير لون السواد سنة من السنن، وبهذا قال جمهور العلماء. تغيير الشيب سواء كان في الرأس أو في اللحية ونحوها سنة من السنن بغير لون السواد، سنة من السنن. هذا قال به جمهور العلماء: الحنفية والشافعية والحنابلة، كل هؤلاء يرون أن من السنن والمستحبات تغيير بياض اللحية أو الرأس أو الشارب بلون غير السواد. هذا مذهب جمهور العلماء: استحباب وسنية تغيير الشيب، شيب اللحية إما بلون أحمر أو نحوه، إلا السواد فإنه تقدم الكلام فيه، يدور ما بين التحريم وهو الصواب أو الكراهة، وهذا قول كثير من الفقهاء. فجمهور العلماء على استحباب وسنية تغيير الشيب من اللحية أو من الرأس. قال النووي في المجموع: «يستحب خضاب الشيب بصفرة أو عمرة، اتفق عليه أصحابنا للأحاديث الصحيحة» إلى آخره. هذا مذهب الشافعية أيضا متفق عليه في المذهب: استحباب تغيير الشيب بالشعر إما بلون أصفر أو بلون أحمر أو بنحوها مما لا يكون سواداً. أما الإمام مالك رحمه الله فيرى جوازه وأن الأمر واسع. الإمام مالك يرى جواز تغيير الشيب ولا يراه سنة، ويرى أن الأمر فيه واسع. الإمام مالك يرى أنه جائز. وذهب بعض الفقهاء إلى أن السنة ترك الشيب أبيض دون تغيير، وهذا نقل عن عمر وسعيد بن جبير، وفي النقل عن عمر رضي الله عنه نظر. القول الثالث: تغيير وخضاب الشيب بلون غير الأسود كالواجب وكالفرق. تغيير... خضاب... خضاب... تغيير بياض شعر... الشعر الأبيض في اللحية أو في الرأس كالواجب وكالفرق. وهذا قاله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. ولهذا يقول رحمه الله: «والخضاب عندي كأنه فرض، كأنه فرض». وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». وذكر بعض الأحاديث. فالإمام أحمد يقول: هذا كالفرض. وهذه العبارة دقيقة. بعض الناس يقول: الإمام أحمد يرى الوجوب، يرى وجوب تغيير لون الأبيض في الشعر واللحية. هذا النقل غير صحيح. الإمام أحمد ماذا عبر؟ وقال: «عندك يخبر قال كأنه فرض، كأنه فرض». فرق بين أن يقول العالم: هذا فرض، وبين أن يقول: كأنه فرض. فرق بين الأمرين. لهذا ننقل المذهب كما نطق به صاحبه. بعضهم يقول: يا محمد، يرى أنه واجب وفرض. وهذا النقل فيه غلط في النقل. قال... قال... قال الإمام أحمد في عبارة أخرى: «ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب». ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب، ولا يتشبه بأهل الكتاب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب ولا تشبهوا بأهل الكتاب». وقال الإمام أحمد: «يا أبا هاشم، اخضب ولو مرة واحدة، أحب لك، أحب لك أن تخضب ولا تشبه باليهود». حاصل أن مذهب الإمام أحمد أن خضاب اللحية والشعر بغير الأسود مستحب استحباباً أكيداً حتى كأنه واجب. لكن هل هو واجب عند الإمام أحمد؟ ليس بواجب، إنما كأنه فرض، كأنه واجب، لشدة الأحاديث الواردة في الباب. شدة الأحاديث: «غيروا هذا الشيب» في الأمر، ينبغي أن لا يتساهل المرء في مثل هذه الأوامر. هذه المسألة لها أدلة: منها حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». فهذا أمر لنا بمخالفة اليهود والنصارى. اليهود والنصارى لا يصبغون لحاهم، فنحن أمرنا بصبغ اللحى، نحن أمرنا بصبغ اللحى، وينبغي الإنسان أن يفعل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان واجباً أو مستحباً. السلف كانوا يعملون ولا يجادلون ولا يمارون ولا يبحثون عن الرخص وكثرة الكلام. أمر رسول الله، أمر رسول الله: سمعاً وطاعة. هكذا كانوا رضي الله عنهم وأرضاهم. قال الإمام أحمد: «ما رأيت أحدا أكثر خضابا من أهل العلم». إمام أحمد يقول: ما رأيت أحدا أكثر خضابا من أهل العلم. هذا يدل على لزومهم للسنة وحرصهم عليها. هذا يدل على لزومهم للسنة وحرصهم عليها. قال الإمام أحمد: «الخضاب هو عندي كأنه فرض، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون». في صحيح الإمام مسلم عن أنس: سئل: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب؟ فقال: «لم يبلغ الخضاب، لم يبلغ الخضاب، كان في لحيته شعرات بيض». قال الراوي: قلت له: أكان أبو بكر يخضب؟ قال: «نعم، بالحناء والكتم». استدل بهذه الأدلة من قال الخضاب مباح. بعضهم استدل بمثل هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخضب، وبأن علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة كانت رؤوسهم بيضاء ولحاهم بيض. استدل من قال بالجواز، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى. والحقيقة أن هذا فيه نظر. قال بعضهم: لقد جاءنا حديث فيه: «من شاب في الإسلام شيبة كانت له نورا يوم القيامة»، والصبغ ينافي الشيب. قدم معنا هذا الحديث: «من شاب في الإسلام شيبة كانت له نورا يوم القيامة». قالوا: وإذا خضبنا ذهب الشيب. وهذا يناقش، هذا يناقش بأمور عدة، هذا يناقش بأمور عدة. ويقال: التغيير الذي ينافي الشيب ويضاده هو التغيير بالسواد. أما تغييرها بإحمرار فما من أحد يراها إلا يقول: خضب لحيته. أليس كذلك؟ ما من أحد يراه لحية أحد وهي حمراء أو بين الإحمرار والسواد أو بين الإحمرار والإصفرار إلا ويقول: هذه لحيته كانت بيضاء. لكن إذا نظر الناظر إلى لحية سوداء كأنها جناح غراب أو ظلمة ليل، يقول: ربما خلقه الله هكذا، وربما لا زال صغيرا في السن. فالذي ينافي حديث «من شاب في الإسلام شيبة» هو صباغة اللحية بالسواد. أما الإحمرار فيبقى معه الشيب. ولا يذهب الإحمرار، هل يذهب معه الشيب؟ لا يذهب معه الشيب. لا زالت اللحية فيها نوع بياض، اللهم إلا ما كان لون البيض فاتح صار لون أحمر فاتح، أحمر غامق فقط. وأول ما ينظر إليها الإنسان يقول: هذه لحية بيضاء صبغة. فهذا ما يناقش به من يدعي مثل هذه الدعوة. أيضا ثبت في سنن أبي داود وغيره أحاديث عظيمة، كحديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم». هذا فيه معنى الأمر. «إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم». الكتم: نبت معروف، في بعض كتب اللغة كان ينبت باليمن، والمعروف اليوم أنه ينبت بإيران. أحد يعرف شيئا في هذا؟ في كتب اللغة ينبت باليمن، ما أدري فين الضبط، في اليمن ينبت الكتم. قالوا: أوراقه صغيرة، وثماره كحب الفلفل. هكذا وصفوها. ثمار فإذا دق صار صبغاً. قالوا: وكان بعض الناس قديما يستخرج منه الحبر الأسود. كان بعض الناس... قالوا يزرع في اليمن. المهم هذا فائدة خارجية. المعروف اليوم أن الكتم يأتي من إيران، اليوم يأتي من إيران. والكتم لونه أسود، الكتم لونه أسود. فإذا خلط مع الحناء صار لونه بين السواد والإحمرار. الكتم حين يخلط بالحناء يصير لونه بين السواد والإحمرار، وهذا ليس بسواد. بعض الناس يقولون: دم الغزال، ومدريش، وأشياء حافية. المهم يعني أنه ليس بأسود، ليس بأسود. بعضهم يقول: بني غامق. الحقيقة بني غامق، هذا أيضا ليس بأسود. إذن الخضاب بالكتم بحاله يجعل اللحية سوداء خالصا. لكن جرب أنه إذا خضب بالكتم لفترة نحو ساعة، ساعة ونصف، ثم ترك، صارت إلى البني الغامق، ولم تصر سوداء. فالكتم يحولها بعد مدة. إذا أطال الإنسان إبقاء الكتم في لحيته، إذا أطال الإنسان إبقاء الكتم في لحيته... بعضهم الآن يستخدم هذه الشاي أو كده، بعضهم ورق الشاي، وبعضهم كل واحد يعني بتصنيفه كما يقولون. فكرة هذا يأتي بفكرة كده، وهذا يجيب فكرة كده. وهذا الشاهد أنها لون بين الإحمرار والسواد. هذا جائز، جائز. فإذا قربت ونظرت تحسب اللحية لونها الشعرة بالبني الغامق، هذا يجوز، ما فيها شيء. ويجوز الحناء. لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم». ظاهره الأمر بالخلط بين الحناء والكتم. تأخذ مثلا ملعقتين حناء، ثلاث ملاعق حناء، ملعقة كتم، ملعقتين كتم، ثلاث ملاعق كتم، لا بس، فتخلطها مع بعض. هذا يدل على أن أفضل ما يغير به الشيب لظاهر هذا الحديث، كما يقوله العظيم آبادي صاحب العون، عون المعبود، وغيره من أهل العلم: أن أفضل ما يغير به الحناء والكتم درجة أولى، ثم الكتم لحاله بشرط أن لا تطول المدة، ثم الحناء لحاله. كل ذلك كان يفعله السلف رضي الله عنهم وأرضاهم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أحسن ما غير» يدل على أنه يوجد هناك حسن آخر. فهذا كالمثال. فلو غيره بلون... لو غيره بصبغ آخر يجوز، لو غيره بصبغ آخر يجوز. الله أعلم. محفوظ بعد الصلاة سألني، قال: لو غيره بلون أزرق؟ هذا يحصل الآن، بعض الناس يتشبه بكفار، بعض نوع موضة، هاك شعره أزرق، نصفه أزرق، نصفه أحمر، نصفه، وفي الوسط مش عارف أشمي اللون. هذه أشياء لا تجوز لأنها إنما فعلت لأجل التشبه بالكفار. هذه ألوان الشياطين، هذه ألوان الشياطين. بعض الناس، بعض الناس الآن يفعلها في الفرق الرياضية، الوجه لونه أبيض وأحمر وأزرق، ومدري إيش كذا، وأشياء أو أخضر. هذه كلها من عادات الكفار، عياذا بالله. تترك هذه، من عادات الكفار. الشاهد: بعض الناس يفعل الحناء ثم الكتم، هذا أيضا يدخل في الحديث: «إن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم». يدخل فيها تعاقب: حناء ثم كتم. رأيت بعض الناس يسوي الكتم أولا ثم يغسلوه ثم يسوي حناء بعده. رأيت بعض الناس يفعل هذا. لكن هل هذا يجعل اللحية سوداء؟ الجواب: لا، إنما يجعلها مائلة إلى اللون الداكن، لون بين الإحمرار والسواد. فهذه من السنن التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم. في سنن أبي داود أيضا عن أبي رهمة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو ذو وفرة بها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران. حديث صحيح. فالشاهد: سيأتي الكلام: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ أم لا؟ الآن أبو رهمة يثبت. قال: جئت أنا وأبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا في لحيته أثر ردع من حناء، أي: بقايا حناء، مما يدل على أنه كان يصبغ صلى الله عليه وسلم بالحناء. هذا يدل على أنه كان يصبغ صلى الله عليه وسلم بالحناء. لهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم... سئل الإمام أحمد رحمه الله عن هذا، فقال: هل خضب النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ قدمنا حديث أنس: قال: «لم يخضب النبي صلى الله عليه وسلم». في حديث أبي رهمة: مررت به أنا وأبي، وعلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ردع من حناء، أي: أثر من حناء. قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: «فإن قيل: قد ثبت في الصحيح عن أنس أنه قال: لم يخضب النبي صلى الله عليه وسلم. قيل: قد أجاب أحمد بن حنبل عن هذا، وقال: قد شهد به غير أنس رضي الله عنه، غير أنس يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه خضب. قال: وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد. لعل أنس رأى أحوالا فحكاها، وغيره رأى أحوالا فحكاها، لأن الإنسان قد يصبغ في فترة، في فترة ثانية قد لا ينشط، قد ينشغل. لكن ما حكم الصباغة عنده؟ أخا نهاج... ما حكم تغيير الشيب؟ مستحب، مستحب على الراجح. ويقول الإمام أحمد: كأنه فرض. هكذا عبر الإمام أحمد: أو كالفرض. هذا يدل على أن من يحب السنة ينبغي أن يمتثل مثل هذا. ومجرب أنه يعطى الإنسان معنويات طيبة. فإذا كان لحيته مثلا يعني مصبوغة تكون معنوياته... يحس نفسه أنه عادته في قوة. هذا معروف، يعني مجرب، معروف. لكن لما تكون لحيته كلها بيضاء، حتى لو كان شاب، هو شاب صغير، يحس كذا أنه حتى السيارة ثقيلة عليه، لكن نفسه أنه كأنه دخل في العمر. لكن لو صبغ لحيته، سواله حنة، سواله كتم، سواله كذا، يدلع نفسه شوي، ما فيها شيء. هذه أمور تعتبر من السنة، لا بأس بها، ما فيها شيء، بل هي من الأمور المحمودة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم». فنحن نمتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول إمام أحمد: «قد شهد به غير أنس رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أنه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد». فأحمد أثبت خضاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه جماعة من المحدثين. ومالك أنكره. انتهى من زاد المعاد. بقي عندنا مسألة مهمة: هل يشرع للرجل أن يخضب يديه ورجليه بالحناء؟ هذه المسألة لها صورتان: إن كان يفعل هذا علاجا فلا خلاف في جوازه. قال له الطبيب: علاجك أن تعمل حناء في رجليك، فسوى الحناء في رجله، يجوز ولا ما يجوز؟ نعم يجوز، هذا من باب الطب والعلاج والدواء. إذن صورة المسألة التي نحن فيها الآن: هل يجوز للرجل أن يخضب يديه ورجليه لغير دواء وتداوٍ؟ هل يجوز للرجل أن يصبغ يديه ورجليه لغير وجه التداوي؟ هذا موضع المنازعة. فهل... فهل... فهل فهمنا موضع النزاع؟ من غيره لا بد أن نعرف الموضع الذي نحن فيه الآن. ما الذي نحن فيه الآن؟ استخدام الخضاب والحناء في اليدين والرجلين للرجل. قلنا: إن فعله علاجاً ودواءً جائزاً، ولا نختلف فيها. طيب: رجل يصبغ يديه ورجليه لغير علاج ولا دواء. قال النووي في المجموع: «أما خضاب اليدين والرجلين بالحناء فمستحب للمتزوجة من النساء». هذا مستحب لمن؟ للمتزوجة من النساء. مستحب لها: امرأة تتزين لزوجها فتخضب يديها، سواء بنقش أو بطبع، طباعات من هذه التي يكون فيها نوع طباعة، أو تأتي بمرأة فتخضبها وتسوي لها مرة علامة ورود، ومرة مربعات، ومرة كذا، إلى آخره. هذا مستحب. «أما خضاب اليدين والرجلين بالحناء فمستحب للمرأة المتزوجة من النساء للأحاديث المشهورة، وهو حرام على الرجال». يقول النووي رحمه الله: «وهو حرام على الرجال إلا لحاجة التداوي ونحوه». إذن الأصل أن خضاب الرجل واستخدامه الحناء في يديه أو رجليه حرام، إلا لحاجة شرعية صحيحة كالتداوي ونحوه. يقول النووي رحمه الله: «ومن الدلائل على تحريمه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: لعن الله المتشبهين بالنساء من الرجال». ويدل عليه الحديث الصحيح عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل، أن يجعل الزعفران في يديه. الزعفران يكون لونه أصفر. قال: رواه البخاري ومسلم. وما ذاك إلا للونه، لا لريحه، فإن ريحه ريح الطيب، فإن ريح الطيب للرجال محبوب. والحناء في هذا كالزعفران. الزعفران... إلى آخر كلام. هذا الذي ينبغي أن يعلم: أن صباغة اليدين والرجلين للرجل لا تجوز. ولهذا نجد بعض الجهال، ولعدم وجود من ينصح ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ربما خلط بعض الناس في المسألة، فجيء إلى العريس، وصلح له في رجليه حناء، وصلح له في يديه حناء، ومدري إيش، وكذلك بعض الحاضرين معه. فهذا لا يجوز لأنه تشبه بالنساء. هذا لا يجوز لأنه نوع تشبه بالنساء، وهذا حرام، هذا حرام ولا يجوز. والواجب تركه والتحذير منه والنصيحة فيه. الرجل لا يخضب يديه ولا رجليه إلا لحاجة صحيحة. وبهذا قال الناظم رحمه الله تعالى: «وَحَرَّمُوا خِضَابَ شَعْرٍ بِسَوَادٍ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ». المرأة: هل يحرم عليها خضاب السواد؟ فيه نزاع على قولين عند أهل العلم. من أهل العلم من قال: إن حكم المرأة كالرجل في التحريم أو الكراهة. منهم من يقول: حكم المرأة كحكم الرجل في التحريم أو في الكراهة. وهذا قول أكثر أهل العلم، يجعلون الرجل والمرأة سواء تحريماً أو كراهة. وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن المرأة خاصة يجوز لها أن تستعمل السواد من الصباغ إن احتاجت إلى ذلك. وكان إسحاق يرى أن هذا النهي خاص بالرجال، والنساء لا يدخلن فيه، النساء لا يدخلن فيه. وقال إسحاق بن راهويه أيضاً: يجوز للمرأة أن تفعله للزوج. والراجح أنه لا يجوز خضاب المرأة بالسواد إلا لحاجة، إلا لحاجة. فإذا وجدت الحاجة جاز. إذا وجدت الحاجة جاز على مذهب من يرى التحريم. أما من يرى الكراهة فيقول: يجوز وعليها وهو مكروه لها. إذا وجدت الحاجة جاز. إذا وجدت الحاجة للمرأة جاز. وينبغي للمفتي أن يكون فقيهاً في معرفة قدر الحاجة، ومن يباح لها للحاجة، ومن يشدد فيها. وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام على هذه المسائل العظيمة التي تعم بها البلوى ويكثر بها الخلاف. وقد ذكرنا الخلاف فيها لأجل أن يتمرن الناظر على مناقشة أهل العلم وطرحهم للمسائل أخذاً ورداً، قبولاً ومنعاً وغير ذلك، فيتربى على ملكة الاجتهاد والنظر والتحرر وترك التعصب. وإنما العبرة بالحجة والدليل، العبرة بالحجة والدليل كما تقدم. ولهذا نجد المحققين من أهل العلم يناقشون ويناقشون، وليس في هذا مما يعيبهم أو يعيب مناقش لهم، بل هذا مما يفرحهم ويرفع من قدرهم أن يرد بعض قولهم أو ما خالفوا فيه الحق والصواب بحسب نظر الناظر. وكل الأئمة إخوة. ولهذا لا يوجد تعصب أو انحياز لمذهب دون مذهب، وإنما العبرة بما وافق الدليل واحتج له الأئمة وكانت حجته أقوى. هذا الذي نحن نمشي عليه في مثل هذا الكتاب. ومن له شيء يسأل. قال رحمه الله تعالى: باب الوضوء. نحن فيها هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر