الدرس في كتاب الطهارة 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
النية ركن أو شرط أساسي في صحة الوضوء والغسل والتيمم عند مختلف المذاهب الفقهية، ومحلها القلب. يُشدد على أهميتها استنادًا إلى الحديث النبوي "إنما الأعمال بالنيات".
النية لا تجزئ باللسان فقط دون القلب، ومحلها القلب. يُوضح أن الغسل للتبرد لا يجزئ عن غسل الجنابة إذا لم ينوِ رفع الحدث، مشددًا على أهمية النية في العبادات.
النطق بالنية في الصلاة، خاصة الجهر بها، لا دليل له من الكتاب أو السنة أو أقوال السلف، وقد اعتبره بعض العلماء مثل ابن تيمية أمرًا مبتدعًا وافتراءً على شرع الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الوضوء. وباب الوضوء بضم الواو وبفتحها يعني، يقال: وضوء ويقال: وضوء. وفرق بعض أهل اللغة بين الفتح والضم، فقال بعضهم: إن الفتح المراد به الماء الذي يتوضأ به، والضم المراد به الفعل، الفعل الوضوء. وبعض أهل العلم أو أهل اللغة لم يفرق بينهما، ومشى كثير من أهل العلم على التفريق، سواء كان قلت: وضوء أو وضوء، وضوء أو وضوء. قال رحمه الله تعالى: النية واجبة في الوضوء والغسل والتيمم عند الحنفية. قال أبو حنيفة: لا تشترط النية إلا في التيمم. ومحل النية القلب، والكمال أن ينطق بلسانه بما نواه بقلبه. قال مالك: يستحب أن ينطق باللسان، ولو اقتصر على النية بقلبه أجزأه بالاتفاق، بخلاف عكسه. النية واجبة في الوضوء والغسل والتيمم عند الحنفية، عند مالك والشافعي وأحمد، عندهم النية واجبة، لكن بعضهم يقول: شرط، كأحمد، وبعضهم يقول: ركن، كمالك والشافعي، والمعنى واحد، سواء ركن أو شرط. وإنما الشرط يقول خارج الشيء، والركن داخله، لكن أحكامهما واحدة. فنية دلت عليها الحديث: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾، فكل عمل صالح يحتاج إلى نية. يقول: له عمل صالح يحتاج إلى نية. فلهذا قول الإمام أبي حنيفة خطأ، عدم اشتراط النية في الوضوء والغسل ليس بصحيح؛ لأنها عبادة تحتاج إلى نية. فلهذا إذا توضأ المسلم وضوءه للصلاة، لكنه لم ينو الوضوء للصلاة، هو توضأ، لكنه لم ينوه للصلاة، فهل هذا الوضوء يصح به؟ نقول: لا يصح به؛ لأن النية التي ينويها، سواء كان ينوي الوضوء للصلاة أو ينوي رفع الحدث أو غيرها من نوايا، فإنها كلها تدل على أنه متى أراد أن يتوضأ يتوضأ للصلاة. الغسل قد يكون للتبرد، الإنسان يريد أن يتبرد، هناك مثلا الحر، فيريد أن يتبرد فيغتسل، فهذا الغسل للتبرد، فهل يدخل في الغسل للجنابة؟ لا. وكان الإنسان عليه جنابة ثم نسي، ثم نسي أن عليه جنابة، فاغتسل لأجل أن يتبرد، مثلا هناك حق اغتسل، ثم ذكر أن عليه جنابة، فهل يعيد الغسل أو يكتفي بالغسل الذي اغتسله؟ نعم، يعيد الغسل؛ لأنه الغسل الذي اغتسله ليس غسل عبادة، وما أراد به رفع الحدث ورفع الجنابة. فالنية واجبة، شرط في الوضوء والغسل والتيمم والصلاة كذلك. قال أبو حنيفة: لا تشترط النية إلا في التيمم. أنا عند أبي حنيفة التيمم يشترط فيه النية، أما الوضوء والغسل لا تشترط. مع أن الوضوء والغسل هو الأصل لهذا، فالأولى أن يكون في الوضوء والغسل والتيمم تبع. لكن بعض الأشياء، مثل إزالة النجاسات، كما ذكرنا قبل، إزالة النجاسات لا تحتاج إلى نية؛ لأن المراد إزالتها. بعض الأشياء لا تحتاج إلى نية لأجل أن ليس مقصودا الفعل نفسه، وإنما المقصود مثلا شيء من الفعل، مثلا كما قلنا النجاسة، النجاسة المقصود منها معنى إزالة هذه النجاسة. قال: محل النية القلب، والكمال أن ينطق بلسانه بما نواه بقلبه. أما محل النية القلب، فهذا باتفاق أهل العلم. وأما قوله: الكمال أن ينطق بلسانه بما نواه بقلبه، فهذا لم يأت عليه دليل، ولم يقله أحد من السلف، وإنما توارد عليه بعض المتأخرين. ومما يدل على هذا ما ذكره المؤلف: أنه لو اقتصر على النية بالقلب أجزأه بالاتفاق، بخلاف عكسه. لو مثلا نسان نوى أن يصلي الظهر، يعني هو العام سيصلي الظهر، أو نوى أن يصلي الظهر، وصل العصر، وصل العصر، وأنه في وقت العصر، ونوى صلاة الظهر، هو يظنها ظهرا، وصل العصر، هل تجزئ أو لا؟ ما تجزئ؛ لأنه نوى الظهر، وهي صلاة العصر. لكن لو قال مثلا هو الآن في نية أنه سيصلي العصر في وقت العصر، لكن أخطأ في نطقه، فقال: نويت أن أصلي الظهر، وهنا لا يؤثر باتفاق العلماء، حتى الذين يقولون باستحباب النطق، يقولون: إنه لا يؤثر في النية. فمسألة النطق هذه لم يأت فيها دليل لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من أقوال السلف. أنا ما في أحد يقول من السلف بهذه المسألة، وهذا من غرائب العلم. فلهذا فهذه المسألة لم يأت فيها أحد من العلماء من يقول: إنه ينطق بالنية أو يتلفظ بها، لا الشافعي، ولا أحمد، ولا أيضا مالك، ولا غيره من أئمة الإسلام، لا الثوري، ولا ابن المبارك، ولا أيضا الليث، ولا الأوزاعي، ولا غيره من أئمة المتبوعين، لم يقل أحد منهم بهذا القول. بل كان مالك يستحب النطق باللسان، وهذا ما يدل على أن هذه المسألة مخترعة. هذه المسألة مخترعة عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة المتأخرين، قالوا بها. إلا أن أكثر الحنابلة ينكرون هذه المسألة، وكذلك أيضا متأخرو الحنفية قالوا بها أيضا. فالصحيح أن هذه المسألة لم يأت فيها دليل لا من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من كلام الصحابة، ولا التابعين، ولا أئمة المتبوعين. وإنما هي مسألة مخترعة أحدثها بعض الموسوسين، وجر عليها كثير من الفقهاء. حتى الإمام النووي رحمه الله لما ذكرها في المجموع وغيره، فذكر قال: وقال بعض أصحابنا: إنه يستحب التلفظ بها. أنا من باب الأمانة، نسبه إلى أصحابه. قال: وقال بعض أصحابنا، إلا كما قلنا: قد رد على أبي عبد الله الزبيري أنه وجها للشافعي، وبين أنه ليس هناك في كلام الشافعي ما يدل عليه. وأيضا مسألة أخرى، مسألة الجهر بهذه النية، هذا مسألة جريمة، أن الجهر بالنية لا يجوز؛ لأنه افتراء على الشرع، وأنه مجاهرة بشيء لم يأذن به الشرع. فكثير من الناس يجهر بالنية، ولهذا اعتبر الشيخ الإسلام ابن تيمية الجهر بالنية أمره عظيم، وأنه افتراء على شرع الله. هذا خلاصة ما يذكر في النية، فإن شاء الله نكتفي بذلك. والله تعالى أعلم.