الدرس في شرح كتاب التوحيد 70، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع آية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ مبيناً نزولها فيمن يدعي الإيمان ثم يحكم بغير ما أنزل الله. ويؤكد أن التحاكم للطاغوت يناقض التوحيد ويستلزم الكفر به، وأن صدود المنافقين عن شرع الله علامة على نفاقهم وضلالهم البعيد.
يوضح المقطع أن الإعراض عن حكم الله إلى القوانين الوضعية من أعظم علامات النفاق وأسباب الفساد في الأرض. ويبين المنهج القرآني في معاملة الحكام المخالفين وهو الإعراض عنهم مع النصح السري بالكلام البليغ لا المواجهة العلنية.
يبيّن المقطع أن من حكم بغير ما أنزل الله معتقداً جواز ذلك فهو كافر كفراً أكبر بإجماع العلماء. أما من حكم بغيره مع اعتقاده وجوب حكم الله وكون فعله معصية فهو كفر أصغر وعصيان، ويرجح عدم التفرقة بين المسألة الواحدة والمتعددة.
يؤكد المقطع أن الفتوى بتكفير من يحكم بغير ما أنزل الله مقيدة بالاعتقاد؛ فمن حكم بالقوانين الوضعية معتقداً جوازها كفر كفراً أكبر مخرجاً من الملة. ومن فعل ذلك دون اعتقاد الجواز فهو كفر عملي أصغر لا ينقل عن الملة، وهذا التفصيل هو المعتمد في عقيدة أهل السنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ الآيات. وهذا الباب مناسب للباب قبله، باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله. ثم قال رحمه الله: وذكر هذا الباب، وهذا الباب باب عظيم، مناسب للباب قبله، باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما أحل الله أو تحريم ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله. ثم قال رحمه الله: وذكر هذا الباب، وهذا الباب باب عظيم، فيه صفة المنافقين المعرضين عن حكم الله ورسوله. وهذا يدل على كفرهم والعياذ بالله. هذا الباب فيه صفة حال المنافقين المعرضين عن حكم الله ورسوله، وهذا يدل على كفرهم. فالله سبحانه وتعالى أنكر على من يدعي الإيمان بالله ورسوله وبالأنبياء والرسل، أنكر الله سبحانه على من يدعي الإيمان بالله ورسوله وبالأنبياء وبالرسل، وهم مع ذلك، مع هذه الدعوة وهذا الزعم المذكور، يريدون أن يتحاكموا في فصل الخصومات إلى غير الله ورسوله. وهم مع هذا يريدون أن يتحاكموا في فصل الخصومات إلى غير الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم يزعمون أنهم مؤمنون، ويدعون الإيمان بالله وبرسوله وبالرسل السابقين. وأصح شيء ورد في سبب نزول الآية ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه، أصح شيء في سبب نزول هذه الآية، وما دونه لم يثبت. في الباب ما ذكره ابن عباس بسند حسن: أن أبا بردة الأسلمي كان كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه إليه، فتنافر إليه ناس من أسلم من الأنصار، فأنزل الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ الآيات. هذا سبب نزول الآية على الصحيح الراجح. لكن الآية عامة في كل من أعرض عن حكم الله ورسوله، الآية عامة في كل من أعرض عن حكم الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى حكم غيرهما من الباطل. الآية عامة في كل من أعرض عن حكم الله ورسوله إلى حكم غير الله ورسوله من الباطل. فالتوحيد لا يكون إلا بأن يفرج الله ورسوله بالحكم، التوحيد لا يكون إلا بأن يفرج الله ورسوله بالحكم والانقياد والطاعة. إلى غير هذا لا يكون التوحيد إلا بأن يفرج الله ورسوله بالحكم والانقياد والطاعة لهما. هذا مقتضى الشهادتين، ومقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، فإن معناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. هذا معنى شهادة أن محمدا