العفة

الدرس في العفة، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مفهوم العفة وأدلة القرآن والسنة

يتناول الدرس تعريف العفة لغةً واصطلاحًا كضبط النفس عن الملاذ الحيوانية ووسطًا بين الإفراط والتفريط، ويستعرض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث عليها في أبواب الأعراض والأموال مثل غض البصر وحفظ الفرج وتعفف من لا يجد نكاحًا. ويختم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة العفة وسؤال الله الهدى والتقى والعفاف والغنى.

أنواع العفة وفضائلها في السنة النبوية

يبين المقطع أنواع العفة كعفة اليد عما في أيدي الناس وعفة الفرج عن المحرمات، مستشهدًا بأدعية النبي صلى الله عليه وسلم في طلب الهدى والتقى والعفاف والغنى، وبقصة يوسف عليه السلام وعلاج النبي لشاب طلب الزنا. ويؤكد أن الله يعين من استعفف ويمنحه الغنى والهداية.

وسائل تحصيل العفة وسد الذرائع

يستعرض الخطيب الأسباب المعينة على العفة كتقوى الله والدعاء بالعفاف والزواج المشروع، وسد الذرائع بتحريم الخلوة والتبرج والمصافحة وغض البصر والاستئذان. ويحذر من التساهل في النظرات كونها بداية الفتنة ومفتاح الوقوع في المحرمات.

أهمية العفة والدعاء بالخاتمة

يدعو الخطيب إلى التحلي بالعفة والابتعاد عن الفواحش والمنكرات مؤكدًا أن من يتعفف يعفه الله ويرزقه الهدى والتقى والعفاف والغنى. ويختتم بالدعاء بأن يرزق الله الهدى والتقى والعفاف والغنى في جميع الجوارح والقلوب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، مواصلة فيما يتعلق بمدرسة الأخلاق وجميل الصفات التي دعانا إليها ديننا الإسلامي، الذي هو دين الأخلاق. حديثنا في هذا المجلس حول خلق عظيم، نحن أحوج ما نكون إلى أن نتحلى به وأن نكون من أهله. هذا الخلق هو ما يتعلق بالعفة، أن يكون المسلم عفيفًا. ولو دققنا النظر، سنجد أن العفة تعتبر مجمعًا لفضائل عديدة ولأخلاق حميدة، يجمعها معنى العفة. وقد ذكر العلماء في تعريف العفة بأنها: ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية. قالوا: وهي حالة متوسطة بين الإفراط والتفريط، بين إفراط الشره وتفريط جمود الشهوة. وعلى كل، جاء الترغيب في العفة في كتاب ربنا عز وجل، وهكذا في سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلكم قوله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ﴾ أي: ليطلب العفة عن الحرام وعن الزنا. ﴿ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا ﴾ أي: الذين لا يجدون ما ينكحون به للصداق وهو المهر، وهكذا أيضًا النفقة. ﴿ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي: يوسع الله عز وجل عليهم في الرزق. وهكذا ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. فهذه الآيات فيها الأمر بالعفة: غض البصر وإحصان الفرج، تحصل بهما العفة عما حرم الله تبارك وتعالى. وهكذا أيضًا ربنا جل في علاه يقول في كتابه العزيز: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾. القواعد من النساء: امرأة كبيرة في السن لا ترغب ولا يرغب فيها. ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا ﴾ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة. ماذا بعدها؟ قال: ﴿ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾. كبيرة في السن، غير مرغوب فيها، وهي كذلك لا تتطلع للرجال ولا ترغب فيهم. كونها تتعفف يعتبر خيرًا لها. وقوله: ﴿ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ أي: أنها تترك وضعها لثيابها، وإن كان جائزًا في حقها، إلا أنه خير لها وأفضل، أنها تترك ذلك وتستر وتتحفظ، فإنه يعتبر خيرًا لها. وما أعظم العفة فيما يتعلق بباب الأعراض! وهكذا أيضًا العفة في باب الأموال. فربنا عز وجل يقول للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضربًا في الأرض: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾. أغنياء، وهذا الغناء هو غناء النفس وغناء القلب. ﴿ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. كم يا إخوان، مثل هذا الصنف من الناس مهضوم في أوصاف المجتمعات! كم من فقير لكنه عفيف، من نظر إليه لربما ظنه من الأغنياء ومن الأثرياء. فمثل هؤلاء ينبغي أن يتفطن لهم. ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾. سائل يسأل ويطلب الناس من أموالهم، لكن المحروم هو فقير عفيف متعفف، لربما الموت أحب إليه من أن يسأل الناس من أموالهم. ﴿ أُعْطُوهُ أَوْ مَنَعُوهُ ﴾. وهكذا أيضًا العفة في أموال اليتامى، كما في قوله عز وجل: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾.كذا يدعونا ربنا عز وجل إلى أن نستعفف عن الأخذ أو النظر إلى ما عند اليتامى من أموال. وأنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أيضًا كان يرغب في العفة، بل كان عليه الصلاة والسلام كثيرًا ما يدعو ربه عز وجل أن يزيده منها. ففي صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل ربه عز وجل أن يرزقه بل ويزيده من هذه الأربع: الهدى والتقى والعفاف والغنى. وهكذا أيضًا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، أن أناسًا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده. فقال عليه الصلاة والسلام: «مهما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم. ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر». وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي والنسائي وابن ماجه، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة حق على الله عونهم»: أي أن يعينهم. وذكر: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء (عبد مملوك كاتب سيده ويريد أن يؤدي ما عليه تجاه سيده)، قال: «والناكح الذي يريد العفاف»: شاب أعزب يريد أن يتزوج، يخاف على نفسه من المعصية والوقوع في الحرام. أبشر يا أيها الشاب! لقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم، بل وأخبر أن الله تبارك وتعالى أوجب على نفسه أن يعين من كان هذا حاله، أن يعين من كان هذا حاله. واعلموا رحمكم الله وإياكم أن العفة لها صور ولها مجالات متعددة. فمنها: العفة عما في أيدي الناس. يتعفف الواحد منا عما في أيدي الناس، ويترك سؤالهم أموالهم. فهذا ثوبان رضي الله تعالى عنه، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يكفل لي ألا يسأل الناس شيئًا وأتكفل له بالجنة». من يقوم بهذا الأمر؟ يكفل لي ألا يسأل الناس شيئًا. ما هو الجواب؟ يتكفل النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة. فقال ثوبان: «أنا». قال ثوبان: «أنا». فكان لا يسأل أحدًا شيئًا. وهذا يبتلى يا إخوان، ويختبر. لربما تمر به الضائقة والجائحة، ويحتاج، فيجاهد نفسه على أن لا يسأل الناس شيئًا. وهكذا أيضًا: العفة عما حرم الله. فيعف الإنسان نفسه عن المحرمات والفواحش. وذكر الله لنا في هذا الباب عفة نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام، وما حصل له من ابتلاء مع امرأة العزيز، وراودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب، وقالت: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾. فرصة، افعل ما تشاء، واعمل ما تريد. المرأة هي التي تطلب، وهي سيدة المنزل. قال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾. فهذه عفة ينبغي أن يقتدي بها الشباب. وهكذا في حديث أبي أمامة: جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا. يطلب رخصة، وهذه الرخصة في أنه يزني. فزجره الناس: إيش الجرأة هذه؟ تطلب من الرسول أن يأذن لك في الزنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب: «أدنِه». فدنا حتى جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا بدأ العلاج وبدأ التعليم. تريد رخصة في الزنا؟ قال: «أترضاه لأمك؟» فصاح الشاب: «لا، فذاك أبي وأمي يا رسول الله». قال: «وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم. أترضاه لابنتك؟ أترضاه لأختك؟ أترضاه لعمتك؟ أترضاه لخالتك؟» والشاب يا إخوان ينفعل، يقول: «لا، فذاك أبي وأمي يا رسول الله». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم، لبناتهم، لأخواتهم، لعماتهم، لخالاتهم». أنت إذا زنيت بامرأة، تذكر أن هذه المرأة قد تكون أمًا لها أبناء، الموت أحب إليهم ولا يقال: زنت أمهم. وتلك المرأة قد تكون بنتًا لها أب، باطن الأرض خير له من ظاهرها، ولا يقال: ابنتك وجدوها مع بعض الرجال يزنون بها. وتلك قد تكون أختًا لها إخوة، عمه، خاله، لها أقارب تتقطع قلوبهم إذا علموا بذلك وشعروا بذلك. ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على ذلكم الشاب، ودعا له بدعوات مباركة، قال: «اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه، واغفر ذنبه». فخرج الشاب وهو لا يرى شيئًا أبغض إليه من الزنا. ورحم الله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، إذ تنسب إليه هذه الأبيات، كان يقول: اعففوا تعفف نساؤكم في المحرم ** وتجنبوا ما لا يليق بمسلم إن الزنا دين إذا أقرضته ** كان الوفاء من أهل بيتك فاعلم يا هاتكًا حرم الرجال وقاطعًا ** سبل المودة، عشت غير مكرم لو كنت حرًا من سلالة ماجد ** ما كنت هتاكًا لحرمة مسلم من يزني يزن به ولو بجداره ** إن كنت يا هذا لبيبًا فافهم فإذا من صور العفة: العفة عما حرم الله من الفواحش والمنكرات. وهكذا أيضًا من صور العفة: أن يكف الإنسان لسانه عن الأعراض، أي عن أعراض الناس، فلا يقول إلا كلاما طيبًا. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». وأخيرًا، ينبغي أن نعلم أن هناك جملة من الأمور والوسائل التي تعيننا على تحصيل العفة. من هذه الوسائل والأسباب: أن يتقي العبد منا ربه عز وجل في السر والعلانية. ﴿ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾. أيضًا من هذه الأسباب: سؤال الله عز وجل أن يرزقك العفاف، وأن يصرف عنك السوء والفحشاء. نبي الله عليه الصلاة والسلام مر معنا أنه كان يسأل ربه العفاف والغنى. وهكذا نبي الله يوسف، لما حصل له ما حصل، قال: ﴿ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾. قال: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. وهكذا أيضًا مما يعين على حصول العفة: الزواج. ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. حتى يغنيهم الله من فضله. طيب، إذا أغناهم الله من فضله، ماذا يفعل؟ يتفرج في المال؟ لا، يتزوج به طلبًا للعفاف. وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين، واللفظ لمسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم الرجل إذا رأى شيئًا، مثلا رأى امرأة في الشارع أعجبته، يذهب مباشرة إلى أهله فيقضي حاجته عند أهله، «فإنما عند أهله كما عند هؤلاء»، ما الفارق؟ فهذا من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هذه الأسباب والأساليب التي تعين على التحلي بالعفة: سد الذرائع التي تؤدي إلى الفساد. مثلا: عدم الخلوة بالمرأة الأجنبية. «إياكم والدخول على النساء». قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ يعني أقارب الزوج. قال: «الحمو الموت، الحمو الموت». أيضًا: عدم التبرج. ربنا عز وجل يقول للنساء: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ ﴾ الآيات. وهكذا قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾. لماذا يا رب؟ قال: ﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ﴾. يأتي بعض الناس يخاطب النساء ويتساهل في ذلك، فإذا نصح قال: نيتي طيبة، وقصدي سليم، وقلبي نظيف. ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾. هو أعلم بمن اتقى. ما سيكون قلبك أزكى من قلبي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين؟ في مبايعة النساء، لما أتت النساء يردن أن يبايعن النبي صلى الله عليه وسلم كما بايع الرجال، قال: «إني لا أصافح النساء». «إني لا أصافح النساء». يأتي واحد يصافح الأجنبيات من النساء بحجة أن قلبه سليم ونيته طيبة. أيضًا ما يتعلق بغض البصر: ﴿ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾. وهكذا أيضًا الاستئذان عند الدخول. يأتي واحد قد دخل البيت، أوه أوه، فلان، طيب، فلان متبرع، وش أنت داخل؟ إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، من أجل البصر. فالتأدب بالاستئذان. أيضًا مما يعين على العفة والمحافظة على النظر: لو تأملنا معظم المصائب، أولها يبدأ صغيرًا، كما قال شوقي مصر: «نظرة فابتسامة فموعد فلقاء». فلا يجوز التساهل في مثل هذه الخطوات. فكل الحوادث مبدأها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر. والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغير، موقوف على الخطر. كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر! يسر ناظره ما ضر خاطره، لا مرحبا بسرور عاد بالضرر. أيها الأحبة في الله، نحن أحوج ما نكون إلى أن نتحلى بالعفة، وأن نبتعد عما حرم الله عز وجل من الفواحش والمنكرات. وهكذا نتعفف عن أعراض المسلمين، نتعفف عما في أيدي المسلمين. ومن يتعفف يعفه الله. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى. أسأله عز وجل أن يرزقنا العفاف في أعيننا وآذاننا وقلوبنا وألسنتنا وجوارحنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.