الأمانة

الدرس في الأمانة، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

خلق الأمانة ومكانتها في الإسلام

يتناول المقطع تعريف الأمانة بأنها أداء كل حق واجب وحفظه، مستعرضاً أدلة القرآن والسنة التي تأمر بها وتثني على أهلها. ويبين أنها من صفات المؤمنين وأهل الجنة مستشهداً بآيات سورة النساء والمؤمنون وحديث هرقل مع أبي سفيان.

مكانة الأمانة وعلاقتها بالإيمان والنفاق وعلامات الساعة

استعرض المقطع خطبة جعفر بن أبي طالب للنجاشي التي أبرزت أداء الأمانة من أهم دعائم الإسلام، ثم بين أن خيانة الأمانة من صفات المنافقين استناداً لأحاديث صحيحة. واختتم بأن ذهاب الأمانة من الناس دليل على قلة الخير وقرب قيام الساعة.

شمولية الأمانة في الإسلام وتحذير من خيانة الواجبات

يبيّن المقطع أن الأمانة ليست مقتصرة على حفظ الودائع بل تشمل التوحيد، الطهارة، الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج، وحقوق الوالدين والأولاد والأزواج والأرحام والجيران والمعاملات والشهادات. ويؤكد أن الإخلال بهذه الواجبات خيانة عظمى مستشهداً بحديث «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» دالاً على انتشار الخيانة في الأمة.

