الدرس في كتاب الطهارة 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
إذا اشتبه طاهر بنجس، اجتهد واستعمل ما ظنه طاهرا عند الشافعي، بينما اختلفت آراء العلماء الآخرين. في بعض الحالات، يمكن استعمال الماء بعد مزجه أو التيمم إذا لم يمكن التمييز بين الطاهر والنجس.
إذا اختلط الماء الطاهر بالماء النجس واشتبها، فإن كان أثر النجاسة غير موجود فيجوز استعمالهما معا على قول شيخ الإسلام ابن تيمية. هناك آراء مختلفة في هذه المسألة، حيث يرى الإمام الشافعي الاجتهاد في التمييز بين الطاهر والنجس.
إذا اشتبه مائع طاهر ونجس، يتحرى الشخص لتحديد الطاهر والنجس، فإن لم يستطع صلى في كليهما مرة. على المسلم أن يتحرى الطهارة عند الصلاة، فيجتهد لتحديد أي المكانين طاهر، فإن غلب على ظنه طهارة أحدهما صلى فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله: وإذا اشتبه طاهر بنجس اجتهد واستعمل ما ظنه طاهرا. عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن كان عدد الطاهر أكثر اجتهد وإلا لا. وقال أحمد: لا يتحرى بل يخلطها بعضها ببعض ويتيمم. وعند مالك روايتان. إذا اشتبه في شيء من الأمور أو في شيئين أحدهما طاهر والآخر نجس ولا يدري أيهما الطاهر وأيهما النجس، فإذا كان عنده شيئان أحدهما طاهر والآخر نجس ولم يدري أيهما الطاهر والنجس أو حصل له اجتهاد، فإن اجتهد واستعمل ما ظنه طاهرا فيجزيء عند الشافعي. وهي أيضا كذلك عند مالك إذا اجتهد إن كانت هناك قرائن تدل على أن هذا طاهر وهذا نجس، فهذا يعتبر حل هذا الأمر. وإلا فعلى القول الآخر، مثلا إذا كان الماء عنده إناءان فيهما ماء، أحدهما فيه ماء نجس وقد تغير، وأحدهما فيه ماء طاهر، لكن على قول أحمد على إطلاق قول أحمد، إذا كان مثلا هذا الماء الذي فيه النجاسة تغير، ثم لما جاء مرة أخرى لم يميز أيهما الذي تغير، فهنا هل يتوضأ بأحدهما أم أنه يترك كليهما ويتيمم؟ فقال أحمد: يتركهما ويتيمم. لكن الرواية الأخرى عنه أنه يكاثر الماء، يعني يأتي بأحدهما ويضعه في الآخر حتى تذهب النجاسة التي في أحدهما، خاصة إذا رأى أن أثرها قد ذهب. ولهذا ذهب شيخ الإسلام رحمه الله في هذا إلى أن النجاسة إذا ذهب أثرها ذهب حكمها. وقد قال بهذا بعض المالكية كذلك. وهذا القول أريح في هذه المسائل، لأنه يرى أمامه الماء أحدهما تغير وأحدهما صافي، فهنا يكون هذا الماء نجس لا يجوز له استعماله، فيعرف أن هذا النجس وهذا الطاهر بالتغير. لكن إن جاء مرة أخرى بعد تركه مثلا إلى الليل، ولم يدري أيهما كان الذي قد تغير وتنجس، فهنا أيضا على قول شيخ الإسلام، وهي رواية عن أحمد، أنه إن لم يظهر أثر النجاسة فيعتبر طاهر. وفي قول آخر: أنه يضع هذا الطاهر في النجس، ثم يتوضأ به، لأنه قد طهر. وهذا أولى القولين. قال الإمام سفيان الثوري: سئل الزهري رحمه الله عن ماء ولغ فيه كلب، ولم يجد الإنسان غيره، فقال: يتوضأ به. فقيل لسفيان الثوري: هذه فتوى الزهري، قال: هذا هو الفقه. هذا ما عنده، وإن كان اختلف فيه هل هو نجس أو ليس بنجس، لكنه ما أولى أن يستعمله من أن يستعمل التراب. فلهذا في هذه المسألة الصحيح أنه إن كان من ناحية ماء أو من ناحية أشياء أخرى، مثلا عنده زيتان أحدهما فيه زيت تغير بميتة، مثلا سقطت فيه وزغة أو سقط فيه فأر، فتغير هذا الزيت، ثم إنه أيضا في الإناء الآخر زيت طاهر ليس فيه شيء، فجاء بعد فترة وقد أخرج هذه الفأرة، فرأى أن الزيت طهر وذهبت آثار النجاسة، فهنا هل يستعمل وإن شك مثلا هل هذا الذي تنجس أو هذا؟ فإنه يجوز أن يستعملهما معا، كما قلنا على قول شيخ الإسلام، وهي رواية عن مالك. فالإمام الشافعي رحمه الله في الجديد يقول: إنه يجتهد، فإن وجد هناك قرائن تدل على حدهما أن هذا الطاهر وهذا النجس أخذ بها، وإن لم يجد تركهما. لأنه يرى أن النجاسة إذا وقعت في ماء قليل نجسته، ولو لم تغير أحد أوصافه الثلاثة. خلاصة المسألة أن الصحيح في هذه المسألة أنه إذا اشتبه الماء الطاهر بالماء النجس، فإن كان أثر النجاسة غير موجود فيجوز أن يستعملهما معا. وهذا كما قلنا مخرج على قول مالك، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وكذلك هو قول أبي حنيفة في طهارة الأشياء بغير الماء. قال رحمه الله: وإذا اشتبه مائع طاهر ونجس تحرى عند أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك وأحمد: يصلي في كل منهما مرة. والله أعلم. وكذلك عند الشافعي أيضا نفس الكلام، لكن عندهم يتحرى أولا أيهما الطاهر وأيهما النجس، يعني ينظر فيهما أيهما فيه النجاسة إن كانت النجاسة ظاهرة فسيراها، وإن كانت النجاسة غير ظاهرة ما سيراها. لكن مثلا هناك قرينة تدل على أن هذا النجس قد لبسه من قبل واتسخ عليه، فوجد فيه الوسخ مثلا، وهذا الثاني لم يلبسه كثيرا فكان نظيفا، هذه قرينة مثلا تدل على أن الطاهر هو الثوب النظيف، والثوب الذي ليس بنظيف هو النجس. فهذه قرينة في التحري. وهكذا إن وجد شيئا يستدل به على هذا الأمر، وإلا صلى كل صلاة مرتين. معنى ذلك أنه يلبس هذا الثوب ويصلي، ثم يلبس الآخر ويصلي مرة أخرى. هذا على قول الجمهور أيضا، بل قال الشافعية: إنه حتى إذا استمر هذا الأمر فإنه يعيد الصلاة كلما صلى مرة في أحدهما ومرة في الآخر، إلا إذا وجد ماء فطهر كليهما. لكن على القول الصحيح في هذه المسألة، وهو قول أبي حنيفة: أنه إذا تحرى فلم يجد أحدهما، فإن لم يجد أثر النجاسة صلى في كليهما. يعني يصلي في أي واحد منهما. وهذا هو قول شيخ الإسلام أيضا، أنه يصلي في أيهما شاء، لماذا؟ لأنه لم يجد النجاسة أمامه، فعدم وجود النجاسة أو عدم وجود أثر النجاسة يدل على أن النجاسة قد ذهبت، فإذا ذهب أثرها ذهب حكمها. ولهذا يقول مثلا أنه يصلي إذا لم يجد هذه النجاسة في الثوب، فإنه يصلي فيه. لكن لابد أن يتحرى أولا، لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» حتى يدع الشك فيصلي، يحاول أن يجتهد أيهما الطاهر وأيهما النجس، فإن وجد في تحريه أو غلب على ظنه أحدهما فيصلي فيه، وإلا فإنه لم يجد أثر النجاسة يصلي في أيهما شاء. والله أعلم.