الدرس في باب الاستنجاء 12، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستحب الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة وفق نص «صفوة الزبد»، لكن حديث سراقة بن جعشم الدال على ذلك ضعيف لا يُحتج به عند الأئمة. والأصل في هيئة الجلوس الإباحة وما يسهل على الشخص، ولا تُبنى الأحكام إلا على أدلة صحيحة صريحة.
يُستحب إنزال الثوب تدريجياً حتى يدنو من الأرض ثم ستر العورة فور الفراغ، مع كراهة رفع الثوب قبل الجلوس. وقد أجمع الفقهاء الأربعة على الاعتماد على اليسرى وإنزال الثوب تدريجياً مراعاة للستر، ورأى الإمام أحمد التحريم لكشف العورة لغير حاجة.
أعلن المتحدث عن البقاء في الموضع الحالي وتأجيل إكمال الدرس ليوم السبت إن شاء الله. واختتم الجلسة بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا زلنا في هذه المنظومة النافعة «صفوة الزبد فيما عليه المعتمد»، نقرأ أبياتها ونتأمل معانيها، ونسأل الله أن يرحم مصنفها ويجزيه أحسن الجزاء وسائر علمائنا المسلمين. يقول رحمه الله تعالى: «فقدم اليمنى خروجاً واسألي مغفرةً واحمد وباليسر دخلي واعتمد اليسرى وثوباً أحسرى شيئاً فشيئاً ساكتاً مستترى» ذكر رحمه الله في هذا البيت ثلاث مسائل. المسألة الأولى: قوله «واعتمد اليسرى»، أي عند قضاء الحاجة يستحب ويندب عند جلوسه لقضاء الحاجة أن يعتمد على رجله اليسرى دون اليمنى، فينصب اليسرى ويعتمد عليه. يقول فقهاؤنا: لأن ذلك أيسر وأسهل في خروج الأذى. هكذا يقول فقهاؤنا. قالوا: حتى لو كان قائماً فبال ينبغي أن يعتمد على يسرى فينصبها، يعني يكون وقفته معتمدة على الرجل اليسرى واليمنى تكون كالمعلقة. هذا المعنى. «واعتمد اليسرى» أي عند قضاء الحاجة بولاً أو غائطاً ونحو ذلك. ويستدلون أيضاً بحديث في هذا الباب، وهو حديث سراقة بن جعشم رضي الله عنه، قال: «علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى». ينصب اليمنى ويعتمد اليسرى، أي في الجلوس ينصب اليمنى، إذن اليمنى تكون منصوبة كالمعلقة واليسرى معتمدة كالمتكئ عليها. قلنا: وهم يقولون الفقهاء يقولون هذا أسهل في خروج الأذى، ولهم في هذا كلام كثير، حاصله أن المعدة كالإناء، وأن الاعتماد على اليسرى كصب الإناء فيخرج الأذى بأيسر سبيل. هكذا قالوا في كتب الفقه. والحديث المذكور حديث سراقة رضي الله عنه حديث ضعيف، جزم بضعفه الأئمة ومنهم الإمام النووي رحمه الله، وذكر أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به. ذكر الإمام النووي رحمه الله أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به، ثم قال: «وبقي المعنى يستأنس بالحديث له». وبقي المعنى، يعني أن هذا أيسر وأسهل في خروج الغائط وخروج الأذى إلى آخره. وينبغي الوقوف في مثل هذا الموضع، ينبغي الوقوف في مثل هذا الموضع؛ فإن الأصل في الأحكام الشرعية ألا نجزم بحكم شرعي من أحكام الشرع إلا بدليل صريح يدل على ذلك الحكم. الأصل أن بناء الأحكام الشرعية إنما يكون على النصوص والأدلة. فإذا قيل هذا يكره، فلابد لمن قال بالكراهة أن يأتي بدليل على الكراهة، ويكون الدليل صحيحاً. ومن قال باستحباب فعل ما، فقد نسب إلى الشريعة حكماً شرعياً هو استحباب أو ندب الفعل الفلاني، وهذا يحتاج إلى دليل، ولا بد في الدليل أن يكون صريحاً. من ادعى أن هذا واجب، قلنا: لا بد من الدليل الصريح الصحيح. من ادعى أن هذا حرام، قلنا: لا بد من دليل يدل على حرمة هذا الشيء، ويكون الدليل صحيحاً صريحاً. إذن هذه قاعدة متفق عليها بين الأئمة والعلماء: أن بناء الأحكام الشرعية إنما يكون على الأدلة الصريحة الصحيحة، لا يختلف في هذا أحد من العلماء. قد يقول قائل: فكيف يستدل بعضهم بالضعيف؟ قلنا: نعتذر له بأنه لم يعلم أنه ضعيف، أو أنه لا يراه ضعيفاً، ولا ثالث إن شاء الله تعالى. نرجو أنه يدور بين هذين الاحتمالين، نرجو ذلك. والعبرة في مثل هذه المسائل بأدلتها كما تقدر، فإذا بان أن الحديث ضعيف لك وجب عليك ترك ذلك الحديث، وجب عليك ترك ذلك الحديث لأنه بان لك ضعفه، بان لك ضعفه. الأمر الثاني: ابن تيمية له رسالة لطيفة اسمها «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، أنصح بقراءتها. رسالة في الاعتذار للعلماء لما يحصل منهم من رد الحديث الصحيح أو الأخذ بالضعيف أو نحو هذه الصور. رسالة لطيفة جميلة. بقي أمر آخر وهو في هذه المسألة: هل الاعتماد على اليسرى أسهل في خروج الأذى كما قاله بعض الفقهاء؟ هل هذه الدعوى صحيحة؟ الجواب: هذه الدعوى تحتاج إلى إثبات، وهذه الدعوى إنما تؤخذ عن الأطباء لا عن مجرد الفقهاء. هذه الدعوى إنما تؤخذ عن من؟ عن الأطباء لا عن مجرد الفقهاء. فالأطباء هذا فنهم، ولا أعلم أن الأطباء يذكرون مثل هذا فيقولون: إذا نصبت اليمنى واعتمدت على اليسرى ثم يكون أسهل في خروج الأذى. ولو كان هذا صحيحاً، لو كان هذا صحيحاً، فالاستحباب حكم شرعي نحتاج إلى دليل عليه. غاية ما في الأمر أن نقول: هذا أفضل، ولا نقول: هذا يستحب؛ لأن قولنا يستحب معناه أن الله ورسوله قد أمر به أمر استحباب. هذا الأولى في مثل هذا الموضع. ولهذا هذا الحديث ضعيف، حديث سراقة بن جعشم رضي الله عنه ضعيف كما ضعفه العلماء والمحدثون، ومنهم العالم الجليل أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى. إذا بان هذا فالمسألة مسكوت عنها، والأصل فيها الإباحة. اجلس كما يكون أسهل لك، الجلوس كما يكون أسهل لك. والأمور تتغير والأحوال تتغير وتتبدل في كل زمان، والأصل في ذلك كله أن يكون مسكوتاً عنه؛ إذ لو كان فيه حكم لظهر لنا بالنص ونقل نقلاً صحيحاً حتى يصل إلينا. ولهذا كم في كتب الفقهاء من أحاديث يضعفها محقق المذاهب، تكون محنة للمقلد وللمتعصب. محنة: حديث لم يثبت عن رسول الله، لا يوجد عالم يفهم في علم الحديث يصحح هذا الحديث أو يحتج به. لهذا في حديث سراقة يقول النووي رحمه الله: «لا يحتج به»، أي هذا ليس بحجة، ولا يحتج بهذا الحديث، وهي كلمة عظيمة مع ضعف الحديث. ولهذا نقول: قول الناظم «واعتمد اليسرى»، نقول: افعل الأيسر، افعل الأيسر لك، افعل الأيسر لك. هذا أمر مسكوت عنه، ولا نقول يستحب كذا، ولا نقول يستحب كذا؛ لأننا إذا قلنا يستحب لزمنا المطالبة، لزمتنا المطالبة بدليل الاستحباب؛ لأن القاعدة أن الأحكام الشرعية إنما تثبت بالأدلة الصريحة الصحيحة. ولهذا كتب الفقهاء تحتاج إلى غربلة في كثير من الأحاديث، حتى ألفاظ الأحاديث. النووي في مقدمة المجموع ذكره في مقدمة المنهاج «منهاج الطالبين»، عاب على كثير من كتب الفقهاء ذكر ألفاظ لأحاديث ليست عليها تلك الأحاديث، وإنما ينقلها هذا عن هذا فيحصل الغلط في نقل تلك الأذكار. قال النووي رحمه الله: «تحريت نقلها من أصول كتب الحديث». وهذا خطأ نبه عليه رحمه الله. قال رحمه الله: «واعتمد اليسرى وثوباً أحسرى شيئاً فشيئاً»، أي لا تستعجل في كشف عورتك عند إرادتك قضاء حاجتك، لا تستعجل في كشف عورتك، وإنما أحسر الثوب أي ارفعه واكشفه، واكشف العورة المقصود شيئاً فشيئاً. هذا أدب، هذا أدب هو أن يكشف شيئاً فشيئاً حتى يدنو من الأرض، حتى يدنو من الأرض. إن خاف التنجيس، ما العمل؟ قلنا: يكشف بقدر الحاجة، يكشف بقدر الحاجة، يكشف بقدر الحاجة. فإذا فرغ أسبل ثوبه، إذا استنجى وفرغ أسفل، أسبل وأرخى ثوبه، إلا أن يخاف عليه التنجيس، يأخذ بأطرافه حتى لا يتنجس. شاهد هذا كله حرص على التصون والتستر وعدم كشف العورة. كل هذا حرص على التصون، فيريد يقضي حاجته، ينزل شيئاً فشيئاً ثم يكشف شيئاً فشيئاً، يريد أن يقوم يبدأ بستر عورته ثم يقوم. هذا أدب من الآداب، هذا أدب من الآداب التي تذكر في مثل هذا الموضع. في هذه المسألة حديث رواه أبو داود، في هذه المسألة حديث رواه أبو داود في سننه من طريق الأعمش عن رجل عن ابن عمر رضي الله عنه. في هذه المسألة حديث رواه أبو داود في سننه من طريق الأعمش سليمان بن مهران رحمه الله عن رجل، هذا مبهم، عن ابن عمر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض». أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. والحديث ضعيف عند أهل العلم، حديث ضعيف عند أهل العلم. والفقهاء استحبوا هذا الفعل أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، وكرهوا، كره الفقهاء رفع الثوب، كره الفقهاء رفع الثوب قبل الحاجة. كره الفقهاء رفع الثوب قبل الحاجة، أي قبل جلوسه للحاجة يكره رفع الثوب قبل جلوسه للحاجة، يكره رفع الثوب، كذا قال الفقهاء. وفي رواية للإمام أحمد أن هذا حرام. لعل رواية الإمام أحمد رحمه الله مبنية على مراعاة مسألة كشف العورة، فإن كشف العورة حرام، كشف العورة حرام لا يجوز إلا لضرورة أو حاجة تقدر بقدرها، إلا لضرورة أو حاجة تقدر بقدرها أو بقدرها، ولا يجوز كشف العورة لغير حاجة. ولهذا هل من حاجة إلى كشف العورة قبل الدنو من الأرض؟ يقول الفقهاء: ليس هناك حاجة لكشف العورة قبل الدنو من الأرض. الظاهر أن رواية الإمام أحمد في التحريم مبنية على كشف العورة، ما عدم وجود الحاجة إلى الكشف، كشف العورة. وقول الفقهاء يكره رفع الثوب، الظاهر والله أعلم أنه فيما إذا كان في مكان مستور. الظاهر والله أعلم أن قول الفقهاء «وثوباً أحسر شيئاً فشيئاً» ظاهر أنه إذا كان في مكان مستور يكره رفع الثوب قبل الحاجة، إذا كان في مكان مستور كالكَنِف جمع كنيف والحمامات الخاصة. هذا اللائق بقول الفقهاء بالكراهة، الله أعلم. هذا اللائق بقول فقهائنا: يكره رفع الثوب قبل الحاجة؛ لأنه لو كان في مكان لا ستر فيه فكشف العورة حرام لغير حاجة. الإنسان يراعي الستر قدر المستطاع، يراعي الستر قدر المستطاع. يقول الناظم: «واعتمد اليسرى وثوباً أحسر». بهذا قال الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية، فهذا قول المذاهب الأربعة: الاعتماد على اليسرى، اليسرى الاتكاء عليها، اتكاء عليها ونصب اليمن، هذا قول المذاهب الأربعة. «وثوباً أحسر شيئاً فشيئاً»، قلنا أيضاً هذا قول الفقهاء، وينبغي أن يحمل هذا على ما لا يكون فيه ارتكاب الحرام في كشف العورة لغير حاجة. لا زلنا في هذا الموضع ونكمله إن شاء الله في يوم السبت إن شاء الله تعالى. فإذا كان لكم شيء وإلا وقفناها هنا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.