المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل عبدالواسع بن علي السعيدي، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 7 رجب 1442هـ الموافق 19 فبراير 2021م ألقاها منوع
يستعرض المقطع فضل العلماء والدعاة في نشر الإسلام، ويؤكد أن المؤامرات على الأمة مستمرة منذ القدم، مبيناً أن النجاة والعزة تكمن في اتباع منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين لفهمهم الصحيح للوحي. ويشدّد على أن التمسك بالكتاب والسنة على فهم السلف هو السبيل الوحيد للتمكين والنصر.
يحذر المحاضر من خطر الخوارج وأهل البدع الذين يعجبون برأيهم ويمرقون من الدين، مستشهداً بمناظرة ابن عباس لهم وتحكيم الصحابة في فهم القرآن. ويستعرض قصة هرقل مع أبي سفيان وإقراره بالنبوة، مبيناً أن الفلاح وثبات الملك والنصر بالرعب إنما يتحقق لأهل التوحيد والسنة، بينما تؤدي الأهواء إلى الاقتتال والهلاك.
يؤكد المقطع على وجوب اتباع منهج السلف والتمسك بثلاثة أصول هي: الدعوة إلى الله، والعلماء الربانيين، والأخوة الإيمانية، مستدلاً بالآيات والأحاديث وآثار السلف. ويبين أن سلامة القلب واستقامة المسار تتحقق بإخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، محذراً من الفرقة والاختلاف المورث للفشل والوهن.
يختم الدرس بدعاء متضرع إلى الله بأسمائه العظيمة لقطع دابر الأعداء وتفريق جمعهم، والاستنصار على اليهود والنصارى وأتباعهم. ويسأل الله حفظ اليمن وعلمائه وإخوانه ودفع الفتن عنهم، مع طلب إنزال الآيات الدالة على نصر الدعوة وتأييدها.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها الإخوة في الله، فنحمد الله إليكم الذي ساقنا وإياكم هذا المساق، وأنزلنا في هذه الدار راجين أن نكون نازلين إلى خير جوار. ونحمده إذ أكحل العينين برؤية منهم في الأعين كحلًا، وفي القلوب لذة وعسلًا، وعلى الرؤوس عمائم وتيجان. هم أحبابنا في الله، آباؤنا وإخواننا وأبناؤنا ومشايخنا أيضًا، من آووا هذه الدعوة، لعل ذلك قبل أن يولد أحد منا أو أن يبلغ الحلم. وقد آوت هذه البلاد علماء ودعاة الكتاب والسنة، وهم يجوبون سيوف البحر، بل يركبون اللجج، ويمتطون تلك القوارب والعبّار والسفن، وساروا على رؤوس الجبال الوعرة قبل أن تشق أنفاقها، وساروا في الأرياف والقرى والأسقاع والأمصار والفيافي والقفار، دعاة إلى الله عز وجل. فكان ما هو كائن إنما كان ثمرة لبذور وضعها المخلصون، وشاء الملك الكريم لتلك البذور أن تؤتي ثمارها، وإن جرت عليها عوامل التغيرات الزمنية والبيئية والهوائية، فتتعرى تلك الأشجار من جسوتها، وتلبسوا لباس الإحداد، فإذا برب العالمين يقيض بين حين وآخر من ثمار تلك البذور من يسوق سقي الوحي، فيأتي بالآيات والأحاديث والآثار وصحيح الأخبار ما بين حين وآخر. كما في صحيح الجامع، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لكل قرن سابق سابق». وتتوالى مؤامرة الأعداء، وليست وليدة اليوم، وإن كانت تليدة فهي بإذنه موؤودة. وقد علم الأعداء من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين، والأيد المدخرة المخبوءة في أوساط المسلمين، علموا أن الإسلام إذا قام صار ليثًا ثائرًا يقوض الحضارات التي لا تقوم على الدين والإيمان، وإنما يقيمها ويقيم أعمدتها إذا بقيت على التوحيد. «أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن