شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 12

شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 12

الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الحياة البرزخية

يبدأ الناظم بالكلام عن اعتقادات أهل السنة فيما يتعلق بالحياة البرزخية ومسائل القبر، موضحا أن الحياة البرزخية تشمل كل ميت وتشمل فتنة القبر وعذابه ونعيمه. كما يشير إلى أن أحاديث فتنة القبر متواترة.

تفاصيل سؤال القبر وفتنته

يتناول شرح سؤال القبر وفتنته، حيث يسأل الميت عن ربه ودينه ونبيه، وتكون الإجابة بحسب اعتقاده. يُثبت الله المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.

عذاب القبر ونعيمه وإدراك الأحياء له

يتحدث عن عذاب القبر ونعيمه، ويوضح أن الأحياء لا يستطيعون إدراك ما يحدث للأموات، ويضرب مثالاً بالنوم والكوابيس. كما يناقش مسألة ظهور بعض العلامات على الأموات أثناء الغسل أو الدفن.

أهمية العلم للمغسل

أوجب العلماء على كل مغسل أن يكون لديه علم بما يخص عمله، حيث يتعامل المغسل مع الميت بشكل مباشر وقد يظهر عليه ما لا يظهر على غيره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال الناظم رحمه الله تعالى: «ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه هناك ويسأل». هذا البيت لا زال فيه المؤلف رحمه الله تعالى يتكلم عن بعض اعتقادات أهل السنة التي هي مما اعتنقها واعتقدها المؤلف رحمه الله. ومنها ما يتعلق بمسألة القبر، بمسألة القبر، وهو الذي يعبر عنه بالحياة البرزخية. يعبر عنه بالحياة البرزخية، والبرزخ بمعنى الحاجز. البرزخ هو عبارة عن حاجز بين الدنيا والآخرة. الحياة البرزخية هي حاجز بين الدنيا والآخرة. ولهذا قسم العلماء الدور إلى ثلاثة أقسام: إلى دار الحياة الدنيا، وإلى دار البرزخ، وإلى دار الآخرة. الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة. فدار الدنيا دار عمل، ودار البرزخ دار انتظار، ودار الآخرة هي دار الجزاء. فالدور ثلاثة: الدنيا عمل، البرزخ انتظار، الآخرة هي دار الجزاء. الحياة البرزخية، أخواني في الله، أعم من مسائل القبر. الحياة البرزخية ما تكلم عن الحياة البرزخية؟ هي أعم من مسائل القبر. لماذا؟ لأن الحياة البرزخية تتحدث عن حال أهل القبور، ومن لم يكن أصلا في القبور. لأن من الناس من يموت ولا يدفن في قبره، مثاله الغريق الذي يذهب مع البحار، أو الذي احترق حتى أصبح رمادا، أو الذي أكل من قبل السباع والحيوانات. هؤلاء هل لهم قبور؟ ليست لهم قبور. هل معنى أن هؤلاء ليست لهم حياة برزخية؟ لا، لهم حياة برزخية. فالحياة البرزخية أعم، فهي تلحق كل ميت. تلحق كل ميت. لكن المؤلف رحمه الله تعالى يذكر هنا القبر ومسألة القبر، وعليه العلماء، لأن هذا هو الأكثر، وهذا هو الأغلب، ما عليه الناس أنهم يدفنون في قبورهم. ولهذا تذكر هذه المسألة في القبر، وإلا هي المسألة تسأل حتى تطرح على من ليس في قبر أصلا. من كان في بطن السباع يترك؟ لا، له حياة برزخية. تأتيه مسائلها. ومن كان قد ذرته الرياح، قد أصبح رمادا، انتهى أمره؟ لا، بل له حياة برزخية. والحياة البرزخية، أو إذا أردنا ما نسميها بمسائل القبور، هي تعود إلى مسألتين اثنتين. مسائل القبور تعود إلى مسألتين اثنتين: المسألة الأولى مسألة فتنة القبر، والمسألة الثانية عذاب القبر ونعيمه. عذاب القبر ونعيمه. فهاتان مسألتان هما العمدة التي تقوم عليها مسائل القبور. فالمسألة الأولى فتنة القبر، أي أن من دخل في القبر فإنه يفتتن. والفتن هنا بمعنى السؤال، أي يسأل. وهذا الذي أشار إليه المؤلف بقوله: «ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه هناك ويسأل». السؤال هي الفتنة. عندما تسمع عن فتنة القبر، فإنها السؤال الذي به تكون الفتنة والتمحيص والابتلاء. وأحاديث فتنة القبر متواترة. والمسألة الثانية التي أشرنا إليها من مسائل القبور ما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه. فإنه من في القبر إما يعذب وإما ينعم. وكذلك أحاديث عذاب القبر ونعيمه متواترة، أي بلغت مبلغا عظيما من الكثرة. وقد أشار العلماء من الحفاظ إلى تواتر أحاديث فتنة القبر وعذابه ونعيمه. ذكر ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، والصيوطي، وابن القيم. إلى أنها متواترة. وهذا به رد على المبتدعة الذين بعضهم ينكر عذاب القبر. كثير ينكرون عذاب القبر. بعضهم يؤصل عمدة الرد لأحاديث عذاب القبر بأنها آحاد. قل: كذبت، ليست بآحاد، بل متواترة. العلماء صرحوا بتواترها، فما هناك مجال إلى ردها أو إلى تكذيبها. قال مؤلف رحمه الله تعالى: «ولكل حي عاقل». المؤلف رحمه الله تعالى أراد هنا المكلف. أراد هنا المكلف، أي أنه عرض للسؤال وعرض للفتنة في قبره، فيسأل. وهذا يجر إلى مسألة خلافية، وهو من لم يكن مكلفا هل يسأل؟ مثل المجانين، مثل الصبيان. الخلاف حاصل. ولا نستطرد في هذه المسألة. فالمؤلف رحمه الله تعالى قال: «ولكل حي عاقل»، أي من كان من أهل التكليف. قال: «في قبره». والقبر هو مدفن الإنسان، أي المكان الذي يدفن فيه الإنسان مدفنه. ومسألة القبر، إخواني في الله، ودفن الإنسان فيه، هذه من تكريم الله جل وعلا للآدمي. أن الله أرشدهم إلى دفن الجثث وإلى اتخاذ القبور. فهذه من تكريم الله للآدميين. وتعرفون قصة قابيل وهابيل كيف عندما قتل أخاه، ثم احتار في كيفية التخلص من جثمانه، فأرسل الله جل وعلا إليه بغرابين اقتتلا، فقتل أحدهما الآخر. فقام الغراب القاتل يبحث في الأرض، ينبش الأرض، ثم دفن الغراب المقتول. فكانت هذه إشارة إلى كيفية التصرف الآدمي مع موتاه ممن مات من بني جنسه أن يدفن. فكان ذلك تكريم. ولهذا يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾. بعد الموت يجعل في قبره. وكان من حكم الشريعة الإسلامية إلى أن دفن الموتى من فروض الكفاية، من الواجبات. أن يقوم نفر من الناس بدفن الجثث، هذا واجب يقوم به بعضنا. ولا تترك الجثة هكذا، ما يجوز. بخلاف من لم يرد ربنا جل وعلا إكرامهم، ممن خرج عن الدين والملة، من الكافرين والمشركين. فهم في هذا الباب يتنوعون. فالمجوس، مثلا، ومنهم ومثلهم البوذية والهندوس، يرون إحراق الجثث. وأن الجثة إذا أحرقت، يعني هذه الجثة تحرق، حتى تكون رمادا، فيؤتى بها فتوضع في علبة، في قارورة، وتعطى لك. وهذه مسألة الآن قد وصل فعلها في دول أوروبا وأمريكا، خاصة أن الناس هناك شكوا من ارتفاع مراسيم الجنازة. أنتم تعرفون كيف النصارى هناك؟ الفنون أولا، التابوت هذا الضخم، التابوت كبير من داخله مغلف بالإسفنج، ومصنوع من الصاج، من الخشب القوي، وضخم، حتى ما يحمل بالسيارات لثقله. هذا بكم دولارات؟ مرحل. إحصائية حول السعر يدفع. ثم تذهب بها الكنيسة إحصار. فأوجد هذا أن بعض الناس من النصارى هرب من دفن الموتى، فلجأ إلى ماذا؟ إلى الحرق. قالوا: حتى في موضوع الحرق خسارة، لكن أخف. فيأتي رجل بميتة، يقول لهذا المصنع الذي يتعامل بحرق الجثة: هذا جثة فلان، احرقه وعطني الرماد. يقول: أبشر، خلق مال، يعطيه. هم مال فيقوم بحرق الجثة حرقا تاما، حتى تصبح رمادا، ثم يطيها بجل، يقول: هذه جثة، أليك، يأخذها. وكما يقول العلماء: سبحان الله، هذه عقوبة الدنيا أن يحرق بعضهم بعضا، فما ظنك بعقوبة الآخرة؟ وكان كفار قريش أيضا من أمرهم تكفير، يعني عن كفار الجاهلية، كانوا لا يتدافنون، بل بعضهم كانوا، خاصة في الحروب، إذا مات الميت ترك في العراء، حتى تأتي السباع والهوام فتأكل من جثته. لكن جاء الإسلام ونظم وهذب ورتب الأحكام الشرعية على ضرورة الدفن في القاعة. هذا الأصل. الدفن في القبور. متحت هذه مسائل، لكن ليس هذا المقام استطرادها. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه». أي أنت يا عبد الله إذا ولجت في قبرك، يبقى معك عملك. ودليل ذلك ما جاء من حديث أنس المتفق عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «يتبع الميت ثلاثة: أهله، وعمله، وماله. فيرجع اثنان، ويبقى واحد. فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله». فهذا الذي يبقى معك في قبرك. أما الأهل، لا أحد يبقى معك في قبرك. وهكذا الأموال لا تكون معك. ما يبقى معك إلا العمل. فقوله رحمه الله تعالى: «عمل يقارنه». أي يكون معك قرينا، يكون معك مقترنا، لا يفارقك. لا يفارقك. قال رحمه الله تعالى: «عمل يقارنه ويسأل». دلت الأدلة الكثيرة على أن الميت في قبره يسأل. بل يستدل العلماء بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أنها في سؤال القبر. قد مر معنى أن أحاديث سؤال القبر، والذي يعبر عنه بفتنة القبر، متواترة، كثيرة جدا. وهذه الأسئلة التي تسأل عنها يا عبد الله، وهي الفتنة التي تفتتن بها في قبرك، تقول وتعود إلى معتقدك. تقول وتعود إلى اعتقادك الذي تعتقده. فتسأل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ هذه الأسئلة الثلاثة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ هذه الأسئلة الثلاثة التي تسأل عنها في قبرك. تقول وتعود إلى عقيدتك ومعتقدك، فيما تعتقد في الله، وفيما تعتقد في دينه، وفيما تعتقد في نبيه، في نبيه. وهذه الأسئلة، أخواني في الله، ليست الإجابة عليها بحفظها. قد يقول بعض الناس من الحمقى: الأمر سهل، أنا سأجعل لساني تتواطأ على هذه الإجابة. أحفظ: من ربك؟ ربي الله. ما دينك؟ دين الإسلام. ما أنبك؟ أحفظ، أحفظ، أحفظ. حتى لو دخلت إلى قبر وسئلت، تكون الإجابة على طرف اللسان. أهكذا الإجابة؟ ألا الإجابة يا عبد الله لا تكون بحفظ، إنما تكون بالعمل الذي ينطق عنك. عملك وقلبك. والذي ينطق بالحقيقة ليس بحفظ المعلومات، ليس به. ولهذا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. الثبات على القول الثابت لأهل الإيمان. مسألة: هل الكافر يسأل في قبره؟ على خلاف. ذهب بعض العلماء، كابن عبد البر رحمه الله تعالى، إلى أن الكافر لا يسأل. والصحيح، والذي عليه جمهور العلماء، إلى عموم السؤال. ويدل هذا العموم ما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، الطويل، رواه الإمام أحمد في مسنده. وقد أورده شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإن العبد الفاجر -وفي رواية: الكافر-». ثم ذكر نبينا بقية الحديث، وكيف أنهم يسألون في قبورهم. فدل على أن الكافر يسأل في قبره. قوله رحمه الله تعالى: «ويسأل». من الذي يقوم بالسؤال؟ الذي يسأل ملكان. يرسلهم الله جل وعلا إلى الأموات. كما جاء ذلك في صحيح البخاري، وفي غيره. قال عليه الصلاة والسلام: «فيأتيه ملكان، فيقعدانه، ويقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من هذا النبي الذي بعث فيكم؟». مسألة تتعلق بهذين الملكين: هل اسمهما منكر ونكير؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء. وأصل اختلافهم في تسمية الملكين بمنكر ونكير يعود إلى صحة الحديث. فقد روى الإمام الترمذي في سننه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف الملكين بأنهما أسودان أزرقان، يقال لأحدهما منكر والآخر نكير. فمنهم من يعل هذا الحديث، لأنه من طريق عبد الرحمن بن إسحاق. ومنهم من يحسن هذا الحديث لشواهده. ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، يرى صحة هذا الحديث. فقوله رحمه الله تعالى: «ولكل حي عاقل في قبره عمل يقاربه هناك ويسأل». إذن علمنا، يا إخواني في الله، على أن ما من ميت -لقوله: «ولكل» وكل من صياغة العموم- هل يدخل هذا العموم جميع الأمم؟ هل يدخل في هذا العموم جميع الأمم؟ وأنها تسأل؟ يعني قوم موسى عليه السلام يسألون، وقوم عيسى يسألون، وقوم إبراهيم يسألون، كل أمة تسأل؟ العلماء على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال بالعموم، أي نعم، كل أمة تسأل. ومنهم من ذهب إلى التخصيص، وأن السؤال إنما يكون لهذه الأمة المحمدية دون سواهم. يكون لهذه الأمة المحمدية دون سواهم. والمذهب الثالث: من توقف، قال: الله أعلم. الله أعلم هل الأمم السابقة تسأل أم لا؟ الله أعلم. هذا، أخواني في الله، خلاصة ما يتعلق، أو قل: هذا أهم المسائل المتعلقة بما يسمى بسؤال القبر، أي فتنة القبر. بقي ما يتعلق بعذاب القبر، بنعيم القبر. هذه مسألة أخرى. والمؤلف ما تطرق إليها. لكنها تتبع، لأن الذي يجحد فتنة القبر، فمن باب أولى أن يجحد العذاب والنعيم. ولذي يثبت فتنة القبر، فإنه يثبت بالضرورة العذاب والنعيم. لأن من المبتدعة، أخواني في الله، من ينكر عذاب القبر، من أهل البدع. من ينكر ما يكون في القبور. هذا نعم. هذه يدندن به المبتدعة، ممن يحكم العقل. ثم وصل الأمر إلى الزنادقة والملاحدة، إلى إنكار ما يجري في القبور. ومن أعظم حججهم التي يدلون بها في إنكارهم لما يجري في القبور: الواقع. ما هو الواقع؟ قالوا: الواقع الآن، نذهب أحنا وإياكم إلى هذه المقبرة. دعونا نحفر. دعونا. ما الذي نجد؟ نجد الميت هو هو، أصبح عظاما. هل نجد نارا؟ هل نجد نارا؟ افترض أنها جنة. هل نرى أن القبر قد اتسع على مد البصر؟ ما نرى شيئا. أين هذا الذي يدعى؟ أين هذا الذي يدعى؟ فيقولون: ارحموا عقولنا يا أهل السنة. ارحموا عقولنا يا أهل السنة. كيف هذا؟ عذاب نار وجحيم، وحيات وعقارب، وأبواب، وتتسع القبور على أصحابها إن كان من أهل النعيم، ويجد من من نعيمها ومن ملاذها إن كان من أهل الجنة. أين هذا كله؟ ولهذا هم يتجسرون على هذا الإلحاد، وعلى الإلغاء، وعلى التكذيب. أرد في هذا الباب يطول. لكن نذكره تتمة للفائدة، في بيان ما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه. أخواني في الله، أحيانا العذاب والنعيم لا يستشعر به إلا صاحبه. لا يستشعر به إلا صاحبه. بينما غيره لا يرى شيئا. لا يرى شيئا. وهل هذا الأمر مثال واقعي؟ الجواب: نعم. لنا مثلا عظيما، أخواني في الله، بما هو يعبر عنه بأخ الموت. ما هو أخ الموت؟ النوم. نحن في هذا المسجد الآن، أتكلم معكم. لربما يأتي لي أخ، يأتي عند المنبر هنا وينام، وينام، ويسترسل في نومه، حتى يغط غطيطا. فبينما هو في نومه، إذ به دخل فيما يسمى بالكوابيس. فيجد أنه في غابة مضرمة، وإذ أن هناك حيوانات شريسة، من ذوات الأنياب، من ذوات المخالب، تنهشه. وهو يجري، تجري خلفه. فلا يزال يركض، حتى يصعد إلى الجبل. فإذا بحيوانات أشد وأعظم من أعلى. فينزل من رأس الجبل. فلا يزال يجري، يجري، يجري، يجري. وهذه الحيوانات تنهش به، وتأكل من لحمه، وتأخذ من رأسه، وتقتلع عينه. وهو في هذه الحالة، ما يعلم بها إلا الله. يقوم من شدة فزعه. فزعه. لربما أثر العذاب يظهر على وجهه، يتصبب عراقا. وقلبه. ونحن أين؟ بجواره. هل نرى شيئا من هذا؟ ما نرى شيئا. فقد يقوم: لا إله إلا الله. على رسلك. إيش اللي صار؟ خاف الله يا رجال. ويضع يده على الجبين، ويحولق: لا حول ولا قوة. وين الماء؟ ماء ضمآن. إيش اللي صار؟ هذا الآن تعذب. أين؟ يا أخوان. تعذب بجوارنا. بجوارنا. هل إحنا قد شعرنا به؟ ما رأينا شيئا. هل نكذبه؟ ما صار. نكذبه؟ هو يقول: أنا، أنا أحسست بهذا. شوف قلبي. خاف الله. والعكس بالعكس كذلك بالتنعيم. ربما نحن في هذا المقام، ويأتي أحد جوارنا وينام، ويغط غطيطا في نومه. ثم يسترسل في الأحلام الطيبة. وأنه تزوّج، تزوّج. وأنه بين فلان وفلانة. ثم يقوم. ما شاء الله. يقول: إيش أخي؟ إيش اليوم هذا؟ سبحان الله. فرح. فرح. يجد ثلج القلب، وراحة الصدر، وهدوء البال. أين هذا في منامه؟ هل نحن شعرنا بهذا النعيم الذي مر به؟ ما شعرنا به. هل هذا تكذيب له؟ لا والله. ليس بتكذيب. ولهذا، أخواني في الله، نقول للملاحدة: أنت نعم قد تنبش القبر، ما تجد إلا عظاما. هذا لك. لكن الخطاب هو ما الذي سيجده؟ أمر آخر. سيجد ما وعده ربه، إما عذاب وإما نعيم. ولهذا قال علماء: أن مسألة القبر من أمور الغيب التي لا يعلم بها الخلق. لا يعلم بها الخلق. فلا تحاول يا عبد الله أن تصل بعقلك إلى ما أراد الله أن يغيبه عن البشر. ما يمكنك أن تطلع عليه. فاستذكر يا عبد الله هذا المثال. هذا المثال. وهو أن الإنسان لربما يعذب أو ينعم، والذين بجواره لا يشعرون بشيء. ولهذا، كما يقول علماء: والنوم أخو الموت. نتبين في هذا المقام. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ما نستطيع أن نجزم ما نراه من بعض الأمارات والعلامات التي تغير على الأموات. ما نستطيع أن نجزم بها أن هذه إشارة إلى حال الميت. لأن هذه الأمور قد تعود. وقد ذكر العلماء هذه مسألة. مثلا: تجد أن بعض المغسلين يجد أن ميتا من الأموات، عند غسله، تغير لون جلده. هل معنى هذه أمارة؟ ما نستطيع أن نجزم. لعل هذا التغير كان لطبيعة جسده، لطبيعة جسده. أو تلوثه. والعكس بالعكس. قد تجد فيه أمارات طيبة، تدل على حسن خاتمته. لا نجزم. لا نجزم. ما نستطيع أن نجزم بهذه الأمارات. لكن نجعلها قرينة. نستطيع أن نقول: الله حسن الخاتمة. نعوذ بالله من سوء الخاتمة. لكن نجزم له بهذا؟ ما نستطيع أن نجزم. لأنه يقول العلماء: أن الميت في حال موته قد تتغير بعض أعضائه لأمور تعود إلى طبيعة جسده، أو تعود إلى الجو، أو تعود إلى الأرض الذي دفن فيها. فما نستطيع أن نجزم. والقول الآخر في الله: أن العلماء يأمرون كل من اطلع على شيء من سوءات المسلمين -من سوءات المسلمين- مما يكون فيه إشارة إلى سوء خاتمتهم. أنك يا عبد الله مؤتمنا. لا تنشر. أنت مؤتمن على غسل الأموات. صحيح قد يظهر لك شيء. هل لك أنك تبوح؟ لا. قال العلماء: إلا لعظة، من غير تسمية. قل: يا أخواني في الله، في ميت من الأموات قد ساء بنفسي. فرأيت منه كذا ورأيت منه كذا. تبوح منه رائحة أعوذ بالله. وقد سألت عنه. قال: تارك صلاة. عبر بهذا. أما تقول: فلان من فلان. فتجزم باسمه. لا. أنت مؤتمنا. ولعل هذه نعم. ولعل هذه التي رأيت منه. صحيحة. هل ما ننكر هذا؟ قد يكون هذه قرينة ظاهرة. لكن ما يريك أنك بعدما تغسله على هذه الحالة، أنك إذ أخذته وكفنته، ثم صليت عليه. لربما تأتيك ماذا؟ شفاعة أهل الجنازة. أنتم تعلمون أن ما من ميت يصلي عليه مئة، فيشفعوا فيه إلا شفعوا. هو بالأمس نعم كان معذبا. لكن لما صلي عليه بصلاة الجنازة، رفع الله عز عنه العذاب. فأنت تذهب بمخيلتك أنه لا زال يعذب. قد غفر الله له بشفاعة الشافعين في صلاة الجنازة. أو بدعاء رجل صالح. أو بضمة القبر، فهي تكفر عن ذنوب أهلها. فأخواني في الله، في مثل هذه المسائل، إذا أحد اكتشف له أمر أحد من الأموات، من سوءاتهم. فيستر عليه. وهذا الذي أوجبه العلماء على كل مغسل. الذي يظهر عليه ما لا يظهر على غيره من خلق الله. والله أعلم.