الدرس في كتاب الطهارة 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع خلاف الفقهاء حول طهارة النجاسة الحكمية بالشمس والريح، حيث يرى الجمهور عدم طهارتها خلافاً لأبي حنيفة وابن تيمية. كما يبين حكم بول وروث ومني ما يؤكل لحمه بأنه طاهر عند الجمهور مستدلين بصلاة النبي في مرابط الغنم.
يرى الشافعية أن مني كل الحيوانات طاهر إلا مني الكلب والخنزير، والأصل في الأشياء الطهارة ما لم يقم دليل على النجاسة. واستدلوا على طهارة مني الإنسان بأحاديث عائشة وأم حبيبة حيث كان النبي يصلي في الثوب الذي أصابه المني بعد فركه أو غسله.
يقرر المقطع أن الأصل في الأشياء الطهارة، وأن بول وروث الحيوانات طاهران إلا ما جاء فيه دليل، ويستثني روث الحمار الذي سماه النبي «ركساً». واختلف العلماء في دلالة اللفظ على النجاسة الشرعية، والراجح أنه ليس نجساً بل قذر مستقذر.
أشار المتحدث إلى عدم وجود دليل على نجاسة الأمور المذكورة سوى ما ورد في الروثة ولحم الخنزير. ثم اختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فنكمل أو نقرأ فيما قد بدأنا فيه من كتاب الشيخ المحلي، الذي هو "مزيد النعمة في جمع أقوال الأئمة في كتاب الطهارة والفقه". وقفنا في باب النجاسة، وأخذنا بعض المسائل التي في النجاسة، في نجاسة آخرها في نجاسة الكلب. ثم قال المؤلف رحمه الله: "ولا تُطهر النجاسة الحكمية بشمس وريح". وذلك عند الثلاثة، خلافاً لأبي حنيفة. هذه المسألة التي تشير إليها في النجاسة الحكمية، النجاسة التي تُرى: هل تذهب؟ هل تطهر بشمس وريح وغير ذلك؟ فعند الثلاثة، أي مالك والشافعي وأحمد، أنها لا تطهرها الريح. إلا أنه قد جاء عند الشافعي رحمه الله في القديم أنها إذا طلعت عليها شمس أو هبت عليها ريح فإنها تطهرها. وهذا يوافق قول أبي حنيفة، على أنه إذا ذهبت هذه النجاسة بشمس أو بريح أو بغير ذلك، فإن حكمها يذهب، تذهب، خلط ما تكون نجاسة. مثلاً: إذا كانت هذه النجاسة في ثوب، فعلق الإنسان الثوب في الشمس، فذهبت الرطوبة، فهنا هذا يعتبر المكان طاهراً. هذا المكان الذي أصابه بول أو أصابه شيء يعتبر طاهراً. وهذا ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. شيخ الإسلام يقول بقول أبي حنيفة، ويرجح هذا القول، على أن الشمس والريح تعتبر في حكم النجاسة، لأن النجاسة حكمها زوالها، إذا زالت زال حكمها. حكم النجاسة أقصد بقاؤها، حكم النجاسة بقاؤها، إذا زالت زال حكمها. فإذا أزيلت هذه النجاسة أو زالت بريح مثلاً أو بشمس أو بمادة أخرى غير الماء مثلاً، فإنه يعتبر إزالة لها. فإذا زالت النجاسة زال حكمها. قال رحمه الله: "وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلْ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ طَاهِرْ، وَمَنِيُّ غَيْرِ كَلْبِ الْخِنْزِيرِ طَاهِرْ، وَمَنِيُّ الْآدَمِي طَاهِرْ، عِنْدَ أَحْمَدَ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا عَرَقُهُ وَرِيقُهُ". الآن مسألة المني والروث وبول الحيوانات. أما الإنسان، فلا شك أن بوله وروثه، أو بوله وغائطه نجس عند جميع العلماء باتفاق، ولا خلاف في ذلك. لكن اختلفوا في غير الإنسان، في الحيوان الذي يؤكل لحمه، والذي لا يؤكل لحمه. فقال أكثر العلم: إن الذي يؤكل لحمه، بوله وروثه ومنيه طاهر. لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في مرابط الغنم، صلى في مرابط الغنم، وقال: "صلوا فيها". فهذا يدل على أن ما يؤكل لحمه، عرقه أو بوله وروثه ومنيه كذلك طاهر. ويدخل في ذلك كل ما يؤكل لحمه. وعند الشافعي: أن مني غير الكلب والخنزير طاهر، سواء كان يؤكل أو لا يؤكل. عند الشافعي رحمه الله أن مني غير الكلب والخنزير طاهر عنده، ويرى أن مني الإنسان طاهر كذلك، كما هو المشهور من قول الشافعي رحمه الله، وهو الصحيح. لأن الشافعية لهم في مني غير الآدمي ثلاثة أقوال: منها طهارة الجميع غير الكلب والخنزير، كما ذكره هنا المؤلف، وهو ترجيح، ترجيح الإمام النووي رحمه الله في المذهب. لأن الإمام النووي له ترجيح في المذهب، وله ترجيح خارج المذهب، أو يقال في المذهب تصحيح، أن يصحح القول الذي في المذهب. فعند الشافعية أن المني طاهر إلا مني الكلب والخنزير. وهناك قول عند الشافعية: أن جميع المني نجس، جميع المني نجس، وهذا الذي رجحه الرافعي. وهناك قول بالتفصيل: ما أكل لحمه فمنيه طاهر، وما لم يؤكل لحمه فمنيه نجس. لكن المشهور عند الشافعية أن مني غير الكلب والخنزير طاهر. فيرون أن الكلب والخنزير كل شيء فيهما نجس، ومنها المني. هذا المشهور عند الشافعية. وأما من ناحية الأدلة، ليس هناك دليل مثلاً في هذه المسألة، وإذا لم يوجد أقصد في مسألة الحيوانات ومنيهم، إذا لم يوجد دليل، فالأصل بقاء، معنى بقاء الطهارة، الأصل هو الطهارة، إلا إذا جاء دليل على النجاسة. فالأصل الطهارة، فإذا جاء الدليل، دليل على النجاسة، قلنا بالنجاسة، وإلا الأصل هو الطهارة. فلذا فالصحيح في هذه الأشياء أنها طاهرة. وأما مني الكلب والخنزير فهو أيضاً يتبع بوله وروثه، وهو لم يدل دليل على نجاستهما. وكذلك مني الإنسان أيضاً طاهر عند أحمد والشافعي، وأيضاً رواية أيضاً عند أبي حنيفة. لكن المشهور في مذهب مالك وأبي حنيفة أنه نجس. والأدلة التي جاءت في مسألة مني الإنسان: ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تغسله، فيصلي فيه، وأثر الغسل معناه في الثوب، أثر الغسل في الثوب. وجاء في حديث أم حبيبة في السنن: أن معاوية أخاها سألها: هل يصلي النبي صلى الله عليه وسلم في الثوب الذي يجامع فيه؟ فقالت: لا، إلا إذا رأى أذى، غسله ثم صلى فيه. وهذه الأحاديث لا تدل على أن المني نجس، بل استدل بها كثير من العلم، كالإمام الشافعي وغيره، على الطهارة. لأن الفرك لا يعتبر إزالة للنجاسة، لأن الفرك ما يكون إلا يابساً، وقد يكون قد صلى في هذا الثوب. فلم يأت دليل أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر عائشة أن تفعل ذلك، وإنما هو اجتهاد منها. فلذا قال ابن عباس: هو بمنزلة المخاط. قال ابن عباس: هو بمنزلة المخاط. معناه: يغسل من الثياب، ليس أنه نجس، وإنما من باب التقدير فقط. فلذا فهو طاهر عند الشافعي وأحمد، وهو الصحيح. وأما كذلك البول والروث، أيضاً لا دليل على نجاسته، وإنما جاءت الأدلة في روث وبول الإنسان، أو في غائط الإنسان وبوله، فهو النجس، فهو النجس. وأما سائر الحيوانات فلم يأت دليل على النجاسة، إلا الحمار. إلا الحمار، فقد جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود: أنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته، فقال: "ائتني بثلاثة أحجار". فجاء ابن مسعود بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: "إنها ركس"، وقال: "إنها ركس". والروثة هي ما يخرجه الحمار، وما كان مثله، والبغل والخيل، وهذه الأشياء تسمى روثة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها ركس". وركس بمعنى القذر، معنى قذر. لكن هل معنى أنها نجسة؟ فهذا في خلاف بين أهل العلم. هل استدلوا بهذا الحديث على النجاسة؟ لأن الركس هي لغة من لغات الرجس. والله عز وجل قد ذكر الرجس في بعض الأشياء، مثل الخنزير، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، أو قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، أو في الآية الأخرى قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، أو لحم خنزير فإنه رجس. هل المراد بالرجس هنا كل ما ذكره، أو لحم الخنزير؟ فإن كان لحم الخنزير، فقوله هنا: "رجس"، أي قذر. وقال العلماء: لا تدل "رجس" على النجاسة. فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أطلقها على الحمار، ولم يقل أحد بنجاسته، أي لحم الحمار، لم يقل أحد بنجاسته. وإن مراد به القذارة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحم الحمر الأهلية، فإنها رجس". فلذا فكلمة "رجس" و"ركس" ليس المراد بها النجاسة. وحملها بعض العلم على النجاسة، كما فعل الإمام الشوكاني رحمه الله. فلذا قال: أن لحم الخنزير نجس، وكذلك روثة الحمار نجسة. روثة الحمار نجسة، استدل بالحديث. فخلاصة ما يقال: أن الأصل في هذه الأشياء الطهارة، الأصل في الأشياء الطهارة، إلا إذا جاء الدليل عليها. ولم يأت دليل على نجاسة شيء من هذا، إلا كما قلنا: ما كان في الروثة، وما كان في لحم الخنزير. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكراً.