الدرس في البشاشة، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يُعرّف المقطع البشاشة بأنها طلاقة الوجه مع الفرح والتبسم وحسن الإقبال، ويستشهد بحديث جرير بن عبد الله عن تبسم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، وحديث أبي ذر الحاث على لقاء الأخ بوجه طلق كأحد المعروف.
يبيّن المقطع أن التبسم في وجه الأخ المسلم من المعروف الذي يعد صدقة عند الله، ويستدل بأحاديث تؤكد أن كل معروف صدقة، وأن لقاء المسلم بوجه طلق من أخلاق النبوة يجلب المودة ويبعد التكبر، مع سرد أنواع من الصدقات اليومية التي يسرها الشرع.
يسرد المقطع عوائق تمنع التحلي بالبشاشة كخبث النفس والحسد والحقد والكبر، وعدم الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وبغض الناس وجهل الأجر، ويؤكد أن البشاشة تُكتسب بالمجاهدة والمداومة حتى تصبح سجية وطبعاً من أخلاق أهل الجنة.
يختتم المتحدث بدعاء الله أن يرزقه ومحاسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها، ثم يصلي على النبي محمد وآله، ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع مدرسة الأخلاق وجميل الصفات التي ينبغي علينا جميعاً معاشر أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان أن نتحلى بها وأن نتصف بها وأن نكون من أهلها. ومن المعلوم أن هذه الصفات وهذه الأخلاق هي على نوعين: أخلاق وصفات لربما خلق الله عز وجل الإنسان عليها، جبله عليها، جعلها طبعاً من طباعه وسجية من سجاياه، طبيعي فيه أنه رحيم، أنه صبور، أنه عفيف، أنه حكيم، أنه بشوش، إلى غير ذلك. ومن هذه الأخلاق والصفات ما يكتسبه الإنسان، يحاول، يعود نفسه عليها، ويصبر نفسه ويجاهدها على التحلي بها، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ومن يستغني يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر». أيها الأحبة في الله، حديثنا في هذا المجلس حول خلق يقال له: خلق البشاشة. كيف يكون المسلم بشوشاً؟ والبشاشة يا إخوان تدل على ما في قلب صاحبها من رحمة وتواضع وطيبة وأخلاق حسنة، آثارها تظهر على وجه هذا المسلم. وقد عرف العلماء البشاشة بأنها: طلاقة الوجه مع الفرح، طلاقة الوجه مع الفرح والتبسم وحسن الإقبال واللطف في المسألة. لاحظ هذه المعاني الجميلة التي يتضمنها معنى البشاشة: البشاشة طلاقة الوجه مع الفرح والتبسم وحسن الإقبال، أي على الآخرين، واللطف في المسألة. فلو أراد شيئاً من شخص تجد أنه لطيفاً في سؤاله ومسألته. وهكذا أيضاً عرّفوا البشاشة بأنها: السرور بمن تلقاه. جرير بن عبد الله البجلي، صحابي جليل ذا قدر، ماذا يقول جرير؟ قال جرير رضي الله تعالى عنه: «ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت»، أي ما منعني من الدخول عليه منذ أسلمت، «ولا رآني إلا تبسماً»، ولا رآني إلا تبسماً. أكذا يقول رحمه الله تعالى. والناظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجد فيها الحث والترغيب على التحلي بهذا الخلق العظيم وهذه الصفة الجميلة. جمال يا إخوان عظيم يكون في هذا الإنسان حال كونه بشوشاً متبسماً، وجهه طلق. يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي ذر عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». بوجه طلق، وفي رواية: بوجه طليق. ومعنى طلق وطليق: أي وجه سهل منبسط، سهل منبسط. وهذا فيه الحث على بذل المعروف، على بذل المعروف. والمعروف يا إخوان قد يكون شيئاً يسيراً جداً لا يكلفك مالاً ولا يكلفك جهداً، تنال بسببه الأجور العظيمة عند الله عز وجل. كم ستبذل من جهد وكم ستدفع من مال حين أن تلقى أخاك المسلم بوجه طلق بشوش سهل منبسط لا يكلفك شيئاً؟ قال: «لا تحقرن»، لا تستصغر مثل هذا العمل، ولا يكون في عينك صغير، وإنما هو عظيم. قال: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وأحمد والطبراني، وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة». كل معروف صدقة. قال: «وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق». هذا من المعروف الذي يعتبر صدقة لك عند الله تبارك وتعالى. قال: «كل معروف صدقة، وإن من المعروف» أي من جملة المعروف الذي تؤجر عليه ويعتبر صدقة لك عند الله عز وجل، «أن تلقى أخاك بوجه طلق». بوجه طلق. قلنا: أي تلقاه منبسط الوجه ومتهللاً. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر عند الترمذي وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عدد الصدقات أخبر عليه الصلاة والسلام أنه يصبح على كل سلامى أي مفصل من ابن آدم يصبح سليماً، يجب عليه أن يقدم مقابل ذلك صدقة. كم عدد هذه السلامى والمفاصل؟ جاء في رواية: ثلاثمائة وستون سلامى ومفصل. طيب، من أين ستأتي بهذه الصدقات؟ صدقة كل يوم ثلاثمائة وستين صدقة. سهلها علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «كل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة»، إلى أن قال: «وتبسمك في وجه أخيك لك صدقة». تبسمك في وجه أخيك لك صدقة. قال: «وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة». شخص يبحث عن بيت، يبحث عن محل، ما يعرف البلاد، فتدله على البيت أو ترشده إلى المحل، المحل والموضع الذي يريده، هذا لك به صدقة. قال: «وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، قال: وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة». ما أوسع أبواب المعروف، وما أكثر سبل وطرق الخير التي ينال المسلم بسببها الأجور العظيمة. ومن ذلك ماذا؟ تبسمك في وجه أخيك لك صدقة. قال ابن بطال رحمه الله تعالى كما في شرحه على صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى: قال فيه: «أن لقاء الناس بالتبسم وطلاقة الوجه من أخلاق النبوة». من أخلاق النبوة. قال: «وهو مناف للتكبر، جالب للمودة». أنت متصف بأخلاق النبوة حين أن تعلو وجهك البشاشة، تعلو وجهك البشاشة. وينبغي كذلك أيضاً أن نعلم أن للبشاشة أموراً لربما تحرم هذا الإنسان أن يكون من أهلها. الموفق يا إخوان من وفقه الله عز وجل وسهل عليه فعل الخير وأبواب الخير. لكن هناك أمور لربما تمنعك من أن تكون من أهل المعروف ومن أهل هذه الصفات الحميدة والأخلاق الطيبة. فمن الأمور التي لربما كانت سبباً في منع الإنسان من أن يكون بشوشاً: خبث النفس وتغلغل الطباع والصفات القبيحة في نفسه. مثلاً: الحسد. الحسد يا إخوان يمنع الإنسان من أن يكون بشوشاً. رأى دراجة جديدة مع شخص، الذي ينبغي أن يكون بشوشاً: «ما شاء الله، بالبركة عليك يا فلان، زادك الله من فضله، كم اشتريتها؟» شوش، مرح، فيدخل السرور على الآخرين. لكن الحسود يا إخوان كيف سيبتسم أو سيكون وجهه طلقاً ونيران الحسد تغلي في جوفه وفؤاده؟ وهكذا قل في الحقد، وهكذا قل في الكبر والتعالي على الآخرين. فهذه لربما كانت سبباً في أن ترتسم في وجه صاحبها الجهامة، جهم. وهكذا أيضاً تجعل البشاشة لربما تفارق محياه، تفارق محياه. أيضاً مما يؤدي إلى عدم التحلي بخلق البشاشة: عدم اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي حث ورغب على التحلي بهذه الصفة العظيمة، ألا وهي البشاشة. فأنت إذا كنت تحب النبي صلى الله عليه وسلم، كن على هديه وعلى سمته وعلى أوصافه وأخلاقه. أيضاً من موانع اكتساب البشاشة: بغض الناس وكراهية الخير لهم. وهذا مرض يا إخوان. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». هكذا يقول عليه الصلاة والسلام. أيضاً يقول: «وأن تأتي الناس بمثلي ما تحب أن تؤتى به». هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم. لكن بعض الناس يا إخوان عنده خلق البغض، بغيض لغيره، فلربما يكره حصول الخير للآخرين. أيضاً عدم استشعار الأجر المترتب على التحلي بهذه الصفة لربما يمنع صاحبها من ماذا؟ من أن يكون من أهلها. يا إخوان، نحن إذا علمنا أننا حين نبتسم في وجه أحد من إخواننا تحسب لك وتكتب لك صدقة، هل ستكثر أم ستقلل من هذا الخلق وهذا الوصف؟ مررت على هذا، ابتسمت: صدقة. قابلك هذا، ابتسمت: صدقة. خرجت من بيتك وخرج جارك من بيته، فسلمت عليه، صافحته، وابتسمت في وجهه، وسألت عن حاله وحال ولده، كم صدقات أنت الآن اكتسبتها؟ ومعروف بذلته لغيرك، بذلته لغيرك. فينبغي يا إخوان أن نعود أنفسنا، حتى لو كان هناك أمر يشغلك أو يزعجك أو يحزنك. لو مات أحد المقربين منك من أهلك وجيرانك وأصحابك، وأنت من أخلاقك وسجاياك البشاشة، ستبتسم. ولو على القبر جاءك شخص وقال: «السلام عليكم، عظم الله أجرك، وأحسن الله عزاك، وغفر الله لميتك»، مباشرة ستقابله بالبشر. لماذا؟ لأنك قد جاهدت نفسك وعودت نفسك حتى أصبح طبعاً من طباعك الابتسامة على الوجه. وهكذا أيضاً البشاشة عند لقاء الآخرين. فهذه يا إخوان من الأخلاق التي يحبها ربنا عز وجل ويحب أهلها، وهي من صفات أهل الجنة. جعلني الله وإياكم منهم. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقنا محاسن الأخلاق وأن يصرف عنا سيئها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.
| البشاشة - الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة |