الدرس في كتاب الصلاة 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع الأول اختلاف العلماء في حكم القراءة من المصحف في الصلاة، حيث اختلفوا بين إفساد الصلاة وجوازها. لم يرد دليل صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة.
تناولت المقاطع الثانية والثالثة والرابعة حكم القراءة من المصحف في الصلاة سواء في الفرض أو النفل، واستدلت بفعل عائشة -رضي الله عنها- وآراء الفقهاء مثل الإمام أحمد والشافعي. القراءة من المصحف جائزة في النفل ومكروهة في الفرض عند الإمام أحمد ولا تبطل الصلاة.
أوضحت المقاطع أن القراءة من المصحف في النوافل يمكن أن تكون مفيدة لمن ليس متقنًا للحفظ لتجنب الخطأ والنعاس، بينما في الفرائض فالأصل عدم القراءة من المصحف إلا عند الضرورة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف -رحمه الله تعالى- في الكلام عن القراءة: لو قرأ في المصحف، أي في الصلاة. قال أبو حنيفة: تفسد الصلاة. وقال الشافعي: يجوز. وقال أحمد في إحدى الروايتين: يجوز في النافلة دون الفرض. هذه المسألة مسألة القراءة من المصحف في الصلاة، الفرض والنفل، معناها: إذا أراد الإنسان أن يقرأ في المصحف، فهل يؤثر ذلك على صلاته، أو أنه جائز؟ فقال أبو حنيفة: إنها تفسد الصلاة، وهذا أيضًا قول ابن حزم، سواء كانت في الفرض أو النفل. وقال الشافعي: يجوز. وأحمد فرق بين النافلة والفرض، وقال: يجوز في النافلة. أجاز ذلك في صلاة التراويح، وأيضًا هذا قول مالك. وتحقيق القول في قول مالك أنه يقول بالكراهة في الفرض، وكذلك في النفل إذا استمر فيه، أما لو ابتدأ النفل بالقراءة من المصحف، فعنده جائز. وهذه المسألة لم يأت فيها دليل صريح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قرأ أو لم يقرأ، أو أنه نهى عن القراءة، وكل ذلك لم يأت فيه شيء عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. لكن جاء عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تجعل مولى لها، أو خادمًا، أو غلامًا لها يصلي بهم، وكان يقرأ من المصحف، كان في رمضان يصلي بهم التراويح يقرأ من المصحف. ولهذا أخذ الإمام أحمد بهذا الفعل في النفل. لكن هل إذا مثلًا قرأ الإنسان في المصحف وهو في الصلاة الفردية، هل تفسد صلاته؟ هذا يحتاج إلى دليل للإفساد؛ لأن العلة التي قالوا من أجلها في الإفساد قالوا: إنه يشغل عن الصلاة عن تبي تصفح المصحف وهكذا. واستدلوا ﴿إن في الصلاة لشغلًا﴾. لكن قد يكون الإنسان مثلًا يقرأ في المصحف بدون أن يقلب الورق، مثل ما يفعل بعض الأئمة في المساجد الآن، يضع المصحف أمامه ويقرأ هذه الصفحة في الركعة الأولى، وهذه الصفحة في الركعة الثانية. بعض المساجد خاصة الصوفية يفعلون مثل هذا. ذهب الشافعي إلى أنه جائز، فمثلًا إفساد الصلاة يحتاج إلى دليل. فلهذا يقال: إنه لم يأت أولًا عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأيضًا قد يدخل فيه أنه إشغال. فلهذا يقرأ الإنسان في الصلاة بالمصحف، سواء كان في فرض أو في نفل، لكن في النفل قد يكون أوسع ناحية الجواز. معناه: لو فعلها الإنسان في النفل، إن شاء الله ما في شيء، لكن الأفضل عدم فعلها؛ لأنه لم يأت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا كذلك الصحابة، الخلفاء وغيرهم، أن أحدًا منهم كان يقرأ في المصحف. وإنما كما قلنا جاء هذا الأثر عن عائشة، وهذا يدل على أن الأمر فيه سعة، وأن الأمر فيه سعة، خاصة في النفل. فلهذا فإفساد الصلاة ليس له دليل، القول بإفساد الصلاة، قول الحنفية والظاهرية، ليس فيه دليل. لكن قول أحمد هو القول الصحيح، فهو يكره في الفرض ويجيز في النفل. وعند الفرض فهو لا يرى أنه مبطل، لكنه مكروه، أي لا ينبغي أن يفعل. وجاءت رواية عن أحمد أنه أجاز لغير الحافظ أن يقرأ من المصحف، وجاءت رواية أنه قال: يكرر السور أفضل من أن ينظر إلى المصحف. قال: إذا كان مثلًا إنسان يقرأ في صلاة الليل لا يحفظ إلا بعض السور القصار مثلًا، ويريد أن يقوم الليل، فجاءت رواية عن أحمد أنه يقول: إنه يكرر هذه السور، يقرأها عدة مرات، فهذا أفضل من أن ينظر في المصحف. ولو نظر في المصحف لأجل مثلًا يذهب النوم عنه، أحيانًا بعض الناس إذا كان حفظه غير متمكن من الحفظ، قد يأتيه النعاس لكثرة ما ينسى أو كذا، فإذا قرأ في المصحف فإنه يثبت ويقرأ أيضًا ويذهب عنه النعاس. وكذلك أيضًا إذا كان مثلًا يريد أن يقرأ طويلًا وهو حفظه غير متقن، فله كذلك أن يقرأ في المصحف. فإن شاء الله في النفل أوسع، وأما في الفرض فالأصل أنه لا يقرأ من المصحف، هذا خلاصة ما يذكر في هذه المسألة.