الدرس في شرح كتاب التوحيد 16، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع معنى التبرك لغوياً وشرعياً بأنه طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء عبر ملابسته أو مقارنته، ويبين أن المصنف لم يجزم بالحكم لوجود قسمين: تبرك مشروع جاء به الشرع، وتبرك ممنوع قد يصل للشرك الأكبر. ويؤكد أن البركة كلها من الله وحده يضعها حيث يشاء من خلقه.
يبيّن المقطع أن البركة لا تأتي إلا من الله وحده، وأن التبرك بالشجر أو الحجر أو القبور أو غير ذلك يعد شركاً ما لم يرد به دليل من القرآن أو السنة. ويسوق أمثلة تاريخية على ذلك كاللات والعُزّى ومناة ليبين أصل الشرك في التبرك بالمخلوقات واعتقاد النفع منها.
يشرح المقطع أن من اعتقد البركة في شجر أو حجر أو غير ذلك بلا دليل، واعتقد أنها منه وفيه وبه، فقد وقع في شرك أكبر في الربوبية والإلهية لأن البركة من الله وحده. ويختتم الدرس بالإشارة إلى التوقف هنا واستكمال حديث أبي واقد في وقت لاحق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما، وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 19-20] الآيات. وهذا الباب من جنس الباب قبله؛ من ناحية الحكم العام، ومن ناحية الحكم والتفصيل، من جنس تعليق التمائم ونحوها. قال المصنف رحمه الله: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما. والتبرك مأخوذ من البركة، وأصل مادة البركة مأخوذ من قولهم: «بركة البعير» إذا ثبت ولزم مكانه. هذا معنى الكلمة من حيث اللغة. والبركة كما قال العلماء: ثبوت الخير الإلهي في الشيء. هذا تعريف البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء. فإذا عرفنا أن البركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء، فالتبرك هو طلب البركة. ويكون طلب البركة بمقارنة ذلك الشيء، أو ملامسته، أو مقاربته، أو ملابسته، أو نحو ذلك. عند ذلك يقال: تبرك. فتجد الذين يتبركون يتمسحون، أو يشربون، أو يقعدون ويجلسون، أو نحو ذلك. ما الذي أقعدك؟ ما الذي أجلسك؟ ما الذي جعلك تمسح الخرقة أو التابوت أو الحجرة، أو تستضل تحت الشجرة؟ ما الذي دفعك إلى هذا؟ قال: أريد التبرك، أو أنا متبرك بمقام فلان، أو منزل فلان، أو جاه فلان، أو ذات فلان. هذا معنى التبرك. فالتبرك هو طلب البركة، ويكون بملابسة الشيء أو ملامسته أو مقارنته أو مقاربته أو نحو ذلك من هذه المعاني. والمصنف رحمه الله لم يجزم بالحكم كعادته؛ لأن التبرك على قسمين. فقال: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما، وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ الآيات. لم يجزم بالحكم كعادته رحمه الله في الأمور أو المسائل التي يكون فيها التفصيل؛ لا ينبغي الإطلاق في المسائل التي فيها التفصيل، بل الواجب البيان والتفصيل والتصريح والتوضيح. هذا دأب المحققين من أهل العلم: يفصلون ويوضحون ويبينون ويميزون. فالتبرك على قسمين: تبرك مشروع، وتبرك ممنوع. ولهذا لم يجزم المصنف بالحكم كعادته رحمه الله؛ لأن التبرك منه ما هو مشروع، يعني جاء في الشرع جوازه أو وجوبه أو استحبابه، ومنه ما هو محرم، وقد يصل إلى الشرك الأكبر. سيأتي بيان ذلك في آخر الباب إن شاء الله تعالى، الكلام على أنواع التبرك. لكن يجب هنا أن يعلم: أن البركة كلها من الله سبحانه وحده لا شريك له. وأنه الذي يبارك ما شاء سبحانه، ويبارك ما شاء من خلقه ومن غير خلقه. يجعل البركة فيما شاء سبحانه: ماء كان، أو شجرا، أو مكانا، أو بشرا. الله سبحانه يجعل البركة فيما شاء سبحانه، فهي منه وحده لا شريك له. لا أحد يجلب البركة، لا أحد يستطيع أن يجلب البركة، إنما البركة من الله وحده لا شريك له. قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]، فهو الذي تبارك وحده، وهو الذي يبارك غيره سبحانه وتعالى. وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]، فهو الذي تبارك سبحانه في نفسه وذاته، وبارك غيره سبحانه. وقال سبحانه: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]، فهو الذي يفتح البركات سبحانه، وهي منه سبحانه وتعالى. فمن أراد البركات من غير الله فقد أشرك. ولهذا قال سبحانه عن بعض أنبيائه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: 31]، قال عن عيسى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾، فمن الذي جعله مباركا؟ الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك. فالذي يبارك غيره هو الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا: لا يجوز أن يعتقد في شجر أو حجر أو بشر أو مكان أن فيه البركة، إلا بدليل من القرآن أو من السنة؛ لأن الذي يأتي بالبركة هو الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. هذه مقدمة يجب أن تعلم. قال: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما، أي: فما حكمه؟ ونحوهما يدخل فيه القبور. قال: باب من تبرك بشجر أو حجر. الشجر معروف، أو حجر: الحجارة معروفة. ونحوهما: كمكان، أو قبر، أو جبل، أو كهف، أو تربة، أو نحو ذلك. يدخل في ذلك هذا كله، يعني: فما حكمه؟ المسألة فيها تفصيل، والكلام ها هنا عن التبرك الشركي. وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. واللات: كان رجلا صالحا يلد سويق الحاج. اللات بالتشديد: كان رجلا صالحا يلد سويق الحاج. هذا هو اللات، كما ثبت ذلك في صحيح الإمام البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه في كتاب التفسير. قال: كان رجلا صالحا يلد سويق الحاج، يأتي بالدقيق والسمن فيخبزه ثم يطعمه الحجاج أيام الحج لله سبحانه. هذا رجل صالح، صاحب صدقات. ونظرا لصلاحه عظمه الناس، كان الناس يعظمونه، ولقب باللات بتشديد اللام. لما مات، عكف على قبره. بنوا على قبره بناية بالطائف، وجعلوا لها أستارا وسدنة وحراسا ونحو ذلك، كعادة القباب ومن يعظمها. هذا موجود ببلاد الطائف، ثم أزاله الله سبحانه. قال بعضهم: هي صخرة. لكن هذا ثابت في البخاري: أن اللات رجل صالح، عكفوا على قبره، وبنوا حول القبر جدرانا أربعة، بناية، ثم أسدلوا الستور على مداخلها، ولعلهم في داخلها أيضا وضعوا ستورا. وجاء السدنة يقفون ويشرحون للناس أحوال هذا الرجل الملقب باللات. هذا ثابت في صحيح البخاري، وفي تفسير ابن أبي حاتم أيضا، وفي تفسير الطبري. هذا ثابت بأسانيد صحيحة. أهل الطائف يعظمون اللات، لاسيما قبيلة ثقيف؛ منهم يعظمون اللات غاية التعظيم، يفتخرون به على سائر قبائل العرب، يفتخرون باللات على سائر قبائل العرب. هذا شأنهم. وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. والعزة: كما قال ابن جرير، كانت شجرة عليها بناء وأستار، يعظمون تلك الشجرة، يسمونها العزة. تقع بوادي نخلة بين مكة والطائف. كانت قريش تعظم العزة غاية التعظيم. كما جاء في صحيح البخاري في غزوة أحد: قال أبو سفيان: «لنا العزة ولا عزة لكم». فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه: «أجيبوه». قالوا: «ما نقول؟» قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم». كانوا يعظمون العزة: «لنا العزة». وهذا يدل على شدة التعظيم الذي وقع في قلب أبي سفيان حال شركه، حتى إنه في ذاك المقام يفتخر بمعبوده وإلهه، وأن لنا النصر، وأن لنا العزة، فنعز بها في هذا المقام، وأنتم أذلة. قال: «أجيبوه». قالوا: «الله مولانا ولا مولى لكم»، فهو كافينا وحسبنا في السراء وفي الضراء. أما أنتم ففي السراء تعبدون العزة، وإذا ركبتم في البحر نسيتموها. هذا شأنكم: الله مولانا ولا مولى لكم. ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. ومناة: أيضا قيل مشتقة من اسم المنان، وقيل مشتقة من اسم المنان، وهي عبارة عن صنم بين مكة والمدينة، كما ثبت في صحيح الإمام البخاري في حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت مناة صنما بين مكة والمدينة. فكانت مناة عبارة عن صنم بين مكة والمدينة. وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمون مناة، ويهلون من عندها أيام الحج. وقيل: من المن، وهو الذبح، لكثرة ما يراق من الدماء عندها، عند ذلك الصنم المسمى بمناة. يطلبون البركة بذلك منه. وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. الشاهد من هذه الآية والآية بعدها لهذا الباب: الشاهد أن عبادة الأوثان والأصنام إنما كانت لأنهم يعتقدون فيها حصول البركة، إنما كانت لأنهم يعتقدون فيها وبها ومنها حصول البركة. ولهذا يعظمونها، ويدعونها، ويستغيثون بها، ويعتمدون عليها في جلب المنافع ودفع المضار. هذا الشاهد من هذه الآية والآية بعدها للباب: باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما. هذا الشاهد منه: فمن تبرك بقبر أو تربة أو مشهد أو نحو ذلك، فقد أشرك بربه سبحانه؛ لأنه يعتقد أن البركة من ذلك القبر، وأن من قعد عند ذلك القبر بورك له في قعوده. وهذا شرك في الربوبية. ولأنه بجلوسه وعكوفه عند الشجر أو الحجر يعظم الشجر والحجر ويرجوها، وهذا شرك في الإلهية. فمن تبرك بشجر أو حجر أو قبر أو إنسان أو جني أو إنسي أو مكان، ولم يثبت فيه البركة بدليل، واعتقد حصول البركة منه أو عنده، فقد أشرك شركا أكبر في الربوبية؛ لأنه اعتقد أنه يبارك غيره ممن هو جالس عنده. فتراه يقوم منشرح الصدر، ويقول: حلت علينا البركة، نزلت علينا البركة، إن شاء الله نلنا البركة. يعتقد أن البركة ينالها من ذلك القبر، أو من تلك الشجرة، أو من ذلك الكهف، أو من ذلك الجبل، أو من تلك التربة، أو من تلك الحجارة، أو نحو ذلك. هذا شرك في الربوبية؛ فإن البركة إنما هي من الله وحده لا شريك، هو الذي يبارك غيره سبحانه. والأشجار والقبور والقباب لا تبارك شيئا أبدا. وهو عند جلوسه عند القبر، أو عند الشجرة، أو عند الحجرة، أو عند التربة، أو عند المشهد، يقع في قلبه من التعظيم والتأله الشيء الذي لا يقع في بيت الله الحرام، ولا عند الكعبة المشرفة. وهذا تأله، شرك في الإلهية. فمن اعتقد البركة في شجر أو حجر أو غير ذلك مما لا دليل على ذلك، واعتقد أنها منه وفيه وبه، فقد أشرك شركا في الربوبية أكبر، وشركا في الإلهية أكبر. طيب، إن شاء الله تعالى نقف هنا، ونكمل غدا حديث أبي واقد. إذا كان لكم شيء... إلا وقفنا هنا. وصل الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا لكم.