الدرس في السكينة، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع تعريف السكينة لغةً واصطلاحاً عند الجرجاني وابن القيم، ويوضح أثرها العظيم في تثبيت قلوب المؤمنين عند الشدائد، مستشهداً بآيات قرآنية وقصص إبراهيم عليه السلام والنبي ﷺ وأصحاب بيعة الرضوان.
يستعرض المقطع نماذج عملية لنزول السكينة الإلهية كما حدث في صلح الحديبية، مبيناً أنها تمنح الطمأنينة وتزيد الإيمان، ويؤكد ضرورة التحلي بها في مواجهة أعباء المعيشة وأداء العبادات كالوضوء، محذراً من العجلة.
يؤكد المقطع على وجوب التحلي بالسكينة والوقار في الصلاة والصوم وعند الغضب والأزمات، مستدلاً بأحاديث نبوية تأمر بالسكينة وتنهى عن الانفعال، مبيناً أنها سبب لثبات القلوب وصلاح الأحوال ومحبة الله والناس.
يختتم الدرس بدعاء يسأل الله فيه السكينة وتثبيت الأقدام والنصر على الكافرين، ثم يختم بالصلاة على النبي محمد ﷺ والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله في مذاكرة بعض الصفات وبعض الخصال التي هي من مدرسة الأخلاق وجميل الصفات التي دعانا إليها ديننا، وكما سبق معنا مراراً وتكراراً أن ديننا هو دين الأخلاق، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». موضوعنا في هذا المجلس حول خلق عظيم نحن أحوج ما نكون إليه، ولا سيما في مثل هذه الأيام وفي مثل هذه الأحوال التي لربما تأزمت معها ظروف الحياة، وهكذا تعقدت كثير من المجالات التي يعيشها الناس في مثل هذه الأيام، ألا وهو ما يتعلق بالسكينة. وقد ذكر أهل العلم في تعريف وبيان السكينة، من ذلكم ما ذكره الجرجاني رحمه الله تعالى في كتابه التعريفات، قال موضحاً لمعنى السكينة: «هو ما يجده القلب من الطمأنينة عند تنزل الغيب، قال: وهي نور في القلب يسكن إلى شاهده ويطمئن، يسكن إلى شاهده ويطمئن». وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه مدارج السالكين، قال مبيناً لمعنى السكينة: «هي الطمأنينة والوقار والسكون، هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف، مع شدة المخاوف، لكن ينزل الله عز وجل ما يكون سبباً لطمأنينة القلب وسكون النفس، قال: من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات، وقوة اليقين والثبات». ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. وهكذا أيضاً الآيات في هذا الباب كثيرة التي تدل على أهمية أن يتحلى المؤمن بخلق السكينة. ولاحظوا كيف أن الله عز وجل امتنى على أنبيائه ورسله بهذا الخلق، فإبراهيم حين أن ألقي في النار ما صاح ولا اضطرب ولا جزع، وإنما قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فأنزل الله على قلبه الطمأنينة والسكينة، ﴿فَقُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. أيضاً نبينا عليه الصلاة والسلام، قال الله عنه حين أن كان مع الصديق في غار ثور: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾. سكينة إذا نزلت على القلوب كانت سبباً في الثبات وسبباً في الطمأنينة وعدم الخوف، وهكذا زيادة الإيمان عند هذا المؤمن. أيضاً ربنا تبارك وتعالى قال عن أصحاب بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. مواقف صعبة ومواقف شديدة، لكن إذا نزلت السكينة على القلوب حصل الطمأنينة، وحصل كذلكم أيضاً حصل الثبات وزيادة الإيمان وزيادة الإيمان. ولاحظ قوله عز وجل: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، أي من الصدق والوفاء والسمع والطاعة، ﴿فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ﴾، أي ربنا عز وجل أنزل على قلوبهم الطمأنينة، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، والمقصود به ما أجراه الله عز وجل على أيديهم من الصلح الذي كان بينهم وبين عدوهم، الذي عرف بصلح الحديبية. وهكذا قوله عز وجل: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. لاحظ هذه مواقف تتطاير فيها الرقاب وتسيل فيها الدماء وتلتحم فيها الصفوف، ومع هذا انظر كيف إذا أنزل الله عز وجل على أهل الإيمان السكينة كيف يكون حالهم. ماذا عسانا نحن أن نقول اليوم حين أن يرتفع صرف أو أن يزداد غلاء أو أن يقع شيء من شدة المؤونة، وهكذا من شدة المعيشة؟ فالسكينة من الأمور التي نحتاجها جميعاً. نسكن يا إخوان، تطمئن قلوبنا وتنشرح صدورنا، نعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. ألسنا مؤمنين بأن هذه الدار مليئة بالابتلاءات ومليئة بالمنغصات ومليئة بالأمراض والحروب والمشاكل؟ خلقت على كدر، فكيف تنالها صفواً؟ ﴿أَذَاكَ قَطُّ لَيْسَ بِالْإِمْكَانِ﴾. الله عز وجل خلقها على هذا الحال، قال ربنا عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. ولهذا الإنسان لا بد أن يوطن نفسه على أن يكون من أهل السكينة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عليكم بالسكينة، عليكم بالسكينة»، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم، وذلك فيما يتعلق بحجة الوداع. حجة الوداع كان عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: «عليكم بالسكينة». وهكذا السكينة نحتاجها في العبادات، إذا جئت تتوضأ فأنت مطالب بالسكينة وعدم العجلة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل للأعقاب من النار»، كما في حديث عائشة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم. سكينة عند الوضوء، «ويل للأعقاب من النار»، ما سببه؟ عدم السكينة عند الوضوء، الماء قليل والقوم في سفر، فجعل بعضهم يمسح على قدميه بالماء، فصاح بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار». مر على قبرين عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس، فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير»، ثم قال: «بلى إنه لكبير، قال: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة». فتنة، يأخذ كلام هذا وينقله إلى ذاك، البعض يا إخوان عنده تفن وإيجادة لإشعال نيران الفتن، اجلس في المقاهي الصباح مثلاً وأهمه يأخذ كلام، سمع كلمة أخذها فقام وطار بها كي يوقد نيران الفتن ويشعلها. قال: «أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول». ما في سكينة بال، فاستعجل، ولربما قطرات البول تتناثر وتتساقط على بدنه وعلى ثيابه. السكينة نحتاجها في الصلاة يا إخوان، في الصلاة لما نقوم إلى الصلاة نقوم بسكينة ووقار، لما تقام للصلاة وأنت تتوضأ أو وأنت آت إلى المسجد، ما أحوجنا إلى أن نكون من أهل السكينة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة والوقار». هل نحن كذلك؟ سمع إقامة الصلاة، انظر إلى حال الناس عند خروجهم من دورات المياه، أحدهم يجري وآخر يركض وآخر يسرع وآخر لا زال مشمراً عن ثيابه، استعجل. قال: «فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». هكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوجه أمته إلى أن يلزموا السكينة في عبادتهم. في صومك أنت أحوج ما تكون إلى السكينة، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: «إني صائم». سكينة يا إخوان، سكينة، «إني صائم». فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: «إني صائم». أكد النبي صلى الله عليه وسلم وجه أمته ووجه أصحابه عليه الصلاة والسلام. وأخيراً ينبغي أن نعلم أن السكينة إذا نزلت على القلوب وتحلى بها المؤمنون نتاج عن ذلك فوائد عظيمة، آثار حميدة تترتب على التحلي بهذا الخلق العظيم. من فوائد السكينة أنها تعتبر سبباً عظيماً لثبات القلوب، لثبات القلوب، وهكذا تهدأ الإنفعالات. أليس من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب»؟ فردد الرجل مراراً يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الوصية، قال: «لا تغضب». «ليس القوي بالصرعة، إنما القوي الذي يملك نفسه عند الغضب». فائدة السكينة يا إخوان عند الغضب والانفعال، عند الأزمات، عند المخاوف، عند الاضطراب، الأمر فيحتاج الإنسان إلى أن يكون ساكناً. أيضاً المتحلي بالسكينة هذا يا إخوان مطيع لله عز وجل ولنبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى على الجميع ما يترتب على الامتثال لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام من رفعة الدرجات وعظيم الجزاء وكثرة الحسنات عند الله تبارك وتعالى. أيضاً من فوائد السكينة أن المسلم حين أن يتحلى بالسكينة فتستقيم أموره وتصلح أحواله، حاله يصلح، والعكس بالعكس، متى ما فقد السكينة تغلب عليه الإنفعالات والمخاوف، ولربما يقع فيما لا تحمد عقباه من الطيش، ولربما عدم الإحسان في التصرف وغير ذلك. أيضاً السكينة سبب للتواضع وخفض الجناح، الذان هما من خصال أهل الإيمان، وتعتبر السكينة دليلاً على الرضا بقدر الله تبارك وتعالى، ويترتب عليها محبة الله عز وجل لهذا المؤمن الذي تحلى بهذا الخلق العظيم، وهكذا محبة الناس لمن كان هذا وصفه وهذا حاله. ففوائد السكينة يا إخوان كثيرة، وحاجتنا إلى أن نتحلى بهذا الخلق العظيم حاجتنا ما سه، وكما أسلفت ولا سيما ونحن نمر بهذه الظروف وهذه الأحوال وهذه المصائب التي ابتلانا الله عز وجل بها. فأسأل المولى عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهل السكينة، وأن ينزل على قلوبنا السكينة، وأن يثبت أقدامنا، وأن ينصرنا على القوم الكافرين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم