الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل تأثير الوسوسة على العبادات والعلاقات الشخصية، حيث يستغل الشيطان هذه الوسوسة لإفساد دينهم ودنياهم. يروي ابن القيم معاناة الموسوسين في العبادات ومشاكلهم الشخصية.
يقدم هذا الفصل نصائح للتخلص من الوسوسة في الصلاة، مؤكداً على أهمية اتباع سنة النبي واليقين بأن الشيطان هو مصدر الوساوس. يشدد على ضرورة العزيمة في سلوك طريق النبي وترك كل ما يخالف سنته.
يناقش هذا الفصل مسألة الوسوسة في العبادة ويحذر منها، مستدلاً بعدم فعل النبي وأصحابه لها. يشير إلى أن الزيادة في العبادة دون دليل شرعي ضلال، ويستشهد بأقوال السلف في الاقتداء بالنبي.
يختتم هذا الفصل الحديث حول الوسوسة والعبادة، مع الإشارة إلى تفصيل ما جاء في الموضوع، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "مكائد الشياطين في الوسوسة وذنب الموسوسين": قلت -أي ابن القيم رحمه الله-: قد ذكر ابن الفرج، أبو الفرج ابن الجوزي، عن أبي الوفاء ابن عقيل، أن رجلا قال له: إن غمسوا في الماء مرارا كثيرا، وأشك: هل صح لي الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب؛ فقد سقطت عنك الصلاة. قال: وكيف؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ". وهذا حديث علي رضي الله عنه. وجاء عن عائشة في السنن، عند أبي داود، رواه كذلك الإمام أحمد رحمه الله. قال: ومن ينغمس في الماء مرارا ويشك: هل أصابه الماء أم لا؟ فهو مجنون؛ يعني هذا ليس بفعل عاقل. تنغمس في الماء ثم تقول: لا أدري هل حصل لي الغسل أم لم يحصل لي الغسل؟ وأنت قد انغمست في الماء؛ هذا معنى أنك غير عاقل. وإذا كنت غير عاقل، فأنت مجنون، والمجنون سقط عنه التكليف. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "رفع القلم عن ثلاثة"، وعن المجنون حتى يفيق. فمن كان هذا حاله، فهو من أهل الجنون. قال: وربما شغله -يعني ابن قدامة- وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة؛ يعني الشيطان يشغل الإنسان بالوسوسة حتى تفوته صلاة الجماعة. وهو في وسوسة؛ ربما يجلس يعقد النية، أو يجلس في الحمام، ربما يدخل الحمام وتقام الصلاة وتنتهي، وما زال بالحمام. أو يجلس عند الوضوء يتوضأ المرة والثانية والثالثة حتى تنقضي الصلاة. قال: وربما فاته الوقت -يعني وقت الصلاة- ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر. ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا، ثم يكذب؛ يعني يحلف والله أنه لا يزيد على هذا الغسل، ثم يحنث ويخالف ما حلف عليه اتباعا للشيطان. قلت: وحكى لي من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا، يكرر عقد النية مرارا عديدة، فيشق على المأمومين مشقة كبيرة. فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة، فلم يدعه إبليس حتى زاد، ففرق بينه وبين امرأته. فأصابه لذلك غم شديد، وأقاما متفرقين دهرا طويلا، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد. ثم إنه حنث في يمين حلفا، ففرق بينهما، وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها؛ يعني كاد يهلك بسبب فراقها. ما الذي فرق بينهما؟ الشيطان، اتباعه للشيطان. قال: وبلغني عن آخر أنه كان شديد التنطع في التلفظ بالنية والتقعر في ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يوما إلى أن قال: "أصلي أصلي" مرارا -يعني يكررها- "أصلي أصلي أصلي"، كما يفعل الكثير من الموسوسين. قال: "صلاة كذا وكذا"، وأراد أن يقول: "أداء"، فأعجم الدال -يعني قرأها بالذال- قال: "أذاء لله". قال: فقطع الصلاة رجل إلى جانبه، يقال: "ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين"؛ يعني يقول: أنت آذيت الله، والملائكة، وجميع المصلين، بهذه الوسوسة التي أنت فيها. قال: ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف حتى يكرره مرارا. قال: فرأيت منهم من يقول: "الله أككبر" -يعني يكرر الكاف ثلاث مرات- "أك أك أك الله أكك كبر". قال لي إنسان منهم: قد عجزت عن قول "السلام عليكم". يقول الإمام ابن قدامة: شخص من هؤلاء الموسوسين قال لي: لقد عجزت أن أقول "السلام عليكم" -يعني أن أسلم هذا السلام في الصلاة- فقلت له: قل مثل ما قلت الآن؛ قل مثل ما قد قلت الآن وقد استرحت. أنت الآن قلت "السلام عليكم" بكل سهولة؛ هذه مثلها، قولها في الصلاة. لماذا في الصلاة لا تستطيع أن تقولها؟ تجعل الشيطان يتلاعب بك حتى ما تنطق السلام، وتشق عليك نطق السلام. وهذا أنت تنطقه بكل سهولة؛ هكذا تفعل. قال: وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا قبل الآخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول، وأدخلهم في جملة أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. والنبي عليه الصلاة والسلام قد حذر من ذلك من التنطع؛ "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون". فالتنطع من أسباب الهلاك، والغلو من أسباب الهلاك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو". فهذه الأفعال من الغلو والتنطع الذي جاءت الشريعة بالنهي عنه. قال: فمن أراد التخلص من هذه البلية، فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله. هذا أول أمر ينبغي أن يفعله الموسوس إذا أراد التخلص من هذه الوسوسة؛ أن يعلم أن الحق والهدى في اتباع النبي عليه الصلاة والسلام فيما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله. قال: وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما خالفه من تسويل إبليس ووسوسته. ويوقن أنه عدو له، لا يدعوه إلى خير؛ إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كائنا ما كان؛ فإنه لا يشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الصراط المستقيم. وخير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام كان على الصراط المستقيم؛ "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله". قال: ومن شك في هذا فليس بمسلم؛ يعني من شك أن النبي صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم وأنه ليس على ذلك، فهذا ليس بمسلم. قال: ومن علم هذا، فإلى أين العدول عن سنته؟ وأي شيء يبتغي العبد غير طريقته؟ ويقول لنفسه -يعني هذا الموسوس-: ألست تعلمين أن طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الصراط المستقيم؟ فإذا قالت له: بلى، قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ -يعني هل كان هذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم- يكرر النية ويكرر الوضوء ويكرر قراءة الفاتحة مثلا أو التكبير إلى آخره؛ هل كان يفعل ذلك؟ الجواب: لا. قال: فإذا قالت: لا، فقل لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ إذا كان هو لا يفعل ذلك، إذا هذا ليس بحق؛ هذا الفعل ليس من الحق، بل هو من الضلال. قال: وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن اتبعت سبيله كنت قرينه؛ وستقولين: "يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين". فليس القرين ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليقتد بهم وليختر طريقهم. فقد روينا عن بعضهم أنه قال: "لقد تقدمني قوم لو لم يجاوزوا بالوضوء الضفر ما تجاوزته". قال: قلت -أي ابن القيم-: وإبراهيم النخعي -يعني هذا القول ذكره ابن قدامة- أن بعض السلف قال: "لقد تقدمني قوم لو لم يجاوزوا بالوضوء الضفر ما تجاوزته". قال: قلت: أي من القيم، هو إبراهيم النخعي؛ أي الذي قال هذه العبارة. يعني لو كان في الزيادة في الوضوء فضيلة لكان سبقني بذلك من تقدمني من السلف، لكنهم ما فعلوا ذلك. ثم ذكر بعض الآثار عن السلف في هذا الباب، وتركهم للوسوسة وقطعها باتباع النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقال زين العابدين يوما لابنه: "يا بني، اتخذ لي ثوبا ألبسه عند قضاء الحاجة؛ فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب". ثم انتبه، فقال: "ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا ثوب واحد". فتركه. انظر إلى الفقه. قال: وكان عمر رضي الله عنه يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى؛ حتى إنه قال: "لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب؛ فإنه قد بلغني أنها تصبغ ببول العجائز". فقال له أبي: "ما لك أن تنهى؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبسها، ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله صلى الله عليه وسلم". فقال عمر: "صدقت"؛ يعني ترك ذلك متابعة للنبي عليه الصلاة والسلام. قال: ثم ليعلم أن الصحابة ما كان فيهم موسوس؛ هذا الموسوس المبتلى بالوسوسة يقال له: هل كان أحد من الصحابة مثلك عنده وسوس؟ الجواب: لا؛ ما في أحد من الصحابة من وسوس. قال: ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته؛ يعني لو كان في الوسوسة فضيلة وشرف ومنزلة لكان أولى الناس بها الرسول عليه الصلاة والسلام أولى من كان أن يتخلق بذلك والتصف به. والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين هم خير هذه الأمة، لكن ما كانوا موسوسين. قال: وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم الموسوسين لمقتهم؛ يعني أبغضهم. قال: ولو أدركهم عمر رضي الله عنه لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم الصحابة لبدعوهم. وها أنا أذكر ما جاء في خلاف مذهبهم على ما يسره الله تعالى، مفصلا. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.