لم تسلم ما سلم، وظهرت ذهبت حضارة فارس وحضارة الدولة البيزنطية». وعلم أهل الكتاب أن المسلمين لا حاجة لهم في هذه الأرض، لا دار ولا قصر ولا ملك ولا قصر مشيد، إنما هم دعاة توحيد يريدون أن يقيموا الأرض كما أراد خالقها أن يملأها بالتوحيد، وأن يؤدوا الرسالة الشريفة، البشرية الشريفة، الرسالة الإيمانية المنيفة قبل رحيلهم من هذه الدنيا. فحاك الأعداء المؤامرات، لا أقول لعشرات السنين، ولكن لمئات السنين، واجتمعت المجامع العالمية مع اختلاف نحل الكفر ومذاهبها، تباينت واختلفت، وهم يتآكلون ويتنازعون ويتصارعون، وليس عنكم بخاف الحرب العالمية الأولى ولا الثانية، وما حصل فيها من هلاك عشرات الملايين، بل ما سحق من الألوف في الأفران والأفران والمعاصر التي أنضجت أجسادًا بشرية، أخرجتها لحومًا مفرومة ومطحونة، فلا يرحم بعضهم بعضًا، ولا يرق بعضهم لبعض. ومع اختلاف نحلهم ومللهم وأهوائهم وطرقهم وتعاملهم وسلوكياتهم وتنافسهم في دنياهم من ملل الكفر كلها، إلا أن الكفر ملة واحدة على الإسلام. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾. قال الشافعي رحمه الله: «الكفر ملة واحدة». وجاءت البراءة من الكل، وجاءت المجامع العالمية المنعقدة في دول مختلفة لتجمع أبرع الشخصيات وأذكاها وأعظمها دراسة وتدقيقًا وتحقيقًا وفهمًا للواقع، ودراسة للأحوال النفسية، وكيف تنشأ الجماعات وتحدث الفرق، وكيف تشطر الأجزاء إلى جزيئات، فينشطر الجزء إلى جزيء ثم إلى جزيء، لا تزال الذرة تشطر إلى ذرات، وهكذا دواليك. ومن خلال هذه الدراسات تكاثفت المجامع العالمية على أن يكونوا عصبة واحدة ويدًا واحدة، يتداعون تداعيًا كليًا من كل حدب وصوب، تداعي يأجوج ومأجوج على هذه الأمة، تداعي على ثقافتها، وتداعي على ثرواتها، وتداعي على علمائها وعبادها، وتداعي على دعوتها، وتداعي على أهل السنة فيها، وتداعي على أهل اليمن فيها، بل تداعي على الأمم كلها. ﴿يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا﴾. أمم متباينة، أين الحروب الطاحنة ما بين فارس والروم؟ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. أين الحروب الطاحنة التي كانت بين الأوس والخزرج قبل المجيء؟ أمم متناحرة هالكة، لكنها تعتبر العدو الوحيد الذي يجب أن تقف هي أمامه صفًا صفًا، وأن تتوجه نحوه زحفًا زحفًا. إنه الإسلام الذي يرونه العدو الوحيد. فالمؤامرات كائنة، والتنفيذ جارٍ: مؤامرات على نساء المسلمين، مؤامرات على بنات المسلمين، أبناء المسلمين، شباب المسلمين، مؤامرات على أهل الدعوة الواحدة، بإيجاد شخصيات تكون في تلك المواطن الآمنة والمحاضن الدافئة، لتكون متعلمًا دارسًا، فإذا بلغت شأوًا ومكانة، حتى إذا توجهت القلوب إليها، تولت عنها هاربة، ولأغراض الأعداء طالبة. فإذا أحدثت شرخًا في الصف، فقد قامت بخدمة جليلة للأعداء. وهكذا شرخ بعد شرخ، وانفكاك بعد انفكاك، وانفطار بعد انفطار، ويسلط الأمة على الأمة، رجالها على رجالها، ونساءها على نساءها، وأهل الحق فيها على أهل الحق فيها. فجردت سيوف الأقلام، وسالت بمدادها الحار على تلك الأوراق، طاعنة وشاتمة، فكف الأعداء كف الأعداء أنفسهم، وحفظوا رجالهم وأموالهم، وقاموا بالحرب الباردة، الحرب الاقتصادية، الحرب السياسية، حرب التفرق والتشرد، حرب التهذيب، حرب تحريض الطوائف النائمة والجماعات الساكنة المدخرة للأوقات المناسبة. فمن هنا، أما آن الأوان أن يكشف الغطاء؟ أما آن الأوان أن يرفع البلاء؟ أما آن الأوان أن نرعى النعماء؟ أما آن الأوان أن نعود إلى المجد التليد والعهد القديم، السير على منهج الكتاب والسنة، وعلى سلف سلف الأمة؟ إننا أهل سنة، أهل منهج سلف، ليس سيرنا رأيًا أو هوى أو دنيا. فلو سألك سائل: ما الذي حذا بك إلى التأسج بمنهج السلف؟ لكان جوابك فصيحًا، وكلامك مليحًا، أن تقول: إنما نسير على منهج السلف من الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، والأئمة بعدهم، ومن سلفهم ممن كانوا قبلنا من الصديقين والأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام. لأن منهم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فهم عاصر التشريع، عاصر الصحابة التشريع، عايشوا الأدلة، علموا مواقع التنزيل، ورود الأدلة فيها. فالذي عاصر التشريع هو به أعلم وأفهم وأحكم، وطريقة أسلم. إذن نسير على منهجهم لأنهم عاصر التشريع، عايشوه، علموا مواقع التنزيل، مواقع الأدلة بحسب الوقائع والأحوال، فهم الذين يسوقون لنا تلك الوقائع. فجاءت من وقعة وواقعة جديدة، ردت إلى تلك الأصول الشريفة والمعالم المنيفة. ونحن على كتاب وسنة، وسير على منهج سلف الأمة، لأنهم أهل الفصاحة والبيان، والوحي جاء بلسانهم، والرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يوضح لهم ما أشكل عليهم. إذن هم أهل فصاحة وبيان، ويعلمون معاني القرآن. ومن هنا ناظر ابن عباس الخوارج بالقول الفصل والكلام الجزل، حيث قال كما روى الإمام النسائي في كتاب الخصائص، وقد أورده شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين: من حديث ابن عباس، وفيه: لما خرجت الخوارج، وكانوا ستة آلاف، ترجل ابن عباس وتجمل وتزين للمناظرة، وقال لعلي رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة، لعلي أن أكلم هؤلاء القوم، أن آتيهم فأكلمهم». قال علي: «إني أخافهم عليك». قال: «كلا، يخاف على الصحابي ممن ركب جباههم كالمعز، يخاف على الصحابي ممن أكثر صومًا وصلاة وتلاوة؟» ولكنها تأتي، يا في الصحيح المسند، الشيخ الوادعي رحمه الله، وفيه قال: «إن قوما يعبدون ويدأبون، حتى تعجبهم أنفسهم، ويعجب الناس بهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فحصل لهم أمران: الأمر الأول: إعجاب بأنفسهم، محق عليهم بركة العلم والإيمان. الأمر الثاني: اغترارهم بعجب العوام منهم، ويعجب الناس بهم. فلما بنوا على ما قام في الباطن من عجب، وما قرع آذانهم من كلام العوام، ولم يرجعوا إلى علماء العوام، لم يرجعوا، قال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». يخشى علي بن أبي طالب على ابن عباس، ابن عم رسول الله، من هؤلاء الذين عاشروا الصحابة. وهكذا البدع والأهواء إذا حلت في القلوب تستحلي، تستحلي الدماء. البدع إذا حلت في القلوب استحلت الدماء، وعاد أهلها فيها أسود صبا، يضرب بعضهم رقاب بعض، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. والأساود نوع من الحيات، هو أخبث أنواع الحيات، وصفته أنه ينهش ثم ينتصب ليعاود النهش مرة أخرى. فكيف إذا رأيت أهل الحق تتقارع أسنتهم لإسقاط بعضهم بعضًا؟ وها هنا قال: «كلا». فدخل عليهم، فقالوا: «جئتكم؟» قالوا: «من الذي جاء بك يا ابن عباس، يا ابن عم رسول الله؟» قال: «جئتكم من عند ابن عم رسول الله وصهره وزوج ابنته، ومن عند المهاجرين والأنصار، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون. وهم أعلم، وعليهم أنزل القرآن، وهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد». الله أكبر. نزه جناب الصحابة عن البدع، ولا تجد في ترجمة صحابي، ولو آخر الصحابة كوايل من الأسقع، لا تجد عند صحابي بدعة ولا لوثة. قال: «وعليهم أنزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد». إذن هم أعلم بتأويل القرآن. فالعودة إلى منهج السلف لأنهم أهل الفصاحة والبيان، والوحي جاء بلسانهم، والرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يوضح لهم ما أشكل عليهم. فمن هنا تنزل ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾، ومماثلة آخر الأمة لأولها بالإيمان. ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وانظر إلى ما بقر الإمام الشاطبي عليه رحمة الله في كتاب الاعتصام، وكذا ابن الجوزي في تلبيس إبليس، في بيان أن طوائف الأهواء كل يوم تنشطر إلى طائفة، ويتسلط بعضها على بعض، فيغلو أهل الأهواء ويستمرون في الشطط والغلو حتى يهلك بعضهم بعضًا، ويأكل بعضهم بعضًا، وصار بعضهم ك بعض الحيوانات التي تخاف على صغارها من عدوها فتأكلها خوفًا عليها، تأكل صغارها خوفًا عليها. يا له من خوف، ويا له من مأمن في البطون، أعدمت حياتها خوفًا عليها. إذن ها هنا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾. دم على الاتباع والتوحيد والإيمان والإخلاص، فبه الخلاص، ولك الثبات. وانظر إلى ما جاء في صحيح الإمام البخاري في بدء الوحي، في حديث ابن عباس، الحمد لله، حين كان مكان من مساءلة هرقل لأبي سفيان، وقد سأله أحد عشر سؤالًا، قرر في آخر الأسئلة جوابًا جامعًا، فقال: «وقد كنت أعلم»، يقول هرقل وهو من علماء أهل الكتاب، حري وليت أهل الكتاب يتعقلوا ما قال هرقل: «وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه». ملك الدولة الرومية يتشرف أن يكون مؤنسًا ومنظفًا وحائكًا لقدم محمد صلى الله عليه وسلم. انظر انتقال من الملك، ملك أهل الكتاب، وتواضع إلى قدم رسول الملك العلام. ولو كان عند قدمه لرفعه الله، وإن ذهب ملكه. فمن كان عند قدمه؟ من الذي كان على نعله؟ على نعله النبي عليه الصلاة والسلام، ووضوئه وميضاته، من من يحمله ووضوئه ونعله؟ أو ليس ابن مسعود؟ أين ابن مسعود، وذكره كالعود، من ذلك اللعين المطرود، الذي آثر ملكه ودولته، ولو علم نص الكتاب حيث قال: «أسلم تسلم»، فلو أسلم لسلم، ولكن ظن الخبيث بملكه. خلاصة الأمر أنه جمع قومًا في دسكرة، وعلم أنه معرض للخطر، صعد في مكان عالٍ، فقال لقومه وبرلمانه وكبرائه: «هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم؟ هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم؟ فتبايعوا هذا النبي». قال: «فحاصوا حيصة الحمر، ولم يقل حمير، حمر، كأنهم حمر مستنفرة». هناك فرق بين الحمار الأهلي والحمار الوحشي، الحمار الأهلي مسكين، والحمار الوحشي شديد الحركة. قال: «فحاصوا حيصة الحمر، كأنهم حمر مستنفرة». لما علم ما كان، قال: «ردوهم، إنما أردت أن أختبر شدتكم على دينكم». وقد علم شهدي ها هنا وبيت قصيدي: «هل أدلكم؟ هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم؟ فتبايعوا هذا النبي». إذن من سار على طريقته أفلح، من سار على طريقته رشد، من سار على طريقته ثبت ملكه. فهي دعوة لولاة الأمر على مختلف رتبهم ومراتبهم، سواء كانوا جهات أمنية يحملون رتبًا أمنية على مختلف مراتبهم، أو كانوا جهات فردية من المواطنين، أن يهيئوا بأنفسهم، أفرادهم، جماعاتهم، حاراتهم، من فوقهم نقباء، رواد، مقدمين، عقداء، عمداء، بلغوا مراتب فوق، أو كانوا دون ذلك من ملازمين، ضباط، صف ضباط، أعيان، وجهاء، مشايخ قبائل: هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم؟ تحفظ دولتك، تحفظ ثروتك، تحفظ بلدك، وطنك، قريتك، تصان من أعدائك، ويقذف الله الرعب في قلوب أعدائك. فتبايعوا هذا النبي، أي تثبتوا على طريقته. فإذا أردتم سلامة البلاد والعباد، والتسلح بالسيف الصارم البتار، القاهر للشياطين الأشرار، من شياطين ترابية أو نارية، ودفع الأعداء وردهم في أوكارهم، ودحرهم في مخابئهم، وعقرهم في مواطنهم، إنهم النصر بالكتاب والسنة، ونصرت بالرعب مسيرة شهر. وإذا استنبط الإمام البخاري استنباطًا دقيقًا يدل على فقه، من حديث هرقل، حين قال أبو سفيان: «لقد أمر أمر ملك بن الأصفر، لقد أمر أمر بن أبي كبشة». إنه يخافه ملك بن الأصفر، لقد أمر أمر بن أبي كبشة، نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد أجداده، إنه يخافه ملك بن الأصفر، أي ملك الروم، والمسيرة ما بين بلاد الروم والمدينة مسيرة شهر. واستنبط الإمام البخاري انتزاعًا، وهو من حديث: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر»، وأتى بتقرير أبي سفيان أن هرقل يخاف من النبي عليه وسلم مسيرة شهر. ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾. فمن هنا، أتعلمون ما هو السيف الصارم الذي يمزق هامة أهل الحق ويسقط عصابتهم؟ أن تسلط سنيًا على سني، وأن تسلط رجلًا على رجل، وجبلًا على جبل. كان يعاتب، كان أحد التابعين والصحابة يعاتب رفقاء عثمان، يقول: «تركتم صاحبكم حتى قتل، تركتم صاحبكم حتى قتل، ثم أردتم أن تقوموا بالثائر له، ألا دفعتم عنه؟» قال: «لقد أنزل الله قوله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾، وما كنا نظن أننا المراد منها، حتى إذا صرنا جبلين، جبلين، يتواجه جبلان في التوحيد والحق». فإذا أردت أن تسقط دعوة، اكسر الحجر بأختها، وأطع السني بالسني، واضرب الجماعة بالجماعة، والحزب بالحزب، والطائفة بالطائفة. تلك الأنامل الكاتبة التي تتخذ الريموتات لتسيير طوائف، لإبقاء المجتمع في غفلته، في لهوه، في انشغاله، في اقتصاده، في نفطه، في مشتقاته، في اختلافه. وهكذا تصدر تلك الآراء وتصدر تلك الأفكار، بتعليم من يحملنا تلك الأفكار التي تحمل نقمة على أهل العلم، نقمة على الدعوة. وها هنا أقرر ما ذكره شيخنا أبو الحسين، أحسن الله إليه، في تقرير هذه المسألة، وهي: إذا قامت لنا دعوتنا، وقام لنا علماؤنا، بالعودة إليهم عند الفتن كما أمر الله، وحفظت لنا أخوتنا، فمن أين نأتي؟ ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. لو قام رجل مناوئ، صاحب عقيدة باطلة تحمل الشرك والسحر، وراء رجل على سنة، وقام وراءه سني يناوئ ذلك العالم، لفتك ذلك السني بذلك العالم، أعظم من فتك ذلك الرجل به. نزل الآيات عليه، والأحاديث عليه، والقواعد عليه، والأصول عليه، فصار قول المناوئ الكفر لا يصل مبلغ ما بلغه ذلك المناوئ السني المسلم. فيه: «اتق الله، اتق الله، لمن الخدمة، علمت أو لم تعلم، علمت أو لم تعلم، لمن الخدمة؟». فهنا نحفظ هذه الكلمة المجتمعة على أحرف ثلاثة: الدال رمز لدعوتنا، أو يؤخذ من كلمة دعوة: دال، ومن كلمة علماء: عين، ومن كلمة أخوة: ألف، فتجمع الدال والعين والألف: دعاء. إذن دعاء إلى دعوته، دعاء إلى علمائه، أي رجوعًا وتعظيمًا شرعيًا، كما قال الأصوليون: «إن تعظيم المعظم شرعًا يعد من تعظيم الله»، والمراد بالتعظيم الموافق للدليل. نحن لا نقدس الأشخاص، ولكن أمر الله بالعودة إلى أولي الأمر. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. إذن: الدال دعوة، والعين علماء، والألف أخوة، إذن دعاء إلى دعوته، ودعاء بالعودة عند الفتن إلى علمائه، ودعاء إلى الأخوة ورعايتها. وإن شاء قلب الكلمة فجعلها: أعاد. اقلب كلمة دعاء: دال، عين، ألف، ردها: أعاد. أعاد أمره إلى دعوته، أعاد أمره إلى علمائه، أعاد أمره إلى إخوانه. فالكلمة ابتدأت بالدال والعين والألف، أو رجعتها مقلوبة كلها: أعاد، ودعا، عائدة إلى الأصول. وإن شئت حولتها: عدى على دعوته، تجمع الأحرف الثلاثة: العين للعلماء، والدال للدعوة، والألف للأخوة، إذن اقلبها تصبح: عدى، عدى على دعوته، عدى على علمائه، عدى على إخوانه. فتغيرت الأحرف، وتغيرت المناهج والأعمال. فمن ها هنا أختم بهذا القول الفصل والكلام الجزل، وقبل تمام هذا الكلام، أقول ما ينبغي أن يقال، وهو: نسير على منهج السلف، لأن الله أثنى عليهم، ورسوله أثنى عليهم، وتواترت نصوص الكتاب والسنة بالثناء عليهم، وأي لاحق بلغ مرتبة، إنما عاد الفضل لفضل المتبوع، ما بلغ التابع رفعه إلا لفضل المتبوع. أزيد أمرًا خامسًا، وهو أن سيرنا على منهج السلف لأنهم ناجون من الضلال، بعيدون عن مواطن الزلل والتهلكة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم زكاهم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم». وروى الإمام أحمد، وهو في الصحيح المسند، شيخنا الوادعي رحمه الله، حيزي بن ثابت، وجعله عدة، وبه الختام، قال: «ثلاث خلال لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، ويصح بضم الياء وفتحها: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم». ولابن القيم كلام نفيس رائع عند هذه الفقرات، وهكذا العلماء، وخلاصته في هذا يقول: هذه الثلاث: الإخلاص لله، مناصحة ولاة الأمر من العلماء والأمراء، لزوم جماعة المسلمين، هذه الثلاث إذا استوطنت القلب، نقت القلب من الدغل والشر والإثم والخيانة. انتبه: إذا لم يكن مخلصًا صار مشركًا، إذا لم يكن ناصحًا صار غاشًا، يعني غشًا، إذا لم يكن لازمًا جماعة المسلمين، ماذا يكون؟ مفارقًا لهم. إذن عندنا ثلاث مسلمات سليمات، وثلاث أضداد سقيمات: إخلاص العمل لله ينفيها الشرك، مناصحة ولاة الأمر ينفيها الغش والمكاشحة، لزوم الجماعة ينفيها الفرقة. قال: إذا حلت هذه الثلاث: عدم الإخلاص، عدم المناصحة بالتي هي أحسن، والتي هي أقوم، فارق الجماعة، حل في ذلك القلب الغل والدغل والشر. فمن أراد أن يستنصح قلبه فبهذه الثلاث. ثم لاحظوا إلى مسألة نفيسة، وهي قال: «ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم». أي: من لزم جماعة المسلمين، نهج منهجهم، وسار على طريقتهم، من اجتمعوا على الكتاب والسنة، والآية والحديث، لا نصرة لرأي، ولا شخص، ولا حزب، ولا طائفة، اجتمعوا على الحق، وتعاونوا عليه، متحابين متناصحين، فإن الله يجعل الدعوة من الرأي تحفظهم، كما يحفظ السور من آوى إليه. ﴿وَإِذَا آوَى الْعَبْدُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَى كَهْفٍ﴾، قال: ﴿وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ عَبْدٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ صِرَاعًا، حَتَّى أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ عَبْدٌ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾. وكذلك الرجل إذا آوى إلى جماعة المسلمين، أحرز نفسه بلزوم جماعة المسلمين. ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾. فهنيئ لكم ما أنتم فيه، ونسأل الله أن يتم علينا وعليكم نعمته، وأن يحفظ علينا دعوتنا وعلماءنا وأخوتنا. اللهم إني أسألك بأني أشهد بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. وأسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام. يا حي يا قيوم، يا من أعدت لهذه البلاد آثار الثقل والإيمان والحكمة، باجتماعها وتناصحها وألفتها، مع وجود الأشرار والأخطار والأضرار، جمعتهم على الحق، وألفت بين قلوبهم، وسقتهم هذا المساق، وجعلت قلوبهم تحن إلى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وإلى بيوتك، حنين الطيور إلى أوكارها. يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم. اللهم انصر كتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا. اللهم إنا نعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أنت ذلنا، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون. اللهم أنت القيل، وقولك الحق، والله أعلم بأعدائكم. يا عالم بأعدائنا، اكفنا أعداءنا. يا عالم بأعداء ديننا، اكفنا أعداء ديننا. يا عالم بأعداء يمننا، اكفنا أعداء يمننا. يا عالم بأعداء علمائنا، اكفنا أعداء علمائنا. يا عالم بأعداء مشايخنا ودعاتنا وثرواتنا وبلادنا وبرنا وبحرنا وجونا. اللهم اكفناهم بما شئت. اللهم اكفناهم بما شئت. اللهم إن ناشدك بعزتك، وناشدك بعزتك وعظمتك. اللهم إن ناشدك بعزتك وعظمتك، يا حي يا جبار، يا قهار، يا عزيز، يا حي. اللهم اقطع دابرهم، واكسر شوكتهم، وفرق جمعهم، واشتت شملهم، وخالف بين قلوبهم، وأدر الدائرة عليهم. اللهم عليك باليهود والنصارى وجنودهم وأتباعهم وأشيعهم ولفائهم من الجن والإنس. اللهم كل اليمن، يمن جار من شرهم، جل ثناؤه، وعز جاره، وتبارك اسمه، ولا إله غيره. اللهم من أرادنا ويمنا بسوء، اللهم اجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه. اللهم فرق جمعهم، وردهم خائبين. اللهم اكفناهم بما شئت. اللهم أعد إلينا ما أنعمت به نبينا. اللهم يا حي، أناشدك بعظمتك، بعظمتك، نبيك يحب اليمن، وأنت الذي أنزلت قولك: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، الآيات، وهم أهل اليمن، كما نطق نبيك. هذه ممدحك، وهذا ثناؤك، وثناء نبيك. اللهم احفظ علينا يمننا، واحفظ علينا دعوتنا، واحفظ علينا علماءنا، واحفظ علينا إخواننا. اللهم أعذ اليمن، فقهها وحكمتها ومجدها، وادفع عنها الفتن، ما ظهر منها وما بطن. وأرنا من الآيات والبراهين الساطعة ما يدل على نصر دعوتك وتأييدها وتسديدها وحفظ أهلها. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين.