الدرس في شرح كتاب التوحيد 27، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع الفرق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة، مبيناً أن النهي في آية يونس عن دعاء غير الله يقصد به دعاء العبادة للأصنام التي لا تضر ولا تنفع. ويؤكد أن ملك الضر والنفع لله وحده، فمن عبد غيره رجاء نفعه أو خوف ضره فهو مشرك، وأن التوبة تمحو الشرك كما تمحو ما دونه.
يفسر المقطع آية سورة العنكبوت الداعية لطلب الرزق من الله وحده وإخلاص العبادة له والشكر على نعمه، مبيناً أن الله مالك كل شيء وغيره لا يملك شيئاً. ثم يستعرض آيات سورة الأحقاف التي تبين ضلال من يدعو غير الله من الأموات والأصنام، فهم لا يستجيبون ولا يسمعون، وأن أصل الشرك هو سؤال الحوائج من غير الله.
يبيّن المقطع أن الآلهة المزعومة تتبرأ من عابديها يوم القيامة، وأن الدعاء هو مخ العبادة لاشتماله على إظهار الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة، لذا وجب صرفه لله وحده، ومن دعا غير الله فقد أشرك.
يختتم المتحدث الجلسة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى المراجعة القادمة ثم الدخول في الجزء اللاحق، مختتماً بكلام الشكر.
طيب، نكمل إن شاء الله تعالى هذا الباب. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب: «باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره». تقدم الكلام على الاستغاثة وأنها أخص من الدعاء. قال: «أو يدعو غيره»، سواء كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة. ودعاء العبادة: فعل العبادات. ودعاء المسألة: الطلب والسؤال، كقوله: «اللهم اغفر لي»، «ربنا اغفر لنا»، «رب اغفر لي ولوالدي»، ونحو ذلك. هذا دعاء مسألة. ودعاء العبادة: أن يفعل العبادة، ويتضمن ذلك طلب القبول والإثابة، ونحو ذلك من هذه المعاني. قال: وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: 106]. أي: لا تدعو يا محمد، لا تدعو يا أيها الرسول الكريم؛ لأن الآية خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل قبلها لنبيه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَن أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 104]، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: 105]، ثم قال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾. فالآية خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يدعو مع الله شيئًا لا ينفعك، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك، لا في دين ولا في دنيا. والمراد: الآلهة والأصنام والأوثان التي تعبد من دون الله سبحانه. ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾: لا ينفعك لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك لا في دينك ولا في دنياك. وهذا حال الأصنام والأوثان التي تعبد من دون الله سبحانه. فمعنى الآية: لا تعبدها. ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ولا تعبد من دون الله. فالدعاء هنا دعاء عبادة. الدعاء هنا دعاء عبادة، أي: ولا تعبد من دون الله راجيًا نفع ذلك الغير، أو خائفًا من ضر ذلك الغير المعبود من دون الله. ﴿لَا تَدْعُ﴾ أي: لا تعبد من دون الله، أي: مع الله سبحانه معبودًا ترجو نفعه أو تخاف ضره. فإن الأصنام والأوثان لا تنفع ولا تضر. قال سبحانه: ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106]. أي: من المشركين، كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: 213]. فقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، المراد: الظلم الأكبر وهو الشرك. أي: فإن فعلت وعبدت غير الله راجيًا نفعه أو خائفًا من ضره، فإنك من المشركين المعذبين في يوم القيامة. ثم قال الله لنبيه: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107]. معنى هذه الآية: أن أسباب الخير والشر كلها بيد الله سبحانه. لا يشاركه في ذلك أحد. فإذا علمت بذلك، وأن أسباب الخير كلها وأسباب الشر كلها بيد الله سبحانه لا يشاركه فيها أحد، تعين أن تعبده وحده لا تشرك به شيئًا. تعين أن تفرده بالعبادة لا تشرك به أحدًا كائنًا من كان ذلك المعبود مع الله سبحانه. لأن من عبد غير الله إنما يعبد من يرجو نفعه أو ضره. من عبد غير الله إنما يعبد ذلك الغير وفي نفسه رجاء نفعه أو خوف ضره إن لم يعبده. ولهذا قال العلماء: لا يكون الإله إلهًا حتى يملك الضر والنفع. فإن ملك الضر والنفع من خصائص الإله. ملك الضر والنفع كما تقدم من خصائص الإله. ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: 107]. يعني سبحانه: الغفور لمن تاب، الرحيم لمن أناب وتوكل عليه وحده سبحانه. فمن تاب من أي ذنب تاب الله عليه، ولو كان الذنب هو الشرك. فإن الله يتوب عليه. من تاب من أي ذنب، ولو كان الذنب هو الشرك، فإن الله سبحانه يتوب عليه. فهذه الآية قطعت أسباب التعلق بالمعبودات من دون الله. هذه الآية تقطع أسباب التعلق بمن يعبد من دون الله سبحانه. قال: وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17]. قوله سبحانه: ﴿فَابْتَغُوا﴾ أي: اطلبوا. ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾: أي لا عند غيره سبحانه. فإن الذي يملك الرزق هو الله وحده لا شريك له. هو المالك لكل شيء، وغيره ملك له. هو المالك سبحانه لكل شيء، وغيره سبحانه ملك له لا يملك شيئًا. فالله عز وجل يملك كل شيء. ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ لأن الذي يملك الأرزاق وغيرها هو الله سبحانه وحده لا شريك له. ثم قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾: أي أخلصوا له العبادة. إذا كان الله هو الذي يملك كل شيء نفعًا أو ضرًا، فأخلصوا له العبادة؛ فإنه الذي يستحقها. ﴿فَمَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُم مِّن شَيْءٍ﴾ [الروم: 40]، ﴿مَّا يَمْلِكُونَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: 22]. قال: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾: أي على ما أنعم عليكم. فإنكم إذا نظرتم إلى أنفسكم فأنتم تسيرون بنعمة الله سبحانه في حواسكم، وفي أنفسكم، في مطعمكم، وفي مشربكم، وفي ملبسكم، وفي منامكم، وفي صحبكم، وفي مشيكم. كل ذلك مدبر بنعمة الله سبحانه، مدبر من الله سبحانه، يسره نعمة لنا، فنحتاج أن نشكر ذلك. قال: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ لأنه المنعم وحده سبحانه. ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي يوم القيامة. ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي يوم القيامة، فيجازي من أحسن بالإحسان، ويجازي من أساء بحسب عمله. كل يجازى بعمله. كل يجازى بعمله. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 5-6]. وهذه الآية فيها بيان أنه لا أضل من هذا الضال. لا أضل من هذا الضال الذي يضيع عمره أو شيئًا من عمره يدعو، يعبد من لا يستجيب له، يناديه ويسأله الحوائج، وهو غافل عن حاجته وعن سؤاله، لا يدري. قال سبحانه: ﴿مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. لو جلس إلى يوم القيامة عند قبر فلان، أو عند قبره، أو عند باب مشهده ينادي: يا فلان، يا فلان، أغثني، يا فلان أعني، يا فلان اغفر لي، يا فلان افعل كذا، لا يستجيب له. وهذا أمر مشاهد. لا يستجيب له. وإذا حصل في بعض المواضع من كلام في بعض الأخبار أو الأصنام، فإنما هذا من الشياطين يضلون العباد. فتأتيه الشياطين ربما تخاطبه وتقول له: افعل كذا، وفعل كذا. وهذا من خداع الشيطان. ولهذا قال العلماء: إن أصل شرك العالم سؤال الحوائج من غير الله. لهذا قال العلماء: إن أصل شرك العالم سؤال الحوائج من غير الله سبحانه. وهنا يتسلط الجن فيظهرون للإنسان أنهم فلان وفلان، كما حكى شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: يأتي الجن لبعض الناس فيظهرون له في لباس أبيض، ويقولون: أنا إبراهيم، أنا الخضر، أنا عيسى، أنا موسى. أو يقول بعضهم لبعض: يا نبي الله إبراهيم، ما تقول في كذا؟ فيقول: نعم، يا نبي الله موسى، هي كذا. يلبس شياطين الإنس على شياطين الجن، على شياطين الإنس. ولهذا كان شرك... أصل شرك المشركين من طلب الحوائج من غير الله، من الموتى ونحوهم. فالشاهد: ﴿مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. لو جلس يناديه ليلًا ونهارًا ما استجاب له. قال ربنا سبحانه: ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: 5]. أي: لا يشعرون بعبادتكم. فلو عبدتموهم فإنهم لا يعلمون ما تفعلون. والظاهر أن في هذه الآية نفي سماع الموتى. في هذه الآية، في قوله سبحانه: ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، فيها دليل على أن هؤلاء لا يسمعون من يناديهم أصلًا. فهم في عالم البرزخ، وهؤلاء في عالم الدنيا. ظاهره قوله سبحانه: ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أنهم لا يسمعونهم ولا يدرون ما هم فيه. كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: 13-14]. هكذا قال ربنا سبحانه، وهو أصدق القائلين: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: 14]. هذا لو امتناعية، أي: ولا يكون ذلك. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: 14]. أن يتبرؤوا من هذا الشرك، ويقولوا: ما أمرناكم أن تعبدونا، ولا قلنا لكم اسألونا، ولا كنا ندري ما كنتم تفعلون عند قبورنا. ما كنا ندري. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. قال الله: ﴿وَلَا يَنبَئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 14]. وقال في آية الأحقاف: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 6]. أن يخاصموهم خصومة الأعداء، ويقولوا لهم: ما أمرناكم أن تدعونا، ولا قلنا لكم اعبدونا، ولا كنا نشعر بما تفعلون لنا. ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾: يكفرون بتلك العبادة ولا يقرونها. وهذا شأن الأنبياء والصالحين. هذا شأن الأنبياء والصالحين. أما غيرهم ممن رضي عبادته من دون الله، فإنهم يختصمون. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 166-167]. كلهم في النار. لأن هذا معبود، وهذا داع إلى عبادته راضٍ بعبادته، فكلهم من حطب جهنم. أما الصالحون فيكفرون بعبادتهم ويتبرؤون منها، ولا يحاسبهم الله على عبادة من عبدهم. قال: قال سبحانه... وقول... قال: وقوله سبحانه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]. أي: لا أحد يفعل ذلك إلا الله سبحانه. هو الذي يعلم الخفايا والظواهر، لا تخفى عليه خافية. فإذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة... إلى أن قال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: 22]. هذا شأنهم. وهذه فيها قطع التعلق بغير الله سبحانه. وهذه الأدلة تدل على وجوب الدعاء لله سبحانه والالتجاء إليه سبحانه. وهذا نهج الأنبياء والرسل. فالدعاء من أعظم العبادات. الدعاء من أعظم العبادات لما فيها من إظهار الافتقار إلى الله سبحانه. الدعاء من أعظم العبادات لما فيه من إظهار الافتقار إلى الله سبحانه، ولما يتضمنه من التبرؤ من الحول والقوة. فالداعي متبرئ من حوله ومن قوته، سائل ربه سؤال ضعف وحاجة، يريد العناية من الله، ويريد المدد والمدد من الله سبحانه، ويطلب المعونة من الله سبحانه. وهذه سمة العبودية. هذه سمة العبودية: الافتقار والاستكانة، وطلب الحاجة من الله سبحانه، وطلب المعونة منه. هذه سمة العبودية. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث النعمان في سنن أبي داود: «الدعاء هو العبادة». أي: حقيقة العبادة، أو أفضل العبادة، أو أعظم العبادة. كما قالت العرب: «الناس بنو تميم»، أي: غالب الناس بنو تميم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»، أي: أعظم مناسك الحج عرفة. ولهذا كان الدعاء من أعظم المناسك. الدعاء من أعظم العبادات. يشمل أنواعًا من العبادة. ولهذا كان الأنبياء يدعون الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، يدعون الله دائمًا وأبدًا لعظم حاجتهم إلى الله وافتقارهم إليه. ولقد أساء البحتري حين قال لمخلوق: «ويعجبني فقري إليك، ولم يكن ليعجبني لولا محبتك، الفقر... لولا محبتك الفقر». ويعجبني فقري... هكذا قال الفتح بن خاقان: «ويعجبني فقري إليك، ولم يكن ليعجبني لولا محبتك، الفقر، أو الفقرة، لولا محبتك الفقر». هكذا قال. هذا أولى أن يصرف لله، الواجب أن يصرف إلى الله سبحانه. ولهذا الدعاء أمره عظيم. فالإنسان بحاجة أن يدعو. فالأنبياء يدعون، يدعون ربهم دائمًا وأبدًا، يكثرون من الدعاء. وهكذا الصالحون يدعون الله ليلة ونهارًا. فمن دعا غير الله كدعاء الله فقد أشرك. قال: روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين. فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث به، وإنما يستغاث بالله». وهذا حديث سنده بعيد، لكن معناه صحيح. لا يستغاث إلا بالله سبحانه، استغاثة العباد. لا يستغاث إلا بالله سبحانه، استغاثة العباد. طيب، إن شاء الله وتعالى نقف هنا، ونراجع غدًا الأبواب المتقدمة. فإذا كان لكم شيء... هذا، وصلى الله على محمد وعليه صلى الله عليه وسلم. نعم، نراجع إن شاء الله، ثم ندخل هنا بعد. شكرًا.