رسول الله. فالله سبحانه في هذه الآية التي بوب بها أو عليها شيخ الإسلام هذا الباب ينكر على من يدعي الإيمان، وفعله هذا إرادة التحاكم إلى غير الله ورسوله. ولا يتم التوحيد، وكل من تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد تحاكم إلى الطاغوت. كل من تحاكم إلى غير الله ورسوله فقد تحاكم إلى الطاغوت. ولا يتم التوحيد إلا بالكفر بالطاغوت. قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾. فلا يتم التوحيد إلا بالكفر بكل طاغوت، وبكل ما جاء به الطاغوت من الباطل. فمن لم يكفر بالطاغوت فليس من المؤمنين. قال رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾. وهذا استفهام إنكار وتوبيخ وتبكيت من الله سبحانه إلى هذا الصنف من المنافقين. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾، والزعم كما قال ابن عباس: مطية الكذب. فالأصل في الزعم الكذب، وقد يراد به غير ذلك بمعنى الإخبار، لكن الأصل في إطلاق لفظ الزعم الكذب. فقوله: ﴿ يَزْعُمُونَ ﴾ أي يكذبون. هذا معناه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾. والمراد بالطاغوت كل باطل. المراد بالطاغوت في هذه الآية الباطل. وقد تقدم كلام ابن القيم في تعريف الطاغوت، وأن الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، وأن رؤوس الطواغيت خمسة، ورأسهم الأكبر هو الشيطان. ومن رؤوس الطواغيت الحاكم بغير ما أنزل الله. وهذا الصنف من المنافقين يعلمون أنه لا يجوز لهم إرادة التحاكم إلى غير الله ورسوله، وأن الواجب إسناد الحكم إلى الله ورسوله، والكفر بكل طاغوت. قال تعالى: ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾. في هذا بيان أن الذي يدعو الناس إلى الحكم بغير ما أنزل الله هو الشيطان. في هذه الآية بيانه أن الذي يريد، أن الذي يدعو الناس ويغويهم، هذا الإغواء، ويدعوهم إليه هو الشيطان الرجيم، لعنه الله. فهو الذي يؤز ويأمرهم بترك حكم الله ورسوله، واعتماد أحكام الطاغوت الباطلة، وهو بهذا يضلهم عن الحق، وعن الهدى، وعن الصراط المستقيم. فلا زالوا في ضياع، فلا زالوا في ضياع وفرقة وشتات وظلم وإفساد إلى غير ذلك. ولهذا قال سبحانه: ﴿ يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾. وهذا تأكيد من الله سبحانه بأنه ضلال، أكده بالمصدر المنصوب: ﴿ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا ﴾، ثم قال صفة لهذا الضلال: ﴿ بَعِيدًا ﴾. ومعنى هذا أنهم لا يوفقون إذا سلكوا هذا المسلك. كل من اتبع الشيطان فأقبل على حكم غير الرحمن فإنه لا يوفق، ويضل السبيل، ولا يجد العدل، ولا الطمأنينة، ولا الأمنة، ولا السلامة، ولا الهدى، ولا الاستقامة. تتفلت عليه الأمور لأن الشيطان يريد أن يضله ضلالا بعيدا. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى. فإن اتباع الشيطان في ترك حكم الرحمن سبحانه زيغ في القلوب، والشيطان هو الذي يزين ذلك. وهذا من أعظم الضلال، هذا من أعظم الضلال. قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ ﴾، أي إلى حكم الله في كتابه، وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ﴿ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾. والصد فعل لازب، والمعنى أن يعرضون عنك إعراضا شديدا. هذا معناه: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا، أن يعرضون إعراضا شديدا عن حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم. هذه صفة المنافقين، لا يريدون حكم الله تعالى، ولا حكم رسوله صلى الله عليه وسلم. كما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾. ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾. ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾، هذا مرض القلوب والعياذ بالله. ﴿ أَمِ ارْتَابُوا ﴾، أم أن في قلوبهم شكا من الدين، فهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، عياذا بالله. ﴿ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾، أي يظنون أن الله يظلمهم، أو أن الرسول يأخذ منهم بغير حق وبالباطل. ﴿ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾. ﴿ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾. هذه ثلاثة أحوال لا رابعة لها، ثلاثة أحوال لا رابعة لها. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون. ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾. فالذي يعرض عن حكم الله، وعن حكم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا من المنافقين الذين في قلوبهم مرض، فأفسد قلوبهم، أم ارتابوا وهم في شك وضلال بعيد، أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله. قال سبحانه: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾. أي أنهم قد يصيبهم الله سبحانه بجائحة أو جائفة، فتصيبهم بالبلايا العظيمة بسبب ذنوبهم، ثم يأتونك يا رسول الله فيقولون: نحن عندما تحاكمنا إلى الطاغوت الفلاني، والله ما أردنا إلا الإصلاح، وإلا الخير، وإلا الهدى، وإلا مدارات هؤلاء، فإننا نخشى على أنفسنا منهم، وإلا فإنا نعتقد أنه لا هدى إلا ما جئت به من عند الله، ولا فلاح إلا بما جئت به من عند الله، ولا استقامة لنا إلا بما جئت به من عند الله، ولا صلاح لنا ولا لمجتمعاتنا إلا بما جئت به من عند الله سبحانه. قال الله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾. هؤلاء الله سبحانه مطلع على سرائرهم، لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى. فمهما أخفوا من النفاق، وأظهروا حب كتاب الله وحب سنة رسول الله، وهم ينطرحون في أحضان أعداء الله، فإن الله بهم عليم، وبأعمالهم سبحانه خبير، لا تخفى عليه خافية. ولهذا قال الله لنبيه: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾، أي لا تعنفهم على فعلهم، مع الدعاء وصفاء قلوبهم، لا تعنفهم. وهذا فيه رد على الخوارج، ومن سار مسارهم من القطبية أو السرورية أو الإخوان المفلسين، فإنهم يجعلون شنائع الحكام، ويجعلون فضائح الأمراء فكاهة المجالس، وسبيلا إلى شحن صدور العام. هذا خلاف هذه الآية. فإن كثيرا من الحكام إذا قيل لهم: إن حكم الله خير، قالوا: بلى، حكم الله خير. وإن القرآن حق، قالوا: بلى، القرآن حق. وإن السنة هدى وصلاح وهي الفلاح، قالوا: نعم. لكننا نخاف على بلداننا، ونرى المصالح العامة في ذلك، والدين حق، وما جاء به الرسول حق على الرأس وعلى العين. قال الله: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾. هكذا قال الله لنبيه. قال ابن كثير: أي لا تعنفهم على ما صدر منهم من ابتغاء الحكم من الطاغوت، ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ أي في أنفسهم، ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾. أي موعظة بينك وبينهم، وعظهم، وقل لهم في أنفسهم، أي بينك وبينهم سرا. هذا منهج القرآن في معاملة الحكام الذين يتولون الطاغوت، ويحكمون بغير ما أنزل الرحمن. سبحانه: نعرض عنهم، ونعظهم، وإذا وجدناهم سرا أبلغنا لهم في النصح والبيان بكلام بليغ، ردا على ما يفعلونه في بلدانهم من الحكم بالطاغوت. ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾. هكذا قال الله سبحانه. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾. هذه الآية هي في المنافقين، هذه الآية هي في المنافقين. ومن الفساد العظيم تحكيم غير شرع الله في البلدان، فإن هذا إفساد للمجتمعات وإهلاك للأمم. فإن في هذا إفسادا للمجتمعات وإهلاكا للأمم. وهذا كما تقدم من أعمال المنافقين. وهذا من أعظم الفساد في الأرض: الحكم بغير ما أنزل الله، من أعظم الفساد في الأرض. فترى المحاكم في دول الإسلام إذا حكمت بقانون فرنسا أو بريطانيا أو نحوها من الدول، لا تنحل القضايا، وتزداد تعقيدا، والمشاكل تزداد أكثر فأكثر. بينما لو أقاموا الحدود، لو أقاموا الحدود وأعطوا كل ذي حق حقه، لصلحت البلاد واستقامت الأحوال. وما نراه اليوم من القلاقل والفتن هو بسبب ترك الحكم بغير ما أنزل الله. فإن هذا يعتبر من أعظم أسباب الفساد في الأرض، ولا يصدر إلا من المنافقين، عافانا الله من ذلك. ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾. أي نحن نداري دولا كبرى، نداريهم مدارات، ونراعي السياسة الدولية، وقوانين الأمم المتحدة، ونراعي دولا نرى في مراعاتها رعاية للمصالح العامة وحفظا لأمن البلد ونحو ذلك، وهم لا يوفقون إلى ذلك أبدا. الشاهد من هذه الآية أن هذا من علامات النفاق، وأن هذا من أعظم الفساد في الأرض، مع أنهم يدعون الإصلاح، واتباع النظم الدولية، وتجنيب البلاد ويلات الفتن، وصيحات الحروب، ونحو ذلك من تلك الدعاوى الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ﴿ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾، هذه دعواهم. قال: وقوله: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾. وهذا أيضا نهي من الله سبحانه عن الفساد في الأرض. وأعظم الفساد في الأرض نشر الشرك بالله سبحانه، ومنه الحكم بغير ما أنزل الله، وتنحية الكتاب والسنة عن الحكم بهما. هذا من أعظم الفساد في الأرض الذي لا تستقيم به أحوال الناس أبدا. لا تستقيم أحوال الناس إلا بما جاء به ربهم سبحانه. ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾، أي بنشر المعاصي، والدعوة إلى معصية الله، والدعوة إلى الشرك، ونحو ذلك، بعد إصلاحها ببعثة الرسل، ونزول الكتب، وبيان الدين. فالشرك ووسائله سبب للفساد، والتوحيد ودرجاته سبب لصلاح العباد والبلاد. والشاهد من هذا أن الحكم بغير ما أنزل الله من أعظم أسباب الفساد، الحكم بغير ما أنزل الله من أعظم أسباب الفساد. قال: وقوله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ الآية. وهذا إنكار من الله سبحانه على من خرج عن حكم الله ورسوله إلى حكم الطاغوت، عياذا بالله، سواء كان الطاغوت دستورا أو قانونا وضعيا، أو من سُلُم القبائل، أو من أعراف القبائل، أو من نحو ذلك من القوانين، أو الاصطلاحات، أو الأعراف التي تنزل منزلة القرآن والسنة في المتابعة والانقياد. سواء في البوادي، كذلك تدخل في مثل هذا. وكما حصل في التتر الذين كانوا يدعون الإسلام، فقد جاء جنكز خان، وجمع لهم كتابا سماه الياسق، جمعه من شرائع شتى، جمع الياسق من شرائع شتى، فيه من الإسلام ومن غير الإسلام، وأكثر الياسق من رأي جنكز خان، أكثر الياسق من رأي جنكز خان. ثم قام أبناء جنكز خان من بعده، فجعلوا هذا منهجا لهم، دستورا يقدمونه على كل شيء، حتى على حكم الله ورسوله، ويلزمون الناس به، معتقدين أنه خير وأهدى سبيلا. وهذا كفر بإجماع العلماء، كما قال ابن كثير في تفسير هذه الآية من سورة المائدة. قال الله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾. أي لا أحسن حكما لمن آمن، ودخل اليقين في قلبه، من الله سبحانه وتعالى أحد أبدا. وأحسن هنا أفعل تفضيل، لكنها لا يراد بها التفضيل هنا، وإنما استعملت لغير التفضيل، ومعناها: وحكم الله هو الحسن، وما سواه سيء، لا حسن فيه. وإن من البلاء العظيم الحكم بغير ما أنزل الله. هذا أمر عم البلدان إلا من عافاها الله سبحانه والحكمة. وكل من حكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن ذلك جائز، أو سائغ، أو أنه أحسن من حكم الله ورسوله وأهدى سبيلا، فهذا كافر بإجماع العلماء. كل من حكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن ما يحكم به هو أحسن هدية وأهدى سبيلا، أو أن ما يحكم به جائز الحكم به وسائغ الحكم به، فهذا كافر كفرا أكبر، عياذا بالله. وكل من حكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن الواجب لزوم حكم الله، كل من حكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن الواجب لزوم حكم الله ورسوله، وأن ما يفعلونه خطأ، لكن النفوس تشتهي ذلك، فهذا ليس بكافر، إلا كفرا أصغر، كما صح عن ابن عباس، وعليه السلف: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾، قال: كفرا دون كفر. وقال: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وليس كمن كفر بالله ورسوله وملائكته. وبهذا قال السلف، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة. كل من حكم بغير ما أنزل الله معتقدا أن حكم الله أهدى سبيلا وأهدى وأقوى مقيلا، وأن حكم الله لازم، إلا أنه حكم بغير ما أنزل الله في مسألة أو أكثر، معتقدا أنه عاصٍ، مجانب للصواب، ويتذرع بالإكراه أو بنحوه، فليس من الكافرين كفرا أكبر، هو من كفر كفرا أصغر، هو من عصاة المسلمين. وهل يفرق بين المسألة والاثنتين والثلاث وأكثر؟ هكذا قال بعض أهل العلم: قالوا إن حكم في مسألة أو اثنتين أو أكثر، قالوا في هذا التفصيل: أما إن حكم في ما هو في جملة عامة، قالوا فهذا يكون من الكافرين. وهذا القول لا دليل عليه، ولا شك في غلطه. هذا القول لا دليل عليه، ولا شك في غلطه، وإن صدر من معادن علم وفضل، وفقهم الله لكل خير. هذا القول لا دليل عليه. فأهل السنة لا يفرقون بين مسألة أو مسألتين أو ثلاث أو أربع أو عشر أو خمسة عشر أو عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو خمسون أو مئة وعشرين، أو زد ما شئت، لا يفرقون. الكلام في مسألة ومسألتين، الكلام في مئة ومئتين. ومن ابتدع الفرق فعليه بالبرهان. أين الدليل؟ لا دليل، فلا يفرق بين مسألة ومسألتين. هذا لا دليل عليه. فالحاكم إذا حكم في أربع مسائل عندكم مسلم، وإذا حكم في مئة مسألة كفرتوه؟ أعندكم بهذا كتاب، أم سنة، أم تحديد من كلام السلف، أم نص آية، أم حديث، أم إجماع أهل العلم؟ فأتوا ببرهانكم إن كنتم صادقين. ما معهم شيء. فالشاهد: لا يفرق بين مسألة أو أكثر. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة. قال بعض أهل العلم: فإن جعله تشريعا عاما كفر. قال بعض أهل العلم: فإن جعله تشريعا عاما كفر. قلنا: ما تريدون بالتشريع العام؟ إن أرادوا بالتشريع العام أن يستبدل الدين كله، وكل ما جاء به الرسول من التوحيد والنهي عن الشرك، إلى شرائع، إلى فروع الإسلام، أو ما يسمى بالفروع، فهذا لا شك في كفره. فإن من أمر بترك التوحيد واستبدله بالشرك والتنديد فهو كافر بإجماع العلماء، لا نختلف فيه. وهذا ذكره بعض أهل العلم، وهو الشيخ العلامة محمد بن علي بن غريب في كتابه "التوضيح بتوحيد الخالق، وتحفة أهل العراق ببيان طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" رحمه الله. الشاهد: إذا كان التشريع العام عندكم عبارة عن تبديل الدين بأكمله، التوحيد بالشرك، والإسلام بالمعاصي والكفر، فهذا لا شك أنه من الكفر المبين، والشرك المستبين، لا نجادل في ذلك. وأما إن أردتم بالتشريع العام أن يستبدل الحدود بالسجون، وأحكام كذا بأحكام كذا التي عند الفرينج، أو الكفار، وما يسمى بالقانون الوضعي، فهذا فيه قولان لأهل العلم، والصحيح أنه لأهل العلم قولا واحد، لكن نمشي على المشهور، فنقول: لأهل العلم قولان. من أهل العلم من يقول: إن من حكم بالقانون فهو كافر، لأنه ارتضى القانون، وجعله شريعة كالكتاب والسنة. قال سماحة الشيخ العلامة المفتي محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: إن من الكفر المبين والشرك المستبين تحكيم القوانين، إلى آخر كلامه رحمه الله في مقدمة رسالته المشهورة "بتحكيم القوانين". وإلى كلامه جنح بعض أهل العلم، فجعلوا مجرد الحكم بقانون دولة كفرا أكبر، ولو اعتقد أن هدي الله وحكمه أكبر. هكذا قالوا. هكذا قالوا. الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه في تلك الرسالة، واختار هذا بعض أحفاده، وفقهم الله لكل خير. والقول الثاني: أن من حكم بالقانون، فإن حكم به مستحلا، أو أنه يراه أفضل من حكم الله، أو أهدى سبيلا من القرآن والسنة، أو أن الحكم بالقانون جائز، فهذا كافر كفرا أكبر، وشركا أعظم، عياذا بالله. وإن حكم بالقانون معتقدا أن هدي الله أكمل، وأن حكم الله أحسن، وأن الحكم بالقانون لا يجوز، وأنه من المعاصي العظيمة، وأنه لا يجوز، لكنه حكم به لشهوة، أو مراعاة لدولة، أو نحو ذلك، فهذا كافر كفرا أصغر. وهذا ما جزم به سماحة الوالد العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمة الله عليه. وهذا هو الصواب في المسألة الذي لا شك فيه، هذا هو الصواب في المسألة الذي لا شك فيه. فإن قال قائل: فكيف بكلام محمد بن إبراهيم؟ فالجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أنه سئل عن هذا سماحة الشيخ تلميذ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فقال: الصواب ما تقدم، ومحمد بن إبراهيم ما هو بنبي، هكذا قال، ما هو برسول، كل يؤخذ من قوله ويرد. هكذا أجاب سماحة الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله وغفر له. هذا الوجه الأول. ففتاوى العلماء يستدل لها، لا يستدل بها. والوجه الثاني: أن نقرأ في فتاوى محمد بن إبراهيم في المجلد الأول ما يفيد أنه لا يخالف جماهير أهل السنة في هذه المسألة، وأنه يقول بقولهم في المسألة. وأن ذلك الكلام الذي أفتى به في تلك الأوراق كلام مطلق عام، يعمل على من اعتقد أن القانون أفضل، أو أنه أحسن، أو أنه جائز. فإنه قد ذكر في المجلد الأول من فتاواه، الصفحة ٨٠، ما لفظه: قال: "من الحكم بغير ما أنزل الله في جميع أحكامه، قال: من حكم بغير ما أنزل الله في جميع أحكامه، أنزلنا القوانين الوضعية ليتحاكم إليها الناس، فكفره، كما أفتى، فكفره". قال رحمه الله: هذا لفظ كلامه، بأنه كافر. رحمه الله قال: وهذا يدل، هذا كلامه يدل على أن كلامه المطلق مقيد. قال رحمه الله تعالى: وكذلك تحقيق معنى "محمد رسول الله" من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأوضاع، وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها، أو حكم إليها، معتقدا صحة ذلك وجوازه، فهذا كافر الكفر الناقل عن الملة. وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه، فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة. انتهى كلامه. وهذه الفتوى بتاريخ التاسع من محرم سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وألف، أي بعد تلك الفتوى بسنين. هذا هو المعتمد من كلامه رحمه الله، وهذه عقيدة أهل السنة في هذا الباب. ومن خالف فقوله يحتج له، ولا يحتج به. ولعل المجلس قد طال، نقل إن شاء الله في غد. وإذا كان لكم شيء، وإلا، وصل الله على محمد، وعلى أهل صحبه وسلم.