دعاء الختام بحفظ الدين وحسن الخاتمة ومحاسن الأخلاق

يختتم المتحدث بدعاء إلى الله أن يحفظ الدين، وأن يتوفاه على الإسلام، وأن يرزقه محاسن الأخلاق ويجنبه سيئها. مختتماً بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، مواصلة مع ما يتعلق بمدرسة الأخلاق وجميل الصفات التي أمرنا بها ديننا، وجاء الترغيب فيها في كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخلاق عظيمة، وديننا كما سبق هو دين الأخلاق ودين الآداب. هذه الليلة، أحبتي في الله، حديثنا حول خلق عظيم نحن أحوج ما نكون إليه، ألا وهو خلق الأمانة. أن يكون المسلم أميناً، والأمانة كما عرفها غير واحد من أهل العلم: أنها كل حق لزمك أداؤه وحفظه. كل حق لزمك أداؤه وحفظه. هكذا عرفه بعض أهل العلم، وهكذا عرفه آخرون بقولهم: كل ما افترض على العباد فهو أمانة. يعني أداء الفرائض والواجبات واجتناب المناهي والمحرمات يعتبر من الأمانة، فيدخل في هذا الصلاة والصيام والزكاة، وهكذا الحج، وهكذا الطهارة، وهكذا يدخل في هذا أداء الديون، وهكذا رد الرهن، وهكذا الشهادات، وغيرها من جوانب هذا الدين. وقد جاء الترغيب في ما يتعلق بالاتصاف بالأمانة، فربنا عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾. وهكذا أيضاً ربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾. وهكذا ربنا عز وجل أثنى على أهل الأمانة وأخبر أنهم من أهل الجنة، كما في قوله عز وجل: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ إلى أن قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. فأداء الأمانة يعتبر من صفات أهل الإيمان، وهي من صفات أهل الجنة. وكذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حث على أداء الأمانة، وأن يكون المسلم أميناً، وأن يكون المسلم أميناً. جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة سؤال هرقل عظيم الروم لأبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وكان يومها مشركاً، سأله: بماذا يأمركم؟ فأخبره أبو سفيان أنه مما يأمرهم به أداء الأمانة، أداء الأمانة. فبين هرقل عظيم الروم بعد ذلك سبب سؤاله، قال: سألتك ماذا يأمركم، فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي، وهذه صفة نبي. أيضاً جاء في حديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قصة هجرة المؤمنين من مكة إلى أرض الحبشة، وسؤال النجاشي ملك الحبشة هؤلاء، سؤال النجاشي للمؤمنين عن هذا الدين الذي جعلهم يتركون دين آبائهم وأجدادهم ويرحلون من بلدهم ويأتوا إلى أرض الحبشة، ولم يدخلوا في دينه الذي هو النصرانية. وقف جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه خطيباً بين يدي النجاشي، فقال: «أيها الملك، إنا كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونسيء الجوار ونقطع الأرحام، ويأكل القوي منا الضعيف، ويأكل القوي منا الضعيف. قال: فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنعبده ونوحده ونترك ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، وأن نكف عن المحارم والدماء». وجعل يعدد له أمور الإسلام التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعدد له أمور الإسلام التي جاءهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أبرزها وأهمها أداء الأمانة، أداء الأمانة. أيضاً أيها الأحبة في الله، الإخلال بالأمانة ليس من صفات أهل الإيمان، وإنما كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من صفات أهل النفاق. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا اؤتمن خان». أيضاً جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا خاصم فجر». وشاهدنا من هذه الصفات قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا اؤتمن خان». واعلموا رحمكم الله وإياكم أن بقاء الأمانة في الناس دليل على بقاء الخير، ووجود الصلاة في أوساط الناس وذهابها يعتبر دليلاً لذهاب الخير وقلته في أوساط الناس، بل ذهاب الأمانة يعتبر دليلاً على قرب قيام الساعة وزوالها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أصحابه يحدثهم، فجاء رجل أعرابي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ متى الساعة؟ فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم واستمر في حديثه، فقال بعض الصحابة: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع ما قال. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم حديثه قال: «أين السائل عن الساعة؟» قال: أنا يا رسول الله. قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». قال: وكيف وسده؟ قال: «إذا أسندت الأمور إلى من لا يحسن القيام بها ومن لا يستحق أن يكون عليها، فعندها يكون خراب العالم، وعندها يكون قيام الساعة، إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». أيها الأحبة في الله، كثير من الناس يظن أن الأمانة تتعلق بحفظ الودائع وتسديد الديون ونحوها، لكن الذي ينبغي أن يعلم أن الأمانة تعتبر صفة عظيمة شاملة لكل ما افترض الله عز وجل على خلقه وعلى عبيده. فمن أعظم الأمانة التوحيد الذي أوجبه الله عز وجل على العبيد، أن يوحد العباد ربهم عز وجل، هذا من أعظم الأمانة. فمتى ما حصل الشرك وصرفت العبادات لغير الله عز وجل كان ذلك من أعظم الخيانة، من أعظم الخيانة. وكذلك أيضاً من أعظم الأمانة ما يتعلق بالطهارة. الطهارة يا إخوان أمانة، وأي أمانة! أن يحافظ المسلم على الوضوء إذا أراد الصلاة، هذا من الأمانة. يستطيع أن يدخل الواحد إلى الصلاة ويصلي بدون وضوء ولا يشعر أحد بذلك، لكنها أمانة، أمانة بين العبد وربه تبارك وتعالى. وهكذا الاغتسال من الجنابة أمانة، وهكذا غيرها من صور الطهارة كطهارة الثوب وطهارة البدن من النجاسات، كل ذلك يعتبر من الأمانة. أيضاً من أعظم الأمانات التي سنسأل عنها الصلاة. الصلاة تعتبر من أعظم الأمانات، ولهذا أمرنا ربنا عز وجل بالمحافظة عليها: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾. وأثنى على المحافظين على صلاتهم وأخبر أنهم هم المؤمنون حقاً وأنهم من أهل الجنة. أيضاً أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر العمل، وإن فسدت فسد سائر العمل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وكذلك أيضاً الصيام أمانة، والزكاة أمانة، والحج أمانة، يجب أداؤها والقيام بها، والإخلال بمثل هذه الواجبات يعتبر من الخيانة. القيام بحق الوالدين من أعظم الأمانة، القيام بحق الأولاد من حسن التربية والتعليم والتوجيه يعتبر من أعظم الأمانة، القيام بحقوق الزوجية يعتبر من أعظم الأمانة، القيام بصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران يعتبر كذلك من أعظم الأمانة، المحافظة على الودائع، وهكذا ما يتعلق بالبيع والشراء، وهكذا ما يتعلق بأداء الشهادة، وهكذا غيرها كثير مما يدخل في باب الأمانة. ويعتبر من كان محافظاً على هذه الحقوق وأيضاً لا يتعدى الحدود من جملة الأمناء الذين يحبهم ربنا عز وجل، وهكذا وعدهم بالأجر العظيم والثواب الجزيل عنده سبحانه وتعالى. أيها الأحبة في الله، الحديث حول الأمانة حديث عظيم، نحن أحوج ما نكون إلى أن نذكر به، ولا سيما والناظر في أحوال كثير من المسلمين اليوم يجد ضعفاً في هذا الجانب، ألا وهو جانب الأمانة. وهكذا يرى انتشار صفة الخيانة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يرزقنا محاسن الأخلاق، وأن يجنبنا سيئها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.