الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش الفروق بين طهارة الماء والتيمم، ويوضح أن التيمم يحل محل طهارة الماء في بعض الحالات. كما يبين الفروق بين طهارة الحدث الأكبر والأصغر.
يتناول أحكام أجزاء الحيوانات التي تموت بغير تذكية شرعية، ويقسمها إلى أقسام ثلاثة: طاهر دائمًا، نجس دائمًا، ونجس يطهر بالدباغ. يوضح أحكام الانتفاع بهذه الأجزاء.
يقسم الحيوانات إلى ثلاثة أقسام من حيث الحل والحرمة: حلال طيب، حرام، ويحل بشرط التذكية الشرعية. يبين الأصل في حيوانات البحر والبر والطيور.
يحدد أصول المحرمات من الحيوانات في ستة أصول تشمل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير وما نهى الشرع عنه. يبين أن ما لم يدخل تحت هذه الأصول يكون حلالاً إذا ذكيت شرعاً.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الله مساعد رحمه الله في كتابه «الفروق والتقاسيم البديعة النافعة»: قالوا من فروق الضعيفة تفريقهم في طهارة الماء وطهارة التيمم في أمور كثيرة، والصواب أنه إذا حل التيمم لفقد الماء أو للضرر باستعماله ناب التيمم عن طهارة الماء في كل شيء من دون استثناء. معنى هذا أن هذا التفريق ضعيف تفريقهم بين طهارة الماء وطهارة التيمم، فمن ذلك مثلا يقولون أن المتيمم لا يتيمم قبل دخول الوقت بخلاف المتوضئ بالماء، وأنه لا يصلي بالتيمم إلا الفريضة الحاضرة دون غيرها من الفرائض، فلو خرج وقت الصلاة وهو ما زال على طهارة التيمم عليه أن يتيمم مرة أخرى، وهكذا إذا تيمم للنافلة لا يصلي بها فريضة، إلى آخر ذلك من هذه الأمور التي فرقوا فيها بين طهارة الماء والتيمم. والصواب أنه لا فرق، فإذا تيمم المسلم قام التيمم مقام طهارة الماء، فكل ما يفعله بطهارة الماء فإنه يباح له أن يفعله بطهارة التيمم، هذا هو الصحيح. وذلك أن التيمم رافع للحدث رفعا مؤقتا حتى يرد الماء، والله عز وجل سماه طهارة، الله عز وجل سمى التيمم طهارة، نعم ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهَا﴾، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم. قالوا من فروق الصحيحة التفريق في طهارة الحدث الأكبر وطهارة الحدث الأصغر، حيث وجب في الطهارة الكبرى إيصال الماء إلى باطن الشعور ولو كثيفة، وأما الحدث الأصغر فلا يجب إيصالها إلى الباطن إلا إذا كان الشعر خفيفا، وطهارة التيمم يكفي فيها مسح ظاهر الشعر ولو خفيفا. نعم، هذا فرق صحيح، فيفرق بين طهارة الحدث الأكبر التي هي غسل الجنابة، وبين طهارة الحدث الأصغر وهو الوضوء مما ينتقض به الوضوء من نواقضه. في الطهارة الكبرى وهي غسل الجنابة لابد من إيصال الماء إلى باطن الشعور ولو كانت كثيفة، ولو كانت كثيفة كشعر الرأس، شعر اللحية. وأما في الحدث الأصغر فلا يجب إيصال الماء إلى باطن الشعر، لو توضأ الإنسان وفي وجهه لحية كثيفة لا يجب عليه إدخال الماء إلى ما تحت شعر اللحية، إلا إذا كان خفيفا ترى البشرة من تحته، فهذا في حكم الوجه. أما إذا كانت كثيفة فلا يلزمه أن يدخل الماء إلى باطن الشعر، وهكذا في طهارة التيمم يكفي ما ظهر من وجهه، لأن المسح مبني على التخفيف. قالوا من الفروق الصحيحة الفرق بين السجود على حائل من أعضاء السجود فلا يجزئ، أو على حائل مما يتصل بالإنسان فيكره إلا لعذر، وبحائل منفصل فلا بأس به. الفرق بين السجود على حائل من أعضاء السجود فلا يجزئ، يعني إذا جعل عضو من أعضاء السجود سجد عليه، ككفه مثلا، وضع كفه في الأرض وسجد عليه، هذا لا يجزئ أن يجعل عضو من أعضاء السجود حائلا في السجود، والواجب أن يضعه في الأرض، لحديث ابن عباس «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم»، قال: الوجه وأشار إلى جبهته وأنفه، واليدين، والركبتين، وطرفا القدمين. وأما إن كان الحائل مما يتصل بالإنسان كعمامة، يعني يلبسها فوضعها في الأرض وسجد عليها، قال: يكره إلا إذا كان لعذر، يعني إذا كان من غير عذر فمكروه، الأولى أنه لا يسجد على شيء من ثيابه. أما إذا كان هناك عذر كأن يكون في الأرض شديدة الحرارة وأراد أن يعني يضع طرف الثوب فيسجد عليه حتى يقيه من حر الأرض، فلا بأس، ويدل عليه قول الصحابي رضي الله عنه: «كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه»، نعم. هذا محتمل أن يكون متصلا وأن يكون منفصلا، يعني هذا الثوب يحتمل أن يكون متصلا به بالمصلي ويحتمل أن يكون منفصلا، وإن كان الظاهر أنه متصل به «بسط ثوبه» يعني هو الذي يصلي المتصل به فسجد عليه. قاله: بحائل منفصل فلا بأس به، إذا كان الحائل منفصلا، يعني كثوب، كعمامة لم يلبسها هي موضوعة في الأرض أو نحو ذلك فلا بأس به، نعم. قال فصل: ومن الفروق الصحيحة الفرق بين أجزاء الحيوان الطاهر إذا مات بغير تذكية شرعية، وأنها ثلاثة أقسام: قسم طاهر على كل حال وهو الشعر والصوف والوبر والريش، لأنها منفصلات لا فضلات فيها، ولا يحلها الموت. وقسم نجس على كل حال محرم وهو اللحوم والشحوم وما يتبعها من أعصاب وعروق وغيرها، وكذلك العظام لأنه يحلها الموت وتكون هذه الأجزاء بعد الموت خبيثة. وقسم نجس يطهره الدباغ وهو الجلد، كما ثبتت به النصوص، ولأن الدباغ يزيل ما فيه من الخبث. هذا التقسيم أشار رحمه الله لأنه تقسيم صحيح، وهو أن أجزاء الحيوان إذا مات من غير تذكية فهو على ثلاثة أقسام: قسم طاهر على كل حال، يعني في حال حياته وفي حال موته فهو طاهر، أخذ منه حال التذكية أو قبل التذكية، كالشعر بالنسبة للأغنام، والصوف للضان، والوبر للإبل، والريش للطيور، هذه الأشياء طاهرة حتى لو مات الحيوان يعني ولم يذكه فإنه يجوز أخذها والانتفاع بها. لأنه في حكم المنفصل، وكذلك أيضا ليس فيها حياة، لا تحلها الحياة، ليس فيها عروق ولا دم إلى آخر ذلك، فهي طاهرة في حال الحياة وفي حال الموت. والقسم الآخر نجس على كل حال، إذا مات من غير تذكية فإنه لا يجوز يعني أكله ولا بيعه، اللحوم والشحوم، الكرش، الأمعاء، هذه أشياء تعتبر نجسة خبيثة لا يجوز أكلها ولا بيعها. لكن هل يجوز الانتفاع بها؟ ب يجعلها سماد مثلا للزروع، نعم، الجواب: يجوز أن تأخذ وتجعل سمادا للزرع، هذا لا بأس به. وأدخل رحمه الله في العظام من هذا القسم على أن بعض العلماء يرى كذلك أن العظام لا يحلها الموت، أنها لا تحلها الحياة، وهي كالأجزاء الأخرى كالريش ونحو ذلك، نعم. وقد يفرق يعني بين العظام التي هي في داخل الجسد التي يحوطها اللحم ونحو ذلك، فهذه قد نقول بنجاستها، وأما العظام التي تكون منفصلة كالقرون كقرون البهيمة، البهيمة ومنها مثلا قرون القرن الوحشي، القرن وهكذا أيضا ناب الفيل ونحو ذلك، هذه تكون طاهرة ويحل الانتفاع بها. وأما العظام التي يعني تكون في مخالطة باللحم فهذه تلحق باللحم. وقسم الثالث هو نجس لكن يطهر بالدباغ وهو الجلد، جلد الحيوان إذا مات من غير أن يذكه فإنه يجوز الانتفاع به بأن يأخذ ويدبغ. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، قال: «أي إهاب دبغ فقد طهر»، ولم رأى النبي صلى الله عليه وسلم ناسا يجرون شاة ميتة، قالوا: إنها ميتة، قال: «ألا انتفعتم بها؟» قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: «إنما حرم الميتة أكلها، ألا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» نعم. فالجلد إذا دبغ فإنه يزول ما فيه من خبث، يدبغ بالقرض، قرض مادة تستعمل في تطهير الدباغ، أو كذلك يجعل فيه الرماد والملح، يغسل بالرماد والملح ثم يعني يترك إلى اليوم الآخر فيزول ما فيه من خبث، أو لح ذلك من أنواع التطهير. قال: كما قسم الشارع الحيوانات بالنسبة إلى الحل والحرمة ثلاثة أنواع: قسم حلال طيب حيا وميتا وهو حيوانات البحر، وكذلك الجراد. وقسم حرام لا ينفع فيه ذكاة ولا غيرها وهو كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير والخبائث كلها، كما هو مفصل في الأطعمة. وقسم يحل بشرط التذكية الشرعية وهو الأنعام الثمانية وأكثر الحيوانات البرية والطيور. الله أعلم. الحيوانات ذكر رحمه الله أنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع أو أقسام من حيث الحل والحرمة، فقسم حلال طيب حيا وميتا وهو حيوانات البحر، الأصل في حيوانات البحر هو الحل، قال الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾. قال ابن عباس: طعامه ما ألقاه البحر أو ما صيد، صيد البحر ما صيد منه حيا، وطعامه ما ألقاه البحر ميتا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، نعم. فجميع أنواع حيوانات البحر حلال، وإن كان العلماء اختلفوا في بعض الأنواع كالتمساح مثلا، من العلماء من يرى حله لعموم الأدلة، ومنهم من يرى أنه يحرم ويلحق بحيوانات البر المفترسة لأنه حيوان مفترس ويعيش في البر ويعيش في الماء، فيقولون هو أشبه بكل ذي ناب من السباع فيحرم. وكذلك أيضا ما يعيش في البر والبحر البرمائي كالسلحفاة، فهذه الصحيح أنه لابد من تذكيتها، لابد من تذكيتها خاصة إذا يعني أمسكت حية فتذكى، أما إذا ماتت في البحر إذا وجدناها ميتة في البحر فحكمها حكم صيد البحر تكون حلال. وأما إذا ماتت في البر من غير تذكية فهي محرمة، والأصل في حيوانات البحر الحل، نعم. ولو كان مثلها في البر محرما في كلب البحر وحية البحر، طيب هذه في البر يعني حيوان البر محرم، لكن حيوان البحر حلال. وكذلك الجراد حلال وميتته حلال. وقسم حرام لا ينفع فيه ذكاة ولا غيرها وهو كل ذي ناب من السبع وكل ذي مخلب من الطير، كما ثبت بالصحيح في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السبع، يعني أي حيوان له ناب يفترس به فهو محرم، فهو محرم، الكلب، الفهد، الأسد، النمر، الذئب، الثعلب، نعم. نقيس على ذلك، نقيس على ذلك. وكل ذي مخلب من الطير، يعني من له مخلب مخالب يفترس بها من الطيور فهو كذلك محرم كالصقر والنسر وغيرها. قال: والخبائث كلها، يعني أي حيوان خبيث فإنه كذلك يحرم، أشياء خبيثة، الديدان، الحشرات، والحيوانات التي تأكل الجيف كالرخمة، وكذلك نحوها من هذه الحيوانات فإنها تحرم لخبثها، والله عز وجل يقول: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. وكذلك أيضا ما أمر الشرع بقتله أو نهى عن قتله فهو محرم، ما أمر الشرع بقتله كالحية والعقرب والفارة والحدأة والكلب العقور، هذه أشياء أمر الشرع بقتله فتكون محرمة. وهكذا أيضا ما نهى الشرع عن قتله كالنملة والنحلة والهدهد والصرد، نعم. وكذلك النمل والنحل والهدهد والصرد أيضا، الضفدع في حديث «أن يسلم عن قتله»، فهذه أشياء تحرم، يحرم أكلها لأنه نهى الشرع عن قتلها. وكذلك كل ما فيه ضرر، كل ما فيه ضرر فإنه يحرم، فتكون أصول المحرمات ستة: أصول المحرمات ستة وهي كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وما أمر الشرع بقتله، وما نهى عن قتله، وما فيه خبث، وما فيه ضرر، فتكون هذه أصول المحرمات، وما سواها فهو حلال. وقسم قال: يحل بشرط التذكية الشرعية، وهي الأنعام الثمانية من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل كذلك، ومن البقر، فهذه حلال تحل بالتذكية إذا ذكيت وذبحت فهي حلال. قالوا: وأكثر الحيوانات البرية والطيور، لأن هذا هو الأصل، الأصل في الحيوانات أنها حلال، فما لم يأت فيه تحريم ولم يشمله التحريم من هذه الأصول الستة فالأصل فيه أنه حلال، نعم